بائع البهجة العظيم – علي السوداني

463

مكاتيب عراقية

أمّا‭ ‬جمال‭ ‬زهران‭ ‬،‭ ‬فلقد‭ ‬قضى‭ ‬طوراً‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬،‭ ‬صحبة‭ ‬جمع‭ ‬من‭ ‬الصعاليك‭ ‬والمشردين‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬،‭ ‬أيام‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭ ‬الرهيب‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يحتمل‭ ‬الوحشة‭ ‬والبرد‭ ‬،‭ ‬ومضاجعة‭ ‬العجائز‭ ‬البائرات‭ ‬،‭ ‬لقاء‭ ‬سهرة‭ ‬ويسكي‭ ‬ممزوزة‭ ‬بديك‭ ‬رومي‭ ‬عظيم‭ .‬

هو‭ ‬كاتب‭ ‬ممتاز‭ ‬ولمّاح‭ ‬وطيّب‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬الملول‭ ‬،‭ ‬ويفضّل‭ ‬الجلوس‭ ‬بمقهى‭ ‬السنترال‭ ‬عشر‭ ‬ساعات‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬باب‭ ‬رزق‭ ‬،‭ ‬سبع‭ ‬ساعات‭ ‬كلّ‭ ‬اسبوع‭ .‬

إنه‭ ‬مدخنة‭ ‬تمشي‭ ‬على‭ ‬قدمين‭ ‬بطيئتين‭ ‬،‭ ‬فهو‭ ‬يقعد‭ ‬أول‭ ‬العصر‭ ‬قبل‭ ‬الصعود‭ ‬الى‭ ‬المقهى‭ ‬،‭ ‬بحلق‭ ‬درج‭ ‬الكلحة‭ ‬المجاور‭ ‬،‭ ‬ولن‭ ‬تراه‭ ‬إلا‭ ‬وكانت‭ ‬السيكارة‭ ‬تتدلى‭ ‬من‭ ‬فمه‭ ‬الجانبي‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬يخيل‭ ‬اليك‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستعمل‭ ‬القداحة‭ ‬سوى‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬عند‭ ‬افتتاح‭ ‬علبة‭ ‬الدخان‭ .‬

من‭ ‬منغّصات‭ ‬ومنفّرات‭ ‬زهران‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬رآني‭ ‬،‭ ‬فسوف‭ ‬يعيد‭ ‬عليَّ‭ ‬نفس‭ ‬الاسطوانة‭ ‬المخلّة‭ ‬بالأمل‭ ‬،‭ ‬وزبدتها‭ ‬سؤاله‭ ‬عن‭ ‬صحة‭ ‬جسمي‭ ‬،‭ ‬وإنْ‭ ‬كنت‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬تغذية‭ ‬أو‭ ‬مزاج‭ . ‬

هو‭ ‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬بوجهٍ‭ ‬كئيبٍ‭ ‬،‭ ‬وشفة‭ ‬سفلى‭ ‬نازلة‭ ‬،‭ ‬وبطء‭ ‬مزعج‭ ‬في‭ ‬علك‭ ‬الحروف‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬يصيبني‭ ‬بإحباطٍ‭ ‬قاتلٍ‭ ‬،‭ ‬لكنّ‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنعني‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬سعر‭ ‬قهوته‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬الجميل‭ ‬،‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬الجيب‭ ‬منفتحاً‭ ‬على‭ ‬خراخيش‭ ‬عملة‭ ‬فائضة‭ .‬

مرة‭ ‬دخل‭ ‬جمال‭ ‬الى‭ ‬المقهى‭ ‬،‭ ‬ملولحاً‭ ‬بيمينه‭ ‬حقيبةً‭ ‬عتيقةً‭ ‬،‭ ‬وسلّم‭ ‬على‭ ‬الجلاس‭ ‬اليوميين‭ ‬سلاماً‭ ‬هائلاً‭ ‬،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليفعله‭ ‬قبل‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ .‬

لقد‭ ‬قرر‭ ‬الولد‭ ‬الصعلوك‭ ‬أن‭ ‬يبيع‭ ‬قطع‭ ‬شوكولاته‭ ‬وبسكويت‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الرخيص‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬يمر‭ ‬على‭ ‬الزبائن‭ ‬،‭ ‬بظهرٍ‭ ‬منحنٍ‭ ‬وعاطفةٍ‭ ‬عجوزٍ‭ ‬مغدورة‭ ‬بفلمٍ‭ ‬هنديٍّ‭ ‬قديم‭ .‬

المشترون‭ ‬قليلون‭ ‬،‭ ‬ودائماً‭ ‬منشغلون‭ ‬بلعبة‭ ‬الورق‭ ‬المرعبة‭ ‬،‭ ‬ودعبلة‭ ‬الزار‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬الدوشيش‭ ‬المخلّص‭ ‬،‭ ‬لكنّ‭ ‬حصاد‭ ‬أخير‭ ‬الليل‭ ‬،‭ ‬سيوفر‭ ‬له‭ ‬ثمن‭ ‬ربعية‭ ‬العرق‭ ‬والمزّة‭ ‬سكائر‭ ‬وهواء‭ .‬

في‭ ‬واحدةٍ‭ ‬من‭ ‬تجلياتي‭ ‬العظيمة‭ ‬،‭ ‬قدمت‭ ‬لصاحبي‭ ‬جمال‭ ‬نصيحة‭ ‬بوزن‭ ‬جبلٍ‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ .‬

قلت‭ ‬له‭ ‬اتركْ‭ ‬رواد‭ ‬المقهى‭ ‬المفلسين‭ ‬،‭ ‬وهاجر‭ ‬صوب‭ ‬الحانات‭ ‬الخمس‭ ‬المزروعة‭ ‬بخاصرة‭ ‬عمّون‭ ‬الحلوة‭ ‬،‭ ‬وهناك‭ ‬ستجد‭ ‬من‭ ‬يشتري‭ ‬بضاعتك‭ ‬البائسة‭ ‬،‭ ‬خاصة‭ ‬إن‭ ‬باغتهم‭ ‬قبل‭ ‬كرع‭ ‬الكؤوس‭ ‬الأخيرة‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬أوشال‭ ‬كلماتهم‭ ‬الحميمة‭ ‬والتحدب‭ ‬العاطفي‭ ‬الكبير‭ ‬،‭ ‬وإذ‭ ‬تشهر‭ ‬على‭ ‬سور‭ ‬موائدهم‭ ‬الكلثومية‭ ‬النواسية‭ ‬الرائعة‭ ‬،‭ ‬قطعة‭ ‬شوكولاته‭ ‬ملونة‭ ‬،‭ ‬فسوف‭ ‬تجعل‭ ‬ذاكرتهم‭ ‬تنطّ‭ ‬فوراً‭ ‬صوب‭ ‬أطفالهم‭ ‬،‭ ‬وسيشترون‭ ‬منك‭ ‬كلَّ‭ ‬أثاث‭ ‬حقيبتك‭ ‬،‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬سعدٍ‭ ‬مبين‭ .‬

نجحت‭ ‬الخطة‭ ‬المدهشة‭ ‬،‭ ‬وردَّ‭ ‬عليَّ‭ ‬جمّولي‭ ‬البطيء‭ ‬بعزومة‭ ‬فاخرة‭ ‬،‭ ‬وكما‭ ‬هي‭ ‬عادته‭ ‬الراسخة‭ ‬النابتة‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬،‭ ‬وعاد‭ ‬ثانيةً‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬المقهى‭ ‬،‭ ‬مكرراً‭ ‬عليَّ‭ ‬نفس‭ ‬الأسئلة‭ ‬السخيفة‭ ‬الباردة‭ .‬

مشاركة