ايها الولد الرسالة الثانية والخمسون – مقالات – ناجي التكريتي
انا أعرف وانت لا شك قد وعيت على حياة متدافعة التيارات وامواجها الاجتماعية صاخبة على الدوام.
اذا كنت قد ادركت قبلك، ان الانسان يحاول ان يحوز كل شيء لصالحة ولا يهمه ما يعتري الآخر من ظلم وعوز، ولا ادري اذا ما قد ادركت هذه الحقيقة الحياتية ام انك ما تزال تقف على سواحلها، من غير ان تكتوي بنارها.
ايها الولد– يحق لي في هذه الرسالة ان اكتب اليك، منبهاً الا تحرق اعصابك، فلا تندفع كل الاندفاع، فتقع كالفراشة في وسط لهب النار، ولا تتقوقع على نفسك، فتبترد وربما تتجمد، فتخسر روحك من غير ان تفيد شيءاً من فرص الحياة.
اعلم ايها الولد– انني لست فيلسوفاً مثالياً، حتى اسكب في اذنك النصائح البيانية المفرقعة، التي لا يمكن تطبيقها على ارض الواقع، ولا انت شخص متجرد من طلبات الجسد كي تستجيب لكل ما اقترح واقول.
ان من البساطة ان اقول لك: لا تحزن اذا ما اصابك مصاب عظيم بفقد شخص عزيز أو خسارة مال كثير، او فقد منزلة اجتماعية عالية المستوى، على انني اعرف مقدماً، انني أرسل التعاليم في الهواء، وادرك مقدماً انك لن تتقبلها ولن تطبقها امام ما انت فيه من مصاب جلل.
ايها الولد– استطيع إذن من جهة نظر معتدلة، ان اشير اليك بان تكون عقلانياً ارادياً في مجابهة الاحداث، من غير ان تؤثر فيك سلبياً، ومن دون ان تفقد توازنك النفسي باي حال من الاحوال.
اذا فقدت عزيزاً، فانا واثق ان كل مقولات الفلاسفة تبقى خارج نطاق حدود ما تشعر به في ساعة مباغتة لم تخطر على البال.
ايها الولد– لست بالمبالغ فارسل لك الكلام على عواهنه، واقول لك كالآمر المعلم: لا تجزع!!!
لا– ليس هذا شأني، لاني ادرك مقدماً انك لن تسمع صوتي، واذا ما تناهى الى سمعك فلن ينفذ منه قيد أنملة، بل ترميه جانباً وكأنه صوت نشاز، اقبل عليك من حيث لم تحتسب.
ليس لي في هذه الحالة، الا ان اقول لك: خذ الامر هوناً، واعلم انك انسان وان من فقدت، فهو انسان خاضع للزيادة والنقصان، وهو كما ولد ذات يوم لابد ان يلتقي منيته ذات يوم.
ايها الولد– هون على نفسك انت ذاتك، قبل ان يجعل الآخرون من انفسهم معلمين عليك، وهم ليسوا اعلم منك بحقائق الامور.
ايها الولد– كن متماسكاً دائماً، واعلم ان الحياة بنيت على كون وفساد وليس لشيء بقاء ولاخلود، بل ان كل شيء اذا واصل الصعود في طريق الكمال، لابد ان بأي عليه يوم ينحدر فيه إلى مهاوي الضعف والفناء.
عش حياتك اذن بهدوء وراحة بال، ولا تبالغ بالفرح اذا ما اصابك نجاح او زيادة في كسب مال، ولا تنحسر في لجة الالم اذا ما فشلت في مهمة معينة، واعلم ان كل شيء متغير، ولا يبقى حال على حاله، في حياة قائمة على اساس الكون والعدم.

















