كيف إقترن أسم الجواهري
بتاريخ العراق السياسي؟ – نصوص – جهاد هادي ابو صبيع
لقد ذاعت شهرة الجواهري ذيوعا رائعاََ، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية َ، وبعد ان وصل صوته الى ساحة الشعر في الوطن العربي كله َ، واقترن اسمه بتاريخ العراق السياسي الحديث حتى عد بعضهم شعره وكأنه يصور هذا التاريخ َ، كيف لا وقد نشأ الجواهري في مطلع القرن العشرين نشأة علم وسط عائلة تقول الشعر القديم وتتصدر النوادي الادبية في النجف الاشرف فيرتادها الشاعر َ، وكان جل اعتماده على مخزون ثقافي تجمع عنده من قراءاته للشعر القديم َ، واطلاعه الواسع على كتب اللغة والنحو والبلاغة َ، وما حفظه من شعراء عصره المشهورين كشوقي وحافظ َ، والزهاوي َ، والرصافي َ، فنجد في قصيدته (الثورة العراقية) احسن ما يجده القارئ في قــــــــــصائده المبكرة والتي كتبها عام 1921م .
لعل الذي ولى من الدهر راجع فلا عيــش ان لم تبق الا المـطالـع
غرور يمنيــنا الحيــاة وصفــها سراب وجـنـات الامــانـي بـلا قـع تسـر بزهـو من الحيـاة كـذوبـة كما افتر عن ثغر المصافي مخادع
هو الدهر قارعه يصاحبك صفوة فـما صاحـب الايــام الا المـقــارع
هنا نجد في هذه الابيات التجربة الرائعة والحكمة الجميلة والتي لا تتناسب وعمر الشاعر انذاك وحكمته تتناسب لكثير من القضايا وموضوعها عام َ، فهنا نجد المخزون الثقافي كبير يتزود منه كلما تقدم في القصيدة . اسمع
الم تر ان الدهر صنفان اهله اخو بطنة َ، فما يعدو جائع
اذا انـت لم تأكـل أكـله وذلــة عليك بان تنسى وغيرك جائع
تحدث اوضاع العراق بنهضة ترددها اسـواقــه والشــوارع
وصرخة غيران لانهاض شعبه وانعاشه تستك منها المســامع
فاذا كان الشاعر يقصد بالثورة الشعبية الكبرى (ثورة العشرين) فقد قامت وخمدت من قبل عام مضى ونفوس العراقيين بعدها مملوءة بالاحزان والالام ولكنه يعبر عن ارثه الثقافي الكبير الذي يخزنه الشاعر .والذي يقتطفها من ابيات الشاعر القديم ليضيفها الى ابياته ويبني عليها ويقدم لنا الشهادة التامة بعدم خروجه عن القديم او الشذوذ عن حدود صوره التي حازت عنده قداسة واجلالا .
واما نظريته السياسية نلمس الاضطراب والقلق َ، فهو مندفع في بعض قصائده الى التعريض بالسلطة السياسية مهاجما الحكام والقادة والساسة َ، وممن بيدهم امور العراق كقصيدته (( عقابيل داء )) و(ضحايا الانتخاب) وتارة يندفع الى مدح الملك والقادة ونرى ايضا يصور لنا بقصيدته الرائعة استشهاد الامام الحسين (ع) في كربلاء مؤكدا مبادئه الدينية وقيمه التي ثار من اجلها . ونرى مرة اخرى يهاجم قسما من رجال الدين هجوما عنيفا متهمهم بكل انواع المخازي والمساوئ ومحرضا مريديهم على التمرد والانقضاض والثورة ورفض زعاماتهم الدينية المزيفة وحتى الجماهير الشعبية التي كافح وتشرد من اجلها فانه سرعان ما يتخلى عنها بقوله :
كل ما في الحياة من متع العيش ومـن رونــق بهـا يزدهيــني
انا ضـد الجمـهـور فـي الـعـيـش والتفكير طرا وضده في الدين
التـقالـيـد والمـداجـاة في الـنــاس عـــــدو لـــكــل حـر مــبـيــن
فأن حياة الشاعر و حرفيته نجد فيها الاضطراب واهتزاز الرؤية ِ السياسية والاجتماعية والذاتية تركت كلها آثارا ً على نسيجه وبالرغم من تعدد مواقفه َ، وتناقضها أحيانا ً َ، لكنه في صميم هذه الاحداث والمتغيرات فيعبر عنها تعبيرا ً صادقا ً ونجد شعره سجلا ً وتصويرا ً دقيقاً لتطلعات الحركة الوطنية العراقية في هذه الفترة المضطربة َ، فأغنت رؤيته إلى الوطن ووسعت من افقه وربطت الجواهري بقضايا الوطن والشعب فكان الجواهري في الصميم صحفيا ً وشاعرا ً وسياسيا ً َ، فشاهد الشاعر كل المتغيرات فأضطرب وتمرد على كثير من أوضاعه وقيمه واطلع على افكار جديده كانت تطرحها الاوضاع والظروف في العراق وخاصة في الاربعينات ووثباته وانتفاضته ضد التبعية والتسلط والاستبداد وكم الافواه وخنق الحريات لهذا نجد هناك نسيجا ً جديدا يطلع به شاعرنا على العالم العربي في مؤتمر دمشق عام 1944 وفي الذكرى الألفية لأبي العلاء المعري :
قف بالمعره وامسح خدها التربا واستـوح من طـوق الدنـيا بما وهبا
واستوح من طيب الدنيا بحكمته ومن على جرحها من روحه سكبا
أن أبا العلاء بات في شعر الجواهري نموذجا ً خالدا ً لحرية الفكر والتمرد على القيم البالية َ، ومثالاً ممتازا ً من التاريخ العربي ومن القصائد الجميلة والنادرة في شعر الجواهري قصيدته إلى الشعب المصري عندما دعاه الدكتور طه حسين لزيارة مصر فنجد الشاعر يبلغ قمة الفن وهو يخط على لوحة الشعراء أرشق الخطوط وأجمل الألوان َ، فأذا مصر بتاريخها وتيلها وتراثها وحاضرها يتدفق في وجدان الشاعر :
يا مصر تتبق الدهور وتعثر والنيل يزخر والمسلة تزهر
وبنوك والتاريخ في مصيبهما يتسابقان فيصهرون ويصهر
والارض ينقذ من عماية أهلها نور يرف على ثراك وينشر
هذا الصعيد مشت عليه مواكب للدهر مثـقلة الخطـى تتـبختر
فهنا نجد في هذه القصيدة الذي يسيطر جو التاريخ على أبياتها لأن الشاعر يريد أن يدمج الماضي بثرائه واثاره بحاضر مصر . وأجمل ما في قصيدة العتاب الموجهه إلى مصر حين كانت الدعوة إلى الفرعونية قائمة .
واذا عتـبـت فمثـلما مس الـثرى غـيــث تــخـلـله سحـاب اكــدر
يا مصر لامت البسيطة شملها فالكون اصغر والمسافة أقصر
وأخيرا ً نجد أن العنف والغضب السمة العامة في قصائد الجواهري ولعل الاحداث التي جرت في العراق والوطن العربي والعالم في تلك الفترة وتطورها ثم الملاحقة وقتل أخيه وأستشهاده والسجن والتشريد وأغلاق الصحف قد أثارت في صوت الشاعر نبرة العنف والحدّه والقوة لهذا راح الجواهري يهاجم الحكام والقاده وبصورهم ويذيع هذا الشعر في المحافل العامة بين الجماهير والجماهير الهادره في غضبها ومشاعرها تلتحم مع الشاعر وتؤيده بكل قواها لأن الشعب والشاعر يعانيان نفس المعاناة فالواجب عدم الاستكانة للحكام والقاده والابتعاد عن الصمت والمطالبة بالحقوق ونراه يتناول الواقع السياسي في صراعه ضد الحكام والمستعمرين فنجد الصواعق المحرقة من اللغة والنغم والصور الجميلة تنزل على المستعمر الجلاد والحاكم والقائد الخائن فنجد الواحات الدامية تقفز بالشعر وكذلك العواطف الوطنية إلى أعلى درجات التأثير وخاصة في (( أتعلم أم أنت لا تعلم )) ((ويوم الشهيد )) أسمعه :
أليــت اقتـحم الطــغـاة مصـرحـا ً
أذا لم أعــود أن أكــون الرائـبـــا
وغرست رجلي في سعير عذابهم وثبت حيــث أرى الدعـي الهـاربا
ماذا يضر الجوع ؟ مجد شامخ أني أظـل مـع الرعيــة ســاغـيــــا
أنـي أظــل مـــع الرعيـة مرهقا ً
أنـــي أظــل مــع الرعيــة لا غــيا
يتبــجحون بأن موجــا ً طــاغيا ً سدوا علـــيه منـــافذا ً ومســاربـــا
كــذبوا فمــك فم الزمان قصائدي
أبدأ تجــوب مشـــارقا ً ومغـــاربا
أنا حتفـــهم ألـــج الـــبيوت عـليهم أغري الــوليد بشــتمهم و الحــاجبـا
فهنا نجد جل قصائد الجواهري على هذا المنوال من التدفق والعنف في التعبير والمشاعر وكذلك اسلوبه المشحون بالالفاظ الثائرة وهذا التوتر والعنف والدم في حياة الجواهري سببه منذ كان صبيا شهد تمرد مدينته النجف الاشرف ضد الدولة العثمانية ثم الانكليز ثم ثورة العشرين الخالدة وكذلك عاصر واشترك في احداث الوطن كله وخاصة في بغداد من انقلابات عسكرية ومظاهرات كانت الدماء تسيل الى ان سقط اخوه مضرجا بدمه في احداث الوثبة العظيمة التي هزت عروش السلطة انذاك عام 1948 ولمس الدماء بيديه وهي تنزف .
ذلك ان الجواهري لم يكتب من الاحداث والقضايا بعد مرور سنوات ومراحل عليهاَ، وانما يكتب عنها في حرارة وسخونة انفجارها وحضور الجماهير فيهاَ، وذلك تعاطفت الجماهير في شعره وتواصل شعره مع حركة الجماهير وثوراتها وانتفاضاتها في معظم التاريخ السياسي العراقي والعربي والعالمي في بعض القصائد.
{ عضو اتحاد المؤرخين العرب
















