انتخابات الأدباء – حسن النواب

369

كلام صريح

بعد‭ ‬صدور‭ ‬مجموعتي‭ ‬الشعرية‭ ‬أنا‭ ‬هناك‭ ‬حتى‭ ‬يضيء‭ ‬دمي‭ ‬من‭ ‬دار‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1988؛‭ ‬كانت‭ ‬فرحتي‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬لها؛‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬الشعرية‭ ‬تمَّ‭ ‬قبولي‭ ‬عضواً‭ ‬بصفة‭ ‬شاعر‭ ‬وحصلتُ‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬اتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬العام؛‭ ‬تلك‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬أنقذتني‭ ‬من‭ ‬رعب‭ ‬سيطرات‭ ‬التفتيش؛‭ ‬يوم‭ ‬كنتُ‭ ‬مُتغيَّباً‭ ‬عن‭ ‬وحدتي‭ ‬العسكرية؛‭ ‬واشتركتُ‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬حامية‭ ‬الوطيس‭ ‬جرتْ‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬مسرح‭ ‬الرشيد؛‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬المرشحين‭ ‬لعضوية‭ ‬المجلس‭ ‬المركزي‭ ‬الشاعر‭ ‬الراحل‭ ‬كمال‭ ‬سبتي؛‭ ‬وكان‭ ‬للأدباء‭ ‬الصعاليك‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬بفوز‭ ‬شاعر‭ ‬وردة‭ ‬البحر؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحركنا‭ ‬الدؤوب‭ ‬على‭ ‬حشود‭ ‬الأدباء‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬إقامتهم؛‭ ‬وفي‭ ‬داخل‭ ‬القاعة‭ ‬يوم‭ ‬الانتخابات؛‭ ‬ذلك‭ ‬الفوز‭ ‬الذي‭ ‬استثمره‭ ‬سبتي‭ ‬بالفرار‭ ‬من‭ ‬جحيم‭ ‬جمهورية‭ ‬الخوف؛‭ ‬حين‭ ‬اختير‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الوفد‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬حضر‭ ‬مؤتمراً‭ ‬للأدباء‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬ليبيا؛‭ ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬ترك‭ ‬الوفد‭ ‬الرسمي‭ ‬خلسةً؛‭ ‬ليطير‭ ‬بأجنحة‭ ‬الحرية‭ ‬إلى‭ ‬مدريد‭. ‬ولما‭ ‬جاءت‭ ‬الدورة‭ ‬الانتخابية‭ ‬الجديدة؛‭ ‬توكَّلتُ‭ ‬على‭ ‬تشرَّدي‭ ‬وأوجاعي‭ ‬وجنوني‭ ‬وشعري‭ ‬ورشَّحتُ‭ ‬إلى‭ ‬عضوية‭ ‬المجلس‭ ‬المركزي؛‭ ‬وحين‭ ‬أُعلنتْ‭ ‬النتائج؛‭ ‬كان‭ ‬تسلسلي‭ ‬هو‭ ‬السابع‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬الفائزين؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬شكَّلَ‭ ‬مفاجأة‭ ‬مدوَّية‭ ‬وصدمة‭ ‬عنيفة‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬الثقافية؛‭ ‬فكيف‭ ‬لشاعر‭ ‬صعلوك‭ ‬أنْ‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬المركزي؛‭ ‬ويجلس‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬أدباء‭ ‬مخضرمين‭ ‬مثل‭ ‬نعمان‭ ‬ماهر‭ ‬الكنعاني‭ ‬وطرَّاد‭ ‬الكبيسي‭ ‬وضياء‭ ‬خضير‭ ‬ومحمد‭ ‬حسين‭ ‬آل‭ ‬ياسين‭ ‬وسواهم؛‭ ‬بلْ‭ ‬تجرَّأتُ‭ ‬ورشَّحتُ‭ ‬نفسي‭ ‬إلى‭ ‬المكتب‭ ‬التنفيذي‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬الاحتياط‭ ‬فيه؛‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬أصدروا‭ ‬قراراً‭ ‬جائراً‭ ‬بتجميد‭ ‬عضويتي‭ ‬لمدة‭ ‬ستة‭ ‬أشهر؛‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬تدخلي‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬أدباء‭ ‬كربلاء؛‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬لم‭ ‬أستسلم؛‭ ‬وهتفتُ‭ ‬بخطابٍ‭ ‬ناري‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬الأدباء‭ ‬قادني‭ ‬بعد‭ ‬أيامٍ‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقال‭ ‬واستجوابي‭ ‬في‭ ‬مديرية‭ ‬أمن‭ ‬كربلاء؛‭ ‬وحين‭ ‬حدث‭ ‬الانقلاب‭ ‬الدراماتيكي‭ ‬على‭ ‬الحرس‭ ‬القديم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأسيس‭ ‬التجمع‭ ‬الثقافي؛‭ ‬كنتُ‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬المرشحين‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬مخيفة‭ ‬حدثت‭ ‬وقائعها‭ ‬المثيرة‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬نقابة‭ ‬المهندسين‭ ‬الزراعيين؛‭ ‬حتى‭ ‬جاءني‭ ‬الشاعر‭ ‬حميد‭ ‬قاسم‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬الليل؛‭ ‬بينما‭ ‬كنتُ‭ ‬جالساً‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء؛‭ ‬ليخبرني‭ ‬عن‭ ‬فوزنا؛‭ ‬وضرورة‭ ‬الحضور‭ ‬إلى‭ ‬اللجنة‭ ‬الأولمبية‭ ‬صباح‭ ‬الغد؛‭ ‬إذْ‭ ‬أمرَ‭ ‬عُدي‭ ‬اللقاء‭ ‬بالفائزين؛‭ ‬فكان‭ ‬لابدَّ‭ ‬من‭ ‬مغادرة‭ ‬حديقة‭ ‬الأدباء‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬بيت‭ ‬أختي‭ ‬في‭ ‬الشرطة‭ ‬الرابعة‭ ‬لاستبدال‭ ‬أسمالي‭ ‬الرثَّة؛‭ ‬وقبل‭ ‬شروق‭ ‬الشمس‭ ‬فتحت‭ ‬دولاب‭ ‬الملابس‭ ‬لزوج‭ ‬أختي‭ ‬وهو‭ ‬شقيق‭ ‬الأديب‭ ‬فهد‭ ‬الأسدي؛‭ ‬لألبس‭ ‬قميصه‭ ‬وبنطلونه‭ ‬وانطلق‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬اللجنة‭ ‬الأولمبية؛‭ ‬وهناك‭ ‬رأيتُ‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬رعد‭ ‬بندر‭ ‬وجواد‭ ‬الحطاب‭ ‬ورعد‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬وعبد‭ ‬الزهرة‭ ‬زكي‭ ‬وشوقي‭ ‬كريم‭ ‬وهادي‭ ‬ياسين‭ ‬علي‭ ‬وسعد‭ ‬جاسم‭ ‬وخالد‭ ‬مطلك‭ ‬ووسام‭ ‬هاشم‭ ‬وحميد‭ ‬قاسم‭ ‬الذي‭ ‬سبقني‭ ‬بالحضور‭ ‬وأسماء‭ ‬أخرى؛‭ ‬لم‭ ‬أكد‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬مقعدي؛‭ ‬حتى‭ ‬شعرتُ‭ ‬بتحركات‭ ‬مريبة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وسام‭ ‬هاشم‭ ‬ومشاورات‭ ‬سرَّية‭ ‬مع‭ ‬رعد‭ ‬بندر؛‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬تقريباً؛‭ ‬اقترب‭ ‬رعد‭ ‬بندر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬جلوسنا؛‭ ‬وأخبرنا‭ ‬أنَّ‭ ‬الأستاذ‭ ‬اكتفى‭ ‬بلقاء‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬أنا‭ ‬وحميد‭ ‬قاسم‭ ‬من‭ ‬ضمنها؛‭ ‬فتركنا‭ ‬اللجنة‭ ‬الأولمبية‭ ‬بسخطٍ‭ ‬مُعلن‭ ‬وسرورٍ‭ ‬خفي‭ ‬بذات‭ ‬الوقت!  ‬مشاعر‭ ‬مبهمة‭ ‬داهمتنا؛‭ ‬إذْ‭ ‬كان‭ ‬الحصار‭ ‬قد‭ ‬أطبق‭ ‬أسنانه‭ ‬بقسوة‭ ‬وبلا‭ ‬رحمة‭ ‬علينا؛‭ ‬وكنت‭ ‬أأمل‭ ‬بهبةٍ‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬تافهةٍ؛‭ ‬تنقذني‭ ‬من‭ ‬إذلال‭ ‬الحرمان‭ ‬والجوع‭ ‬والتشرذم‭ ‬الذي‭ ‬يطاردني؛‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬القدر‭ ‬أراد‭ ‬لنا‭ ‬ذلك‭ ‬بحكمة‭ ‬ربَّانية‭ ‬لم‭ ‬نعرف‭ ‬روعتها‭ ‬إلاّ‭ ‬الآن‭. ‬وها‭ ‬نحنُ‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬سنشهد‭ ‬انتخابات‭ ‬عاصفة‭ ‬للأدباء؛‭ ‬ربما‭ ‬هي‭ ‬الأقوى‭ ‬والأشرس‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الدورات‭ ‬الانتخابية؛‭ ‬وقد‭ ‬استطلعت‭ ‬قائمة‭ ‬أسماء‭ ‬المرشحين‭ ‬لعضوية‭ ‬المجلس‭ ‬المركزي؛‭ ‬لا‭ ‬أخفيكم‭ ‬تذمُّري‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الأسماء؛‭ ‬التي‭ ‬تزجُّ‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬انتخابية؛‭ ‬وكأنَّها‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬من‭ ‬حضورها‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬النظام‭ ‬السابق؛‭ ‬ومن‭ ‬أسماء‭ ‬أخرى؛‭ ‬أعمارها‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬اليأس‭ ‬وأكل‭ ‬الدهر‭ ‬عليها‭ ‬وشرب؛‭ ‬وكيف‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬هذه‭ ‬الأسماء‭ ‬بالخجل‭ ‬وتحترم‭ ‬منجزها؛‭ ‬وتترك‭ ‬الفرصة‭ ‬للأدباء‭ ‬الشباب‭ ‬لقيادة‭ ‬زمام‭ ‬الإدارة‭ ‬والإبداع؛‭ ‬وأقول‭ ‬بصراحة‭ ‬واضحة؛‭ ‬إنَّ‭ ‬الدورة‭ ‬الحالية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أنجح‭ ‬الدورات‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬اتحاد‭ ‬الجواهري‭ ‬العريق؛‭ ‬فهي‭ ‬قدَّمت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬الإنسانية‭ ‬للأدباء؛‭ ‬ولم‭ ‬تترك‭ ‬أديباً‭ ‬مريضاً‭ ‬دون‭ ‬أنْ‭ ‬تزورهُ‭ ‬وتشدُّ‭ ‬من‭ ‬أزره؛‭ ‬ولم‭ ‬تتخلَّف‭ ‬عن‭ ‬حضور‭ ‬مراسم‭ ‬العزاء‭ ‬لأديبٍ‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أقاصي‭ ‬الجنوب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬الصحراء؛‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬شفافية‭ ‬تعامل‭ ‬أمينها‭ ‬العام‭ ‬وابتعاده‭ ‬عن‭ ‬البيروقراطية‭ ‬الفجَّة‭ ‬التي‭ ‬عانيتُ‭ ‬منها‭ ‬شخصياً‭ ‬ومن‭ ‬أقرب‭ ‬الأصدقاء‭ ‬إلى‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬الدورات‭ ‬السابقة؛‭ ‬كما‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬النظام‭ ‬الداخلي‭ ‬لاتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬أصبح‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬ماسةٍ‭ ‬إلى‭ ‬تغييرٍ‭ ‬شاملٍ؛‭ ‬فهو‭ ‬كُتبَ‭ ‬وأقرَّت‭ ‬فقراته‭ ‬الحزبية‭ ‬والاستبدادية‭ ‬وفق‭ ‬مصالح‭ ‬الطاغية‭ ‬وحزبه‭ ‬المقبور؛‭ ‬ولابدَّ‭ ‬للهيئة‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬التصويت‭ ‬بالإجماع‭ ‬على‭ ‬إبطاله؛‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإلغاء‭ ‬نافذاً‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬الانتخابية؛‭ ‬ولنفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬سعتها‭ ‬أمام‭ ‬المجلس‭ ‬المركزي‭ ‬الجديد؛‭ ‬لكتابة‭ ‬نظام‭ ‬داخلي‭ ‬شفاف‭ ‬لاتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬يوائم‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬ويستوعب‭ ‬رغبات‭ ‬وحاجات‭ ‬وتطلَّعات‭ ‬الأدباء؛‭ ‬وحتى‭ ‬صبيحة‭ ‬الجمعة‭ ‬حيث‭ ‬موعد‭ ‬العرس‭ ‬الانتخابي؛‭ ‬أقول‭ ‬مرحى‭ ‬للإبداع‭ ‬وطوبى‭ ‬للأدباء‭ ‬في‭ ‬اتحاد‭ ‬الجواهري‭ ‬العريق‭.‬

مشاركة