بالإرادة الوطنية والنظام المؤسساتي الرصين تعمّر الأوطان – حسن السراي

368

بالإرادة الوطنية والنظام المؤسساتي الرصين تعمّر الأوطان – حسن السراي

في بداية التسعينات وتحديداً في الفترة ما بين عامي 1993 و 1995 كان العالم يتابع مجازراً ومذابحاً وحشية، ودماراً باخعاً وبيلاً قل مثيلهما في بلد أفريقي صغير وتحديدا في منطقة البحيرات العظمى وسط أفريقيا في دولة صغيرة أنهكتها الحرب الداخلية والمذابح ألا وهي (رواندا) . وقعت رواندا فريسة حرب أهلية بين الأغلبية من قبائل (الهوتو) التي تشكل أكثر من 80 بالمئة من السكان وقبائل (التوتسي) التي تشكل النسبة الباقية.

كانت الغلبة بداية الحرب للأغلبية، لكن (بول كاغامي) ، الاسم الذي سيحفظه التاريخ ، نظم صفوف الجبهة الوطنية خارج البلاد، ونفذ حربا انتقامية واستطاع أن يحتل العاصمة كيغالي عام 1995.

مذابح الابادة

اقترب عدد ضحايا مذابح الإبادة من مليون قتيل من عدد السكان البالغ آنذاك نحو 11 مليونا، واضطر أكثر من مليونين من الهوتو إلى الهرب من شبح الانتقام إلى زائير المجاورة، وفي الداخل ازدحمت السجون بأكثر من 120 ألفا من المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة.

بعد تلك الحرب تمكنت الجبهة الوطنية من السيطرة على البلاد، وعُين (كاغامي) نائبا للرئيس(بيزي مونجو) ، لكن البلاد غرقت في الفوضى في السنوات الخمس التي تلت الحرب، وفشلت الحكومة في إيجاد حل. عاشت البلاد أسوأ فتراتها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبدا الأفق ضيقا أمام مونجو وحكومته، فتنازل عن منصبه إلى نائبه (كاغامي) عام 2000. تقودك البوصلة إلى قصة نجاح ونموذج معجزة اقتصادية تصل بك إلى مرحلة الانبهار وتتوق النفس إلى محاكاتها والحديث عنها. رواندا التي غرقت لسنوات في مستنقع الحرب التي أتت على كل شيء، لم تلبث أن نفضت غبارها ونهضت من تحت ركامها، واستلهمت طريق الكبار لتحقق الإنجاز في غضون سنوات. قبل أيام توجت البلاد نجاحها بإطلاق أول قمر اصطناعي في إطار مشروع متكامل لربط المدارس والمناطق الحضرية بالإنترنت المجاني، والانتقال لشبكات الكوابل الضوئية بتكلفة تجاوزت ملياري دولار.

وعندما تولى (كاغامي) السلطة حدد هدفين واضحين: أولهما توحيد الشعب، والثاني انتزاع البلاد من الفقر. وشرع الرئيس في خطة من عدة محاور، في مقدمتها تحقيق المصالحة المجتمعية، وإنجاز دستور جديد حظر استخدام مسميات (الهوتو والتوتسي) ، وجرم استخدام أي خطاب عرقي ، ونجحت خطط الحكومة المتنوعة في تحقيق المصالحة بين أفراد المجتمع، وعاد اللاجئون إلى بلادهم . ومع التقدم في الملفات الاجتماعية، وجهت الحكومة طاقتها للتنمية وتطوير الاقتصاد، وقدم الخبراء والمختصون دراسات تحولت لرؤية “رؤية 2020 الاقتصادية، وتشمل 44 هدفا في مجالات مختلفة.

تمكنت هذه الأهداف من تحقيق المعجزة، وارتفع متوسط دخل الفرد عام 2015 إلى ثلاثين ضعفا عما كان عليه قبل عشرين عاما.لا يوجد في الأمر أية معجزة لكي تنشئ دولة ناجحة، ولا تحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنما يكفي أن تستفيد من تجارب الآخرين، فعلى هذا الصعيد تحديدا أوفدت الحكومة عددا كبيرا من اللجان إلى دول أخرى للاستفادة من تجاربها.

وابتكرت الحكومة نظام “الشباك الواحد” للاستثمار، فبينما يحتاج المستثمر في دول كثيرة إلى أسابيع أو شهور لكي يحصل على ترخيص للاستثمار، كانت القصة هنا مختلفة، إذ يمكن للمستثمر أن يقوم بجميع الإجراءات القانونية في مكان واحد، ويمكن إنشاء شركة في يوم واحد أو بضع ساعات فقط. وأستثمرت الدولة ربع ناتجها الإجمالي في الصحة ، وبات اقتصاد البلاد الأسرع نمواً في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة. وخلال الفترة بين عامي 2000 و2015 حقق اقتصادها نموا في ناتجه المحلي بمعدل 9 بالمئة سنويا، وأصبحت واحدة من أهم وجهات المستثمرين والسياح بالعالم.

تراجع معدل الفقر من 60 بالمئة إلى 39 بالمئة، ونسبة الأمية من 50 بالمئة إلى 25 بالمئة وبحسب تقارير أفريقية فإن رواندا شهدت التطور الاقتصادي الأكبر على مستوى العالم منذ 2005 وارتفعت قيمة الناتج الإجمالي المحلي إلى نحو 8.5 مليارات دولار العام 2016 بينما كان نحو 2.6 مليار عام 2005.

وأصبحت الدولة الوجهة السياحية الأولى وسط أفريقيا، وتعتبر العاصمة كيغالي من أكثر المدن آمنا على مستوى القارة، وتحتل مكانة متميزة بوصفها واحدة من أنظف المدن الأفريقية وأجملها، وقد بلغت إيرادات السياحة أكثر من أربعمئة مليون دولار عام 2016.

وتحقق إنجازا كبيراً في محاربة الأمية واليوم تسعى الدولة لربط المدارس بالإنترنت. وتتويجا لمسيرة الإنجاز، أطلقت رواندا أول قمر اصطناعي خاص بها للاتصالات يوم 27 فبراير/شباط الماضي من مركز كوروا للفضاء بغويانا الفرنسية، في إطار تطوير النظام التعليمي، إذ تمكنت البلاد خلال فترة زمنية قصيرة من خفض نسب الأمية لتصبح من أقل دول القارة أمية.

وأصبح الاستثمار في تكنولوجيا الفضاء جزء من مهمة الدولة التي تتمثل في سد الفجوة الرقمية من خلال توفير فرص رقمية متكافئة للمجتمعات الريفية والنائية.

كماشة الاقتتال

هذا أيها السادة ملخص لما حصل في هذا البلد الأفريقي الذي كان بين فكي كماشة الإقتتال الطائفي والفقر والفساد، وتمكن من النهوض خلال مدة ما بين 5 الى 10 أعوام، وتغيرت الأمور وقلبت رأساً على عقب . يبقى السؤال الأهم هو; كيف تحولت تلك البلاد من هذا الوضع المزري الى حال مشرق تحسد عليه رواندا؟؟ من المؤكد أنه أولاً الإرادة لدى قادتها وخاصة رئيسها (كاغامي)، وثانياً تشريع قانون صارم أرسى نظاماً مؤسساتياً رصيناً يحرم ويجرم الطائفية المقيتة ويرسي دعائم المواطنة، ومحاربة ديجور ظلام الفساد والفقر ويبعد عن البلاد كل غوائل الشر المدمرة لآثال مجدها ووجودها الإنساني والدولي، لتنهض كقصواء تنفض عن نفسها غبار الدنس وترمم جدارها المتهالك، وتسمو وتتفتح أفانين مستقبلها الزاهرة وتصبح الدولة الأفريقية الأكثر أمانا والأكثر نظافة، ومواطنها الأكثر دخلا، وتصبح الأكثر تطورا . نتمنى أن يحصل ذلك في العراق حيث تتوفر كافة مقومات النهوض أكثر وأكبر مما في رواندا.

مشاركة