(باصات أبو غريب) تلّوح لأيام السجن أبان الثمانينات

330

(باصات أبو غريب) تلّوح لأيام السجن أبان الثمانينات

واقعية وحشية في تجربة حياتية قاسية

سامر الياس سعيد

قد تمر عليك عبارة  تبدو تنويناً في  سياق المجموعة القصصية  المعنونة (باصات ابو غريب ) والتي صدرت للكاتب بولص ادم  صيف  العام  الماضي عن دار نينوى  للدراسات والتوزيع والنشر بـ85 صفحة  حيث يقول ادم  بان المجموعة القصصية المذكورة  تمثل الكتاب الثالث له في الواقعية  الوحشية حيث يعد الكاتب المذكور رائدها ومطلقها في سماء الادب العراقي  لكن  بما ان تلك العبارة لاتمثل شيئا عما يريده  بولص ادم بشان رغبته في تمرير رسالة مهمة يبرزها في سياق  المجموعة القصصية الجديدة  ومفادها نقله لما توارى وراء قضبان سجون النظام السابق من اصوات مكتومة  سلب منها حقها في  المطالبة بوطن يعيش فيه الكل تحت سيادة القانون وينعمون بخيراته  دون ان  تتلبد سمائهم اجواء الحروب والقسوة والتنكيل التي  اخفتتها السجون  لاسيما سجن ابو غريب فبين اروقته مئات الحكايات التي لم يكتب لها النور في ان يبصرها القاريء  ويطلع على جانب اخر مخفي من تاريخ العراق لاسيما القريب وعبره  اختفت مئات الاصوات المطالبة بالحرية والانعتاق من سلطة الراي الواحد  وعبثية الحروب والقرارات المتخبطة  التي كانت سمة عهدعاش من خلاله نظام دكتاتوري  لم يحسن التعامل مع الراي الاخر سوى بايداعه بلاط السجن البارد المجرد من كل  صورالادامية البشرية  والانسانية المغيبة قسرا في ذلك الزمن ..فعلا نحن بحاجة الى مثلتلك النصوص التي ضمتها مجموعة الكاتب بولص ادم القصصية   خصوصا وان الادب احيانا يعمل في  حضرة التاريخ كموثق ومؤرشف  لكل ما غاب عن كتابات المؤرخين  او غيبته نظرة  الخوف التي بقيت تسكن الافئدة محاولة اسقاط تلك الفترة  المظلمة من العقول لابل من الاعماق واستئناف حياة اخرى  قد تبدو صورها انسانية اكثر مما مر به ذلك المعتقل بتلك السجون والاقبية والدهاليز  لابسبب  مقنع  فحسب بل عبر تقارير كيدية وافتراءات  واكاذيب  اسقطت  نخب لها ثقلها في المجتمع من اجل سلب فرصتها في الحياة  والمضي بكل دكتاتورية  وتعنت في سبيل الحياة  في ذلك الزمن الذي لم يتمكن الا من القسمة على واحد بمواصفات اعدها النظام بنفسه  ووفق اهوائه ورغباته ..

تضم هذه المجموعة عشر قصص قصيرة  لكنها مع ذلك فهي مكثفة كتبت بلغة  مميزة وجاء تميزها لانها معبقة بتلك الاجواء التي عاشها الكاتب لينقلها لنا بكاميرته القلمية  مصورا عنف السجان واستهزاء المسجونين والالفاظ التي دائما ما تبرز امام محنة كل سجين  والمقارنة بما يجري في السجن الكبير الذي يمثل الوطن في ذلك الحين و امام ما يجري في تلك البقعة لاسيما حينما يقرنها بالتحديد فتبرز الكثير من الصور الملتقطة في سجن ابو غريب لتعزز ذاكرة السجن وما تفرزه من صورة ادبية يبشر فيها الناقد حسين سرمك حسن  في سياق مقدمته للمجموعة القصصية حيث  يشير الى النقص الفادح  الذي يعاني منه  الادب العراقي  في حقل ادب السجون  مسترسلا بعدد من الشواهد التي تعزز نظريته باختفاء  مثل هذا الجنس الادبي  من المشهد الادبي العراقي  خصوصا حينما يقول  بان دورة معرض القاهرة الدولي  للكتاب بنسخته ال47 والتي اقيمت في عام 2017 كانت قد  شهدت  بروز نحو ثلاثين رواية في ادب السجون  دون ان يكون بينها اية رواية عراقية  في هذا المجال ..

محنة قاسية

ومع ان الكثير من الادباء العراقيين عاشوا مثل تلك التجربة  وتلظوا من جراء محنتها القاسية الا ان المستغرب  عزوفهم عن توثيق مثل تلك التجربة وابرازها عبر نص ادبي يمكن ان  يؤرشف للمعاناة التي عاشوها  فضلا عما  ابرزته من فترة قصيرة نسبيا  الفضائيات العراقية وهي تشير عبر برامج محددة  او من خلال فاصل يسير سرعان ما يبرق  لتجربة ادباء ورياضيين وفنانين حول تجربتهم التي خاضوها عبر الهبوط في دهاليز الاقبية وربما مر امامها مقدمو البرامج وهم يستضيفون  محاوريهم ليمروا مرور الكرام امام تجربة تبدو  كثيفة الصور ولايمكن اختزالها بحديث قد يستغرق لدقائق معدودة  وانما يتطلب مجلدات ضخمة توثق كل دقيقة او ثانية ضاعت في هذا المعتقل  والاحاسيس والمشاعر التي كانت تكتنف المعتقل وهو يعيش ازمته النفسية  مقلبا في اوراق مخيلته عما قاده لهذا المعتقل  وعمن كان وراء ذلك  وغيرها من الاسئلة التي كانت تتقافز امام  المخيلة  لتنطلق مجددا بدون اجابات شافية  ويعزز  الكاتب  حسين سرمك حسن في سياق كلمته الاستهلالية للمجموعة بان ما انتجه بولص ادم في هذه المجموعة يعد التفاتة مهمة  تسد نقصا  كبيرا في المكتبة السردية العراقية  في هذا المجال ..

يستهل الكاتب  بولص ادم مجموعته بقصة (العنقرجي ) وتتكثف في تفاصيل هذه القصة مشاعر المهانة والذل التي يتكبدها المعتقل  بدءا من الامراض الجلدية التي تثيرها حشرة قمل الراس وهي التي تعيش بحسب الكاتب على دماء المبتلين بها  مرورا بالحيوانات التي تعيش تجربة الانعزال القسري وما  تمر به من تجربة حياتية قد تقارب في صورها وسطورها  مشاعر السجين  وهو يعيش صامتا قانطا مذهولا عما يمر به من مرارة تلك التجربة  المهينة ..

ولعل خيالات  المسير البطيء  الذي تنتجه تلك الحياة في ظل  الزنزانات  يؤثر لكي يكتب عنه الكاتب في خضم قصة اخرى  يعنونها ب(حدث ذات مرة في الممر) ولعل  ما شهدته ممرات تلك المعتقلات ينذر بالكثير من الافكار والهواجس  التي تجعل من مخيلة الكاتب مكتنزة بالكثير من الصور ازاء تلك الممرات التي هي بلانهاية مثلما هو الامل بالانعتاق  والانطلاق خارج اسوار السجن ..

اما قصة (صندوق بينامين) وهي القصة الثالثة التي تطالعها  في هذه المجموعة  فهي قصة تعبر عن  رمزية لما  يعيشه المعتقل في تلك الحياة وما يحاول ايداعه في صندوق افكاره حريصا على اغلاقه  امام الاخرين متكتما عما يمكن ان يبرزه ذلك الصندوق من رموز ترسخ بذاكرة السجين ..

فيما يحاول في القصة التالية  التي تحمل عنوان (الطعنة الغامضة )تصوير مشهد اعتاد عليه المسجونين  وهو القتال بالسكاكين لكن مع  ما يبثه من عتبة نصية في العنوان السابق يذكر بالطعنة الغامضة التي  اودت بالمعتقل لتلك الاقبية المظلمة  لاسيما عبر سنوات الثمانينات والتقارير السرية التي كانت بمثابة طعنات تريد لمن يستهدف بها ان ينحو نحو افساح المجال لمن كتب ذلك التقرير بافتراءات كيدية واكاذيب  لاواقعية لها  لتودي بمن تلظى بها في جوف سجن لايرحم وسجان نزع عنه كل مشاعر الانسانية  لينقل  صورة الانسانية لشريعة الغاب مجردا من كل ما  عززته قيم الحياة ..

في القصة الخامسة والتي حملت عنوان المجموعة (باصات ابو غريب ) تتشكل مدلولات الانعتاق بصور مختلفة  يكثف فيها الكاتب  تجسيده لها في رؤية سينمائية تنقل لك اجواء برد كانون القارس    والالقاب التي يسبغها المسجونون لاقرانهم  في تزجية الوقت واختزال التعريف  والتذكير باقرانهم  مرورا برؤية الاخر  التي تضخ اسى وذل  تجاههم ..

اما القصة السادسة التي تحمل عنوان (علاكات تعبان ) فهي تتوارى مع الامل الممطول الذي لاجدوى له  في ان يسهم برؤية بصيص للامل في نهاية رواق  طويل  لاانوار فيه  خصوصا حينما تداهم الامراض المزمنة  جسد المعتقل فتنخره وتجعله ينتظر الموت بخشوع دون ان يسبقه امل الخروج من السجن  والانعتاق والحرية المزعومة ..

ولاتغيب منطقة  ابو غريب وسجنها الشهير عن مجمل عناوين قصص المجموعة باعتباره تجسد واقعية يريدها الكاتب يطرز بها قصصه العشر  موثقا لتجربة سابقة عاشها في كنف هذا المعتقل  الذي ارتبط بذكريات سيئة  سواء في بحر الثمانينات او ما اعقبه ابان فترة الاحتلال الامريكي  وما جسدته العنجهية الامريكية من صور بشعة مرت عليها السنين متوالية لكنها لم تسقط من الذاكرة عما  عاشه المعتقلون العزل  وهم يجسدون شخوصا  هلامية في صور قاسية حطت من قيمة الانسان ونزعت عنه  انسانيته وادميته  وفق اسئلة طويلة قد تملا مجلدات حول  الانسانية المزعومة  وحقوق الانسان وكل العبارات الرنانة التي بقيت صامتة مذهولة امام تلك الصور  السلبية  والغامضة فتبرز عبر القصة  السابعة (حمامة ابو غريب) لتشير بان هنالك ثمة امل في ان تشاركك حمامة سيل الاسئلة التي  يكتنف  راسك وانت تعيش عزلتك القسرية والمدلولات التي يمكن ان تطلقها امام مشهد تلك الحمامة وهي تناوب  الهبوط والصعود من شق في سقف الردهة  والعشب الجاف على الارض تجمع  عيدان العش الجديد ..

موجات اذاعية

وفي القصة الثامنة  تلمس احاسيس عنبر مكتظ بالمساجين في  ليل شتائي مصحوب بمطر يهطل في الخارج  فتبرز قصة (موجات اذاعية) لتطلق الخوف من الاخر  في تلك الفترة المشحونة ومشاعر  من يعيش  في تلك الزنزانة مسكونا بواقعية المراقبة والتلصص على خصوصياته فيما تتحدث القصة التاسعة في سياق هذه المجموعة  عن  انشطة تزجي الوقت باتظار الابوذية وهو عنوان القصة المذكورة  ليحاول الكاتب من خلال القصة  ابراز هواجس السجين وما يكتنفه من مشاعر  تهبط وتصعد في تلك الرحلة الحياتية القاسية  ليختمها بقصة  المجموعة الاخيرة التي تحمل عنوان (سائق القطار ) وليجسد الكاتب بولص ادم  فيها كل  ما علق  في تلك التجربة من خوف انتظار الموت عبر ارضية صلبة  في تلك الزنزانة القاسية ليختم الك القصة بتلك العبارة  التي تحمل الكثير من  تلك الهواجس  المقلقة:

-مكتوب له،  ان يموت في  ابو غريب !

ويجسد في خاتمة الكتاب  الكاتب مروان ياسين الدليمي  رؤيته ازاء نصوص المجموعة  مشيرا بان ما يحسب للكاتب  هو مخيلته الفنية  التي استحضرت  تفاصيل صغيرة  وهامشية  في حياة السجناء  معيدا كتابتها من جديد دون رتوش تقليدية مبتذلة  حيث يؤشر الدليمي  بانسياق معتاد من جانب من يتصدى لمثل هذه الشخصيات  فيؤكد بان الكاتب بولص ادم من خلال قصص مجموعته المذكورة العشر  يشارك خفة الكوميديا  بقسوة التراجيديا ..

بقي ان نشير الى ان المحطات الثقافية للكاتب  بولص ادم  المنحدر من مدينة الموصل والمولود فيها عام 1962 قد تنوعت  بين كونه فنانا سينمائيا  الى جانب كتابته الشعر  والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا  الى جانب الرواية  والنقد اضافة لابداعه في النقش على الرخام والمرمر  حيث تشير  سيرته الادبية  لكونه اول سينمائي  في الشرق يعالج  ثيمة اغراق صالات العرض بافلام العنف خلال فترة الحرب  وذلك من خلال فيلمه(مقالة سينمائية ) والذي مثله الفنانان  مروان ياسين  وناصر مؤنس  الى جانب قيامه باخراج قصته (سبع عيون ) بعد تحويلها الى فيلم سينمائي  جسده  كل من الفنان فاضل خليل  وسميرة الحسني  حيث حاز الفيلم  على جائزة الشباب الاولى في المهرجان الثاني للافلام  على مسرح الاكاديمية عام 1986كما نشرت له  عشرات القصص والقصائد والدراسات النقدية  في مختلف الصحف والمجلات  الورقية  والعديد من المواقع الالكترونية .. وصدر له في القاهرة عام 2010 كتابه (ضراوة  الحياة اللامتوقعة ) بينما صدر له في العراق عام 2013 كتابه (اللون  يؤدي اليه ) وكلاهما ينتميان لادب الواقعية الوحشية الذي يعد الكاتب بولص ادم رائدها  الابرز .

مشاركة