باب‭ ‬النبي‭ ‬جرجيس ومقهى‭ ‬الشعارين- د. نزار محمود

في‭ ‬قلب‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬القديمة‭ ‬يقع‭ ‬جامع‭ ‬النبي‭ ‬جرجيس،‭ ‬وفي‭ ‬منطقة‭ ‬سكنية‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬اسماء‭ ‬الأماكن‭ ‬والحارات،‭ ‬بين‭ ‬منطقة‭ ‬باب‭ ‬النبي،‭ ‬وسوق‭ ‬الشعارين،‭ ‬وازقة‭ ‬النصارى،‭ ‬وحوش‭ ‬الخان‭ ‬وعمو‭ ‬البقال‭ ‬وباب‭ ‬الجبلين‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬أزقة‭ ‬وحارات‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الحصار‭ ‬والتدمير،‭ ‬كثرت‭ ‬فيها‭ ‬المطاعم‭ ‬والمقاهي‭ ‬الشعبية‭ ‬والثقافية‭ ‬التراثية،‭ ‬حيث‭ ‬يتزاحم‭ ‬فيها‭ ‬الرواد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حدب‭ ‬وصوب‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬وكأنك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أمسية‭ ‬تعيش‭ ‬اجواء‭ ‬مهرجان‭ ‬شعبي‭ ‬كبير‭.‬

هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬بكل‭ ‬بساطتها‭ ‬وبواجهات‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬دورها‭ ‬ومساكنها‭ ‬العتيقة‭ ‬المهدمة‭ ‬لها‭ ‬سحر‭ ‬جذب‭ ‬خاص‭ ‬لأناس‭ ‬وجدوا‭ ‬فيها‭ ‬الأنس‭ ‬والراحة‭ ‬والبساطة،‭ ‬وغاب‭ ‬فيها‭ ‬الغلاء‭ ‬وارتفاع‭ ‬الاسعار‭.‬

ومقهى‭ ‬الشعارين،‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬جامع‭ ‬النبي‭ ‬جرجيس‭ ‬والمقابل‭ ‬لمجمع‭ ‬الكنائس،‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬حاناتها‭ ‬التي‭ ‬تستقبل‭ ‬على‭ ‬مقاعدها‭ ‬الخشبية‭ ‬البسيطة‭ ‬روادها‭ ‬ببساطتها‭ ‬وتقدم‭ ‬لهم‭ ‬المشروبات‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬ماء‭ ‬وشاي‭ ‬وحامض‭ ‬“نوم”‭ ‬البصرة‭ ‬وغيرها‭. ‬كما‭ ‬انها‭ ‬تجاور‭ ‬مطعم‭ ‬شعبي‭ ‬ومتعاونة‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬وجبات‭ ‬الطعام‭ ‬المختلفة‭ ‬منذ‭ ‬الصباح‭ ‬وحتى‭ ‬المساء‭.‬

ان‭ ‬ما‭ ‬يشيع‭ ‬السعادة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬وحاناتها‭ ‬ومطاعمها‭ ‬الشعبية‭ ‬هو‭ ‬روح‭ ‬البساطة‭ ‬والتآلف‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬وكأنك‭ ‬وسط‭  ‬اهل‭ ‬واقارب‭ ‬واصدقاء‭ ‬ومعارف‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬التكلف‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬معهم‭.‬

تتعرف‭ ‬على‭ ‬اصحاب‭ ‬هذه‭ ‬الحانات‭ ‬وتغدو‭ ‬صديقاً‭ ‬لهم‭ ‬منذ‭ ‬الايام‭ ‬الاولى،‭ ‬بعرفونك‭ ‬ويحيونك‭ ‬وتستأمنون‭ ‬بعضكم‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬حكايات‭ ‬واسرار‭ ‬وحاجيات‭.‬

مقهى‭ ‬الشعارين‭:‬

في‭ ‬زيارتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬للموصل،‭ ‬حيث‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬شقة‭ ‬قريبة‭ ‬لجامع‭ ‬النبي‭ ‬جرجيس‭ ‬سكناً‭ ‬لي،‭ ‬اعتدت‭ ‬الجلوس‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬الشعارين‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الجامع‭ ‬وشقتي،‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬وفي‭ ‬ركن‭ ‬الطريق‭ ‬المحاذي‭ ‬والمقابل‭ ‬لسياج‭ ‬الجامع‭ ‬الجنوبي‭. ‬اصبحت‭ ‬المقهى‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬صالون‭ ‬جلوس،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬ومكان‭ ‬تناول‭ ‬فطوري‭ ‬الصباحي‭ ‬المتنوع‭ ‬بين‭ ‬شوربة‭ ‬العدس‭ ‬والبيض‭ ‬المقلي‭ ‬والمخلمة‭ ‬ولم‭ ‬يتعداها‭ ‬الى‭ ‬التشاريب‭ ‬والقولات‭ ‬والباقلاء‭ ‬بالدهن‭ ‬الحر‭.‬

خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬القصيرة‭ ‬ربطتني‭ ‬علاقة‭ ‬طيبة‭ ‬واخوية‭ ‬مع‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬المقهى‭ ‬الرجل‭ ‬الطيب،‭ ‬رياضي‭ ‬كمال‭ ‬الأجسام‭ ‬السابق‭ ‬مروان‭ ‬أبو‭ ‬احمد‭ ‬شقيق‭ ‬البطل‭ ‬الشهير‭ ‬جميلو‭ ‬‭ ‬الذي‭ ‬تتصدر‭ ‬صورته‭ ‬صالون‭ ‬المقهى،‭ ‬والتي‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬متقدماً‭ ‬على‭ ‬بطل‭ ‬العراق‭ ‬لاحقاً،‭ ‬علي‭ ‬القيار،‭ ‬وبين‭ ‬روادها‭ ‬البسطاء‭ ‬الطيبين‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المقهى،‭ ‬حانة‭ ‬الشاي‭ ‬التي‭ ‬نطلق‭ ‬عليها‭ ‬“الجايخانة”،‭ ‬يعمل‭ ‬مساعدان‭ ‬لمروان‭ ‬ابو‭  ‬احمد،‭ ‬في‭ ‬الوجبة‭ ‬الصباحية‭ ‬شاب‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬الى‭ ‬كسور‭ ‬ورضوض‭ ‬بليغة‭ ‬اثر‭ ‬انهيار‭ ‬جدار‭ ‬بناء‭ ‬عليه‭ ‬اثناء‭ ‬الهدم‭ ‬بغية‭ ‬اعادة‭ ‬التعمير،‭ ‬وفي‭ ‬الوجبة‭ ‬المسائية‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬فريد‭ ‬فؤاد،‭ ‬أبو‭ ‬شاهين،‭ ‬وواضح‭ ‬انه‭ ‬ليس‭ ‬ممن‭ ‬احترف‭ ‬مهنة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المقاهي،‭ ‬لكنه‭ ‬يبذل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬طاقته‭ ‬لكي‭ ‬يلبي‭ ‬طلبات‭ ‬زبائنه‭ ‬ويرضي،‭ ‬استاده،‭ ‬ابو‭ ‬أحمد‭. ‬سألته‭ ‬يوماً‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬تسميته‭ ‬بفريد،‭ ‬وأنا‭ ‬افكر‭ ‬بالمطرب‭ ‬والموسيقار‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش،‭ ‬فاجابني،‭ ‬بأن‭ ‬والده‭ ‬من‭ ‬عشاق‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬أقام‭ ‬له‭ ‬مجلس‭ ‬عزاء‭ ‬يوم‭ ‬توفى‭! ‬ذهبت‭ ‬أبعد‭ ‬ممازحاً،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬توطدت‭ ‬علاقتنا‭ ‬ومحبتنا‭ ‬وتقديرنا‭ ‬لبعض‭: ‬ولكن‭ ‬قل‭ ‬لي‭ ‬يا‭ ‬فؤاد‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬ترديد‭ ‬وتقليد‭ ‬فريد‭ ‬في‭ ‬أغانيه؟‭ ‬قال،‭ ‬لا،‭ ‬وضحكة‭ ‬بريئة‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬فمه‭.‬

لقد‭ ‬كنت‭ ‬اتخذت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زيارتي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقهى‭ ‬عنواناً‭ ‬لتواجدي‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأصدقاء‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مئتين‭ ‬متر‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬ولادتي‭ ‬في‭ ‬محلة‭ ‬الكوازين‭/ ‬رأس‭ ‬الكور،‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬أقدم‭ ‬مئذنة‭ ‬منذ‭ ‬ايام‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭ ‬لمدينة‭ ‬الموصل،‭ ‬التقي‭ ‬ببعض‭ ‬أصدقاء‭ ‬الحارة‭ ‬والطفولة‭ ‬وقد‭ ‬اشتعلت‭ ‬رؤوسهم‭ ‬شيباً،‭ ‬ويحمل‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬حكاية‭ ‬عمره‭ ‬وأسرته‭.‬

وكان‭ ‬‭ ‬ستار‭ ‬واحداً‭ ‬منهم،‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬المساكين‭ ‬الذي‭ ‬تعرضت‭ ‬عائلته‭ ‬الى‭ ‬شبه‭ ‬إبادة‭ ‬أيام‭ ‬‭ ‬تحرير‭ ‬الموصل‭ ‬من‭ ‬داعش،‭ ‬حيث‭ ‬أصابت‭ ‬قذيفة‭ ‬مدفع‭ ‬“هاون”‭ ‬بيته‭ ‬المقابل‭ ‬لجامع‭ ‬النبي‭ ‬جرجيس‭ ‬وأودت‭ ‬بحياة‭ ‬زوجته‭ ‬وساقي‭ ‬ابنه‭ ‬واحدى‭ ‬عينيه‭ ‬واصابة‭ ‬ابنته‭ ‬بكسور‭ ‬ورضوض‭ ‬كثيرة‭.‬

كنت‭ ‬أجلس‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬أحدق‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬ووجوه‭ ‬المارة‭ ‬وهي‭ ‬فرحة‭ ‬رغم‭ ‬تعبها،‭ ‬وسعيدة‭ ‬رغم‭ ‬تواضع‭ ‬وبساطة‭ ‬مساكنها،‭ ‬يسلمون‭ ‬على‭ ‬بعضهم‭ ‬بمعرفة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬معرفة،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬لكل‭ ‬منهم‭ ‬حكاية‭ ‬تروى،‭ ‬حتى‭ ‬أنني‭ ‬مازحت‭ ‬صديقاً،‭ ‬وقلت‭ ‬له‭: ‬لو‭ ‬قدر‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أمكث‭ ‬وقتاً‭ ‬طويلاً‭ ‬لتجرأت‭ ‬ان‭ ‬أكون‭ ‬كاتباً‭ ‬مثل‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬واكتب‭ ‬روايات‭ ‬عن‭ ‬حي‭ ‬النبي‭ ‬جرجيس‭!‬

مرت‭ ‬أيام‭ ‬شهر‭ ‬الزيارة،‭ ‬وما‭ ‬أسرعها،‭ ‬ودعت‭ ‬النبي‭ ‬جرجيس‭ ‬وأصحابه‭ ‬ومقهى‭ ‬الشعارين‭ ‬بأصحابه‭ ‬ورواده،‭ ‬حملت‭ ‬حقيبة‭ ‬السفر‭ ‬عائداً‭ ‬الى‭ ‬المانيا‭.‬

قبل‭ ‬ايام‭ ‬أفرحني‭ ‬اتصال‭ ‬الأخ‭ ‬“أبو‭ ‬رحمة”‭ ‬

  ‬العقارات‭ ‬مجالاً‭ ‬لكسب‭ ‬عيشه،‭ ‬وكنت‭ ‬قد‭ ‬تعرفت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬المقهى،‭ ‬واتاح‭ ‬لي‭ ‬كذلك‭ ‬التحدث‭ ‬الى‭ ‬مروان‭ ‬صاحب‭ ‬المقهى‭.‬

تحياتي‭ ‬للطيبين‭ ‬المتحابين‭.‬

برلين،‭ ‬14‭.‬07‭.‬2025