انسداد-محمد زكي ابراهيم

يبدو‭ ‬أننا‭ ‬اعتدنا‭ ‬على‭ ‬موضوعة‭ ‬الانسداد‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وبتنا‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬معها‭ ‬كل‭ ‬أربعة‭ ‬أعوام،‭ ‬ولا‭ ‬نستطيع‭ ‬الخروج‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬شهور‭ ‬طويلة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬السلطة‭ ‬لدينا‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أزمات‭ ‬متلاحقة،‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬واحدة،‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬الأخرى‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬الانسداد‭ ‬الأول،‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬انتخابات‭ ‬تشرين‭ ‬أول‭ ‬2021‭ ‬قد‭ ‬انتهى‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬بتشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬السوداني،‭ ‬القائمة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬الأمر‭ ‬يتكرر‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬انتخابات‭ ‬عام‭ ‬2025‭.‬

ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬ذات‭ ‬المدة‭ ‬التي‭ ‬أخذها‭ ‬الانسداد‭ ‬الأول،‭ ‬أي‭ ‬13‭ ‬شهراً‭. ‬فالأسباب‭ ‬متشابهة،‭ ‬والأطراف‭ ‬السياسية‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭. ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬جهات‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬انضمت‭ ‬للركب‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭! .‬

‭ ‬إن‭ (‬العملية‭ ‬السياسية‭) ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬طابعاً‭ ‬سلمياً‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬امتازت‭ ‬بتشظي‭ ‬المشهد‭ ‬العراقي‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬وربما‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬الكتل‭ ‬والأحزاب‭ ‬والتيارات‭ ‬والأحلاف‭ .. ‬ألخ‭.‬

والكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسميات‭ ‬لا‭ ‬يعمر‭ ‬طويلاً،‭ ‬فهو‭ ‬ينشأ‭ ‬لدواع‭ ‬انتخابية،‭ ‬ثم‭ ‬يتلاشى‭ ‬ليحل‭ ‬محله‭ ‬آخر،‭ ‬وهكذا‭.‬

يعتقد‭ ‬الكثيرون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬ظاهرة‭ ‬صحية،‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الحرية‭ ‬الواسعة‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ ‬العراقيون‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬الجديد،‭ ‬ومن‭ ‬حق‭ ‬أي‭ ‬مجموعة‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬تراه‭ ‬يناسب‭ ‬مصلحة‭ ‬أفرادها‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.  ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬سبب‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬التفكك‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬البلاد،‭ ‬وآخرها‭ ‬الانسداد‭ ‬السياسي‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬متفرد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭. ‬فهناك‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬ذاتها،‭ ‬ثم‭ ‬تغلبت‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭ ‬معاناة‭ ‬طويلة،‭ ‬ومنها‭ ‬لبنان‭.‬

  ‬ولأننا‭ ‬مفتونون‭ ‬بالعالم‭ ‬الغربي،‭ ‬معجبون‭ ‬بأداء‭ ‬حكوماته،‭ ‬فقد‭ ‬تصورنا‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬بإمكاننا‭ ‬نقل‭ ‬تجاربه‭ ‬السياسية‭ ‬لبلادنا،‭ ‬ليتحول‭ ‬الجميع‭ ‬عندها‭ ‬إلى‭ ‬مؤمنين‭ ‬بالديمقراطية،‭ ‬خاضعين‭ ‬لقوانينها‭ ‬وتقاليدها‭ ‬وأعرافها،‭ ‬عادين‭ ‬إياها‭ ‬نهاية‭ ‬التاريخ،‭ ‬بها‭ ‬يزول‭ ‬عنهم‭ ‬كابوس‭ ‬الاستبداد‭ ‬الذي‭ ‬عصف‭ ‬بهم‭ ‬عقوداً‭ ‬طويلة،‭ ‬وتنطلق‭ ‬بدلاً‭ ‬عنه‭ ‬حركة‭ ‬البناء‭ ‬والعمران‭ ‬واكتناز‭ ‬الثروات‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬جميل‭!‬

لكن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬رغم‭ ‬المحاولات‭ ‬الجادة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسواه،‭ ‬فقد‭ ‬تبين‭ ‬أنها‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬الديمقراطية‭ ‬–‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬كيان‭ ‬هش،‭ ‬يدخل‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬حال‭ (‬اللادولة‭) ‬،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬أبنائها‭ ‬إدارتها‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬خارجي،‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المتعددة‭ ‬الأعراق‭ ‬والديانات‭ ‬إجماع‭ ‬على‭ ‬أمر‭ ‬ما،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬يمس‭ ‬مستقبل‭ ‬البلد،‭ ‬ويعرضه‭ ‬للخطر،‭ ‬فتلجأ‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة‭ ‬مضطرة‭ ‬للاستعانة‭ ‬بقوى‭ ‬مهيمنة‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬لحل‭ ‬الأزمة،‭ ‬بالضغط‭ ‬والإكراه،‭ ‬أو‭ ‬الترغيب‭ ‬والترهيب‭!.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬تتحول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التمثيلية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬التبعية‭ ‬للأجنبي،‭ ‬ووسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬فقدان‭ ‬السيادة،‭ ‬ولا‭ ‬تحقق‭ ‬لأصحابها‭ ‬ما‭ ‬يطمحون‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬استقلال‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسياسي،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجعلهم‭ ‬قوة‭ ‬ذات‭ ‬حول‭ ‬وطول‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وحينما‭ ‬يداهم‭ ‬البلاد‭ ‬الضعف،‭ ‬لا‭ ‬يكترث‭ ‬لها‭ ‬الآخرون،‭ ‬ولا‭ ‬يحسبون‭ ‬لها‭ ‬حساباً‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬الناس‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬فيتنازلون‭ ‬عما‭ ‬اكتسبوه‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬وأمان،‭ ‬وتحلل‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬والالتزامات،‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬آخر‭ ‬،‭ ‬يفرض‭ ‬عليهم‭ ‬التزامات‭ ‬وقيوداً‭ ‬صارمة؟‭.‬

مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬مستبعداً،‭ ‬وقد‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬فئات‭ ‬تمتلك‭ ‬روح‭ ‬المغامرة،‭ ‬والهوس‭ ‬بالسلطة،‭ ‬وساعتها‭ ‬لن‭ ‬يقف‭ ‬أمامها‭ ‬عائق‭ ‬أو‭ ‬يحول‭ ‬دونها‭ ‬مانع،‭ ‬ولن‭ ‬تعود‭ ‬الحياة‭ ‬النيابية‭ ‬في‭ ‬نظرها‭ ‬نقطة‭ ‬المنتهى،‭ ‬أو‭ ‬مسك‭ ‬الختام،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الحكم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يرضى‭ ‬عنها‭ ‬الناس،‭ ‬ثم‭ ‬يبكون‭ ‬عند‭ ‬فقدانها‭ ‬دماً،‭ ‬كما‭ ‬فعلوا‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً،‭ ‬ويكونون‭ ‬على‭ ‬أتم‭ ‬الاستعداد‭ ‬لفرض‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬مهمة‭ ‬سهلة‭ ‬وميسورة‭.‬