انتحار الكرد – عبد الكريم يحيى الزيباري

397

انتحار الكرد – عبد الكريم يحيى الزيباري

توقفوا أيها الأعداء، لا تخسروا علينا رصاصة واحدة، اصبروا قليلاً، انتظروا سنة أو سنتين، نحن سنقتل أنفسنا، نحن شعبٌ ذو طبيعة عدوانية، تسكننا الحروب، في بيوتنا نائمة، في قرانا تغفو، في مدننا تتثاءب، لكنها سوف تستيقظ، (وَمَا الحَرْبُ إلاّ ما عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ، وَمَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ. متى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوهَا ذَمِيْمَةً، وَتَضْرَ إذا ضَرّيْتُمُوها فَتَضْرَمِ. فَتَعْركُكُمْ عَرْكَ الرِّحَى بِثِفَالِها، وَتَلْقَحْ كِشَافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ). الحرب تسكن دواخلنا، تنام معنا المسدسات والبنادق الآلية تحت الوسادة أو قربها في متناول اليد، وحين نأكل نضعها قرب الأكل، وحين نخرج لا نخرج إلا مدججين بالسلاح. نحن الذين ولدنا في الحروب نعيشها كل لحظة، كل يوم، كل سنة، ونموت فيها، قبل أنْ نعرف لماذا، ولمصلحة مَنْ؟  نحن شعبٌ مهووسون بالحرب، لا نفهم تمييزاً بين الدولة والمجتمع، لهذا سوف تظل الحرب هي نشاطنا الاجتماعي المُفَضَّل، وقليلاً من الأعراس نطلق الرصاص في الهواء، ونرقص قليلاً ثم نعود إليها بشوق، الحرب أمُّنا الولود، تَلِدُ الثارات والأحقاد، وكما قال مطربنا المجنون (حالنا الكرد كما هو: حربٌ ورقص) إلى أنْ تقوم الساعة. وقبل مئة سنة، ما كنا نسمع أنَّ كردياً انتحر! واليوم نسبة الانتحار عالية!! نحن إذن شعبٌ سريع الانتحار، سريع الغضب، ولا تكاد تمرُّ سنة أو سنتان، إلا وتحدث تحشدات عشائرية بالأسلحة الثقيلة والخفيفة لأسباب تافهة، ثلاث بطيخات، أو بقرة أكلت من زرعِ أحد الفلاحين، كلبٌ يأكل دجاجات جارهِ، جارٌ يرفض فتح الماء لجاره. مشاجرة أطفال في المدرسة، طلاق امرأة أو رفض تزويجها.  لماذا مجتمعات أوربا مسالمة؟ هل هي كذلك منذ البداية؟ لماذا اختفت الحروب والانتماءات العشائرية في أوربا؟ لماذا تغيرت طبيعة الإنسان لديهم، وما زالت لدينا كما هي؟ نحن لا نحب القراءة، لا ولا الفنون ولا الثقافة، نحن خلقنا للحرب، وكل شيءٍ لدينا قديم، عتيق أكلَ الدهر عليه وشرب، حتى حروبنا قديمة، بالسلاح والقتل فقط، كما كانت منذ أبينا آدم.  الناس بطبعهم يكرهون الحرب، ولا يخوضونها باختيارهم، لكن حبَّ الاستعراض أمام شيخ القبيلة ونسوة القبيلة وهوس القتل يقودهم إلى الحرب، حرب الأهل والجيران!! عصبيَّة جاهلية، نتنة، ضدَّ الدين والأخلاق ومبادئ العدالة، أنْ يُقتلَ غير القاتل بذنبِ شقيقه القاتل أو أحد أقربائه. كل الحروب العشائرية سببها عجز الحكومة، ضعفها وترددها في حسم المشكلة بحزم وعدل، أو انحيازها المُتعمَّد لعشيرة ضد أخرى. قرية قرب قسروك، يتعايش فيها الناس من عشيرتين الزيبارية والهركية، حدثت جريمة قتل. تدخلت الحكومة لتعقدَ صلحاً، ووقع الصلح! بعد فترة طويلة رأى الشابُ قاتل أبيه في دهوك، ينعمُ بالصحة ويضحك بينما أباه تحت التراب، بلا ذنب. فأطلق الرصاص على قاتلِ أبيه، أصابه بجروح ولم يقتله. فاندلعت الحرب لأنَّ صلحاً مخدوشاً يُحرَّر فيه القاتل، نتيجته الحرب. حلما عَلِمَ الهركية أنَّ الزيبارية نقضوا صلحهم، هجموا على بيوت الزيباريين وطردوهم من القرية جرحوا منهم طفلاً وقتلوا امرأة وجرحى آخرين، وحرقوا متلكاتهم. البيشمركة الآن تحاصر المهاجمين ومفاوضات لكي يسلموا أنفسهم. والزيبارية ينتظرون الحل من الحكومة بحسب الوعود التي تلقوها، لكنهم أيضاً يتحشدون للهجوم.  الحكومة ربما تتردد في محاسبة القتلة واللصوص والفاسدين لئلا تخسر مئة صوت في الانتخابات! رغم ما في محاسبتهم من خيرٍ وفير يعمُّ الجميع، على هذه الحكومة أنْ تتحمَّل دماء الأبرياء التي سوف تُسفك بسبب تخاذلها عن إقامة الحق والعدل. تشتعل ثم تنطفئ الفتنة، لكنها تنطفئ مؤقتاً فقط، فالكردي بطبعهِ حقود، يحمل الثأر ويتوارثه أجيالاً بعد أجيال، وهذا الطبع لم يأتِ من فراغ، بل بسبب طول عهده بقانون الجبل، قانون الغابة، قانون الأقوى، قانون الظلم والقوي يأكل الضعيف، وانعدام عهدهِ بحكومةٍ تقتصُّ من القاتل فتقتله، كما نصَّت على ذلك جميع الشرائع السماوية وغير السماوية، القاتل يُقتل، يجب أنْ يُقتل حمايةً لأرواح الناس والممتلكات، والحكومة التي تعجز عن قتل القاتل، حكومة أطفال!!

مشاركة