اوروبا تراجع حساباتها مع أمريكا

د. نزار محمود

العالم في تغير مستمر، في قدراته ومصالحه وعلاقاته ومواقفه. تتصالح دول وتتصادق شعوب، وبالمقابل تتعدى أخرى وتتناحر.

إن تاريخ البشرية يروي لنا كثيراً من حكايات التحالفات والتعاون، وفي مقابلها قصص العداء والحروب.

تتلاقى الشعوب في مصالحها وثقافاتها، وتتفرق كذلك في مصالحها وثقافاتها!

وواقعياً، لم يخطىء تشرشل كثيراً، حين قال: «لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة، وإنما توجد مصالح دائمة». ترى هل كان تشرشل على حق، أم أن في ذلك حديث آخر؟!

دخلت امريكا الحرب العالمية الثانية متأخرة، وكانت قد نجحت في نتائجها كثيراً بعد أن استهلك المتحاربون الاوروبيون قواهم في حرب مدمرة، وبعد أن انقسموا بين غربيين وشرقيين متربصين لبعضهم.

وهكذا بدأت الهيمنة الأمريكية في علاقتها باوروبا الغربية من خلال تفوقها الاقتصادي والتقني وتواجدها العسكري ومشروع مارشال وحلف النيتو واستضافتها لأهم المنظمات الدولية ودولارها قوام النظام النقدي العالمي، وأخيراً الحرب الباردة وتداعياتها على الأوروبيين، غربيين وشرقيين. وبذلك أصبح لأمريكا حزمة من أجنحة تطير بها.

ومع عام ١٩٩٠ وبانتهاء الحرب الباردة واقعياً على أثر سقوط المعسكر الاشتراكي وهزيمة الانظمة الشيوعية سارعت أمريكا إلى تسيد قطبية واحدة في اطار نظام عالمها الجديد الذي انتهى اليه التاريخ، كما بشرها فوكوياما بذلك.

ما لم تكن أمريكا قد حسبته جيداً هو نهوض التنين الصيني وحدة مخالب الدب الروسي وتذمر التململ الأوروبي الحليف. لقد بدأت أطراف أخرى تتزاحم على المقاعد تحت الشمس.

في مواجهة ذلك كان على أمريكا أن تستعين بأساليبها وطرقها الاستعمارية في السيطرة على الموارد والأسواق من خلال ايجاد شروطها من زعزعة استقرار وخلق حروب وتجسس وابتزاز  سياسي واعلامي وكذلك من خلال نفخ العزيمة والفخر والكبرياء في النفس الأمريكية وتجاهل تام لمصالح الحلفاء والشركاء، الأمر الذي دفع هؤلاء الحلفاء لاعادة حسابات علاقاتهم مع أمريكا والبحث عن هوية وكرامة ورؤية جديدة لمصالحهم.

إن أمريكا تعيش اليوم مخاضاً عسيراً، وأن العالم يقف على منعطف تغييرات تاريخية، ساهمت جائحة كورونا بتأجيجها.

وفي ظل ذلك، علينا نحن المهمشين على مسرح السياسة الدولية والمقزمين في موازين القوى من عرب ومسلمين وغيرهم أن نعي موقعنا في خارطة العالم الجديدة، لكي نحمي بيوتنا ونقلل من خسائرنا المحتملة.

مشاركة