بالعربي الأفصح من الحكيم إلى العنيد – فؤاد مطر

بالعربي الأفصح من الحكيم إلى العنيد – فؤاد مطر

لم يسجَّل في تاريخ الرئاسات اللبنانية في مرحلة ما قبْل الإستقلال (فترة الإنتداب الفرنسي من العام 1926 وحتى العام 1943) أن قيل في حق الذين جلسوا على كرسي القمة من النقد المرير والإستهانة إلى درجة الإهانة وبعبارات تتجاوز بكثير لياقة التخاطب سواء من جانب أطياف من الشعب أو من قامات حزبية ذات تأثير في الحياة السياسية اللبنانية أحدثهم رئيس “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع أو “الحكيم” (اللقب المستحب عنده) الذي طوى إلى غير عودة إمكانية أي مصالحة مع الرئيس ميشال عون نادماً على ذلك التحالف الذي سبق أن عقده معه ومن دون أي تفسير للدواعي يقال في حينه  “الجمع القواتي” عن مكاسب هذا التحالف الذي لم يصمد. ربما لأن ما من المفروض قوله لا يقال على الملأ مثل أن الرئيس ميشال عون تعهَّد بأن يتولى الرئاسة من بعده الحليف الجديد سمير جعجع، ثم محا بعد الإعلان الإبتهاجي المشترَك من الطرفين بإبلاغ الملأ اللبناني والسوري والخارجي أن خليفته هو زوج إبنته.. وكفى “القوات اللبنانية” مواصلة الإعتراض.

عبارات مهنية

ما يعنينا هنا هو هذه القدرة من جانب الرئيس ميشال عون على الإستخفاف بهذه العبارات المهينة التي تقال في حقه من خلال أفراد موجوعين وأحياناً جائعين ومن متزعمي أحزاب سياسية وهيئات إقتصادية ومجتمعية مرموقة، ومن نساء تعكس صرخات الجميع إلى جانب الدعوات على الرئيس وسائر الملتفين حوله بأسوأ الحال حجم الإنحدار الحاصل إجتماعياً وسياسياً ومعيشياً ومالياً في الوطن. فهو ليس ديمقراطياً لكي يقال إن هذه طباعه لا يضيق بما يقال فيه وعنه. ربما الإستخفاف بالكلام المهين إقرار ضمني  بأن القائلين على حق وأنه ما دام لم يصحح من اليوم الأول فإن المعالجة تصبح على درجة من الإستحالة وفي هذه الحال يترك الأمور تتراكم إلى حين إنقضاء ما بقي من السنوات الست العجاف ويغادر رئيساً بدل المغادرة الإضطرارية على نحو ما جرى للرئيس سليمان فرنجية الذي إختصروا له رئاسته الأمر الذي جعل سليمان الحفيد يقرر الثأر لما أصاب الجد وذلك بأن يكون هو الرئيس وكاد أن ينال ذلك لولا أن سعد الحريري الأكثر شأناً بين الزعامات السياسية السُنية إرتكب خياراً شبيهاً بعض الشيء بما سبق  وإختاره سمير جعجع عند تحالف “قواته” مع “تيار” الرئيس عون، فقدَّم  إلى “ميشال عون رئيس التيار الوطني الحر” الهدية الحلم وهي أن يصبح الرئيس الحادي عشر للجمهورية غير المكتملة سيادة القرار. وخلافاً لما كان مبرر تحالف جعجع أنه مقابل التحالف يدعمه عون ليكون الرئيس الثاني عشر، فإن “عون الرئيس” إلتزم بوعد “عون الجنرال” وترأس سعد الحريري الحكومة من دون أن يخطر في باله أن “عون الرئيس” سيكويه إذلالاً في مرحلة لاحقة. ولقد حدث ذلك بالفعل وبالقول.

أحدث الإستهانات بالرئيس ميشال عون جاءت في الخُطبة العصماء الطويلة للدكتور سمير جعجع ألقاها واقفاً ومن دون أن تكون مكتوبة، وقالها باللغة الفصحى من دون خطأ في الضم والكسر والجمع يوم الأحد 5 سبتمبر/أيلول 2021. وهذا التخاطب درجت عليه أيضاً زوجته ستريدا جعجع. كأنما هذا الثنائي المتميز يؤكد على فصحى القرآن وأئمة الصرف والنحو والبلاغة وليس على ما أراده الراحل سعيد عقل في شأن إعتماد العامية لغة محكية ومكتوبة. ويحتار سامع خطبة الدكتور جعجع مثل حالنا أي عبارة مهينة أكثر من أُخرى من بين عبارات كثيرة وردت في خطبته. هل هي عبارة “إننا نرفض الرئيس الخانع والخاضع والمساوم على الأساسيات والثوابت” وهل هي عبارة “نرفض الرئيس الضعيف” و “الرئيس الذي يفتعل الأزمات ويسيِّب الدولة ويُفقر اللبنانيين” وعبارة “رئيس قوي بالشكل والكلام ضعيف وضعيف جداً بالفعل”. ولكي لا تبدو الأقوال رمزية قال “لقد أتت نتائج رئاسة الرئيس ميشال عون كارثية جداً علينا جميعاً كلبنانيين وبالأخص كمسيحيين…”.

مثل هذه العبارات لو قالها جعجع بصفة كونه ركناً يمثل سائر الطيف المسيحي المعارض للطيف العوني (واقع الحال ليس كذلك)، لكان جائزاً القول إنه الموقف الموحد المسيحي. لكن جعجع في الوقت نفسه محصن بموقف مرجعيات أكثرية الأطياف المسيحية المارونية والأرثوذكسية من البطريرك الراعي إلى المطران الياس عودة الذي صودف أن قال في اليوم نفسه عن الرئيس عون وعهده عموماً في قداس “إن عدم إحترام الدستور والتغاضي عن الفساد وتعطيل المؤسسات أدت إلى إنهيار الدولة” و “إن شبق السُلطة يدمر صاحبه ويدمر البلد”. وأقوال هذه المرجعية الأرثوذكسية الكثيرة الرقي تنسجم وعشرات العبارات التي سمعها اللبنانيون من البطريرك الراعي في قداديس ومناسبات كثيرة منذ أن أطلق الدعوة الصالحة والحل الذي لا أكرم منه للجميع.. دعوة إعلان لبنان دولة محايدة.

كيف سيمضي الرئيس ميشال عون الأشهر المتبقية من رئاسته في حال لم تحدث مفاجأة إختصار الولاية، فيما النعوت والإستهانات تنهال على شخصِه وعهده ومن مختلف الأطياف اللبنانية. وهنا نقول إنه لو كان الدكتور جعجع جزءاً من تحالف في العلن مع مَن هم من شاكلته في التخاطب وحذاقة الإستنهاض، من سائر الطوائف اللبنانية لما كانت خطبته التي سمعناها كما سائر أطياف كثيرة من اللبنانيين ولكان لما قاله فِعْل كالذي أودى ببعض رئاسة أول الرؤساء الإستقلاليين بشارة الخوري وبثانيهم كميل شمعون وبثالثهم في حقبة الوصاية السورية سليمان فرنجية. ولكن الدكتور جعجع كان يخاطب الرأي العام المسيحي الذي لا ندري هل سيبقى على تشققه الذي وضع به السيادة في مهب الجزر الطويل.

عربي فصيح

ما بعد مخاطبة الحكيم بالعربي الفصيح بل وبالأفصح كمفردات وكمضمون ليس كما قبل المخاطبة تلك.

لكن تبقى الإجابة عن لغز حارت الشطارة اللبنانية والعربية والدولية في تفسير كنهه وهو: ما هي هذه المتعة لرئيس تنهال عليه اللعنات والشتائم على مدار الساعة علناً أحياناً وفي المجالس العائلية معظم الأحيان وبالذات عند الإحساس بالإختناق من واقع الحال.

ولماذا لا يكون من الذين سبقوه من أيام الإنتداب وسنوات الإستقلال، حامدين شــــــاكرين في معـــــــظمهم قانعين منصرفين بمــــــــا يرضي رب العالمين ويريح الضمير ويحترم النفس.

أما كيف حكم هـــــؤلاء وكيف إنصرفوا ثم رحلوا ولا من يرميهم بإستهانة، فللحديث بقية.

مشاركة