
الگال مانصعد .. صعدنا – نجم عبد كريدي
لم يكن التأهل إلى نهائيات كأس العالم 2026 مجرد إنجاز كروي يُضاف إلى سجل الكرة العراقية منذ تاسيس اتحادها عام 1948، بل كان انتصارًا لإرادة شعب، وصوتًا عاليًا في وجه كل من حاول عرقلة هذا الحلم أو التقليل من قيمته.
فالعراق، الذي انتظر هذا المشهد لعقود طويلة، لم يصل صدفة، بل وصل بإيمان جماهيري لا يتزعزع، وبعزيمة لاعبين حملوا اسم الوطن فوق كل اعتبار.
في الشارع العراقي، تسمع الحقيقة كما هي «من يعرقل مسيرة المنتخب نحو المونديال، إنما يخذل بلده» . هذا ليس شعارًا مبالغًا فيه، بل شعور صادق لمواطن بسيط أحب منتخب بلاده، فأحب العراق من شماله إلى جنوبه. وهذا الشعور لم يكن فرديًا، بل كان نبض غالبية العراقيين الذين وقفوا خلف منتخبهم في كل الظروف رغم انتقاداتهم للحالات السلبية هنا وهناك لتصحيح المسارات.
لكن في الجهة الأخرى، ظهرت أصوات شاذة، لم تكتفِ بالنقد، بل ذهبت بعيدًا في تمنّي الفشل!! . والغريب أن معظم هؤلاء لم ينطلقوا من تحليل فني أو رؤية موضوعية، بل من جراح شخصية ومصالح متضررة. فبعض مقدمي البرامج الرياضية المعروفين، الذين كانوا جزءًا من منظومة الاتحاد السابق ويتقاضون مبالغ شهرية كبيرة، وجدوا أنفسهم خارج المشهد بعد التغييرات الإدارية، فتحول خطابهم من التحليل إلى الهجوم، ومن المهنية إلى التصعيد اليومي ضد الاتحاد ورئيسه.
ولم يكن الأمر مقتصرًا على الإعلام، فهناك من حمل عقدته الشخصية إلى حد غير معقول، كمدرب فئات عمرية سابق أُبعد بسبب إخفاقه، ليصل به الحال إلى التهديد باستخدام العنف داخل مقر الاتحاد! مهددا من خلال حمله قنبلة يدوية لتحقيق مئاربه ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يرى في الكرة العراقية سوى ساحة لتصفية حساباته، فصار يهاجم كل شيء بلا منطق ولا مهنية.
هؤلاء الذين صدّعوا رؤوسنا بالحديث عن «الحيادية» و»المهنية» و»المصداقية»، سقطوا في أول اختبار حقيقي. لأن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالممارسة. والممارسة تقتضي الدقة في نقل المعلومة، والتحقق منها من أكثر من مصدر، وتجنب الشائعات، والالتزام بالأمانة في عرض الحدث والراي دون تحريف أو تهويل.
كما أن المهنية تعني الاستقلالية، أي عدم الخضوع لمصالح شخصية أو ضغوط خارجية، وتعني أيضًا المسؤولية في تقدير أثر الكلمة على الجمهور، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتخب يمثل وطنًا بأكمله. أما الموضوعية، فهي أن تعرض الآراء بإنصاف، وأن تمنح جميع وجهات النظر حقها دون انحياز، لا أن تتحول المنصات إلى أبواق لتصفية الحسابات.
والأخطر من ذلك، أن بعضهم تجاوز حتى حدود الذوق العام، باستخدام لغة متحيزة ومشحونة، وصلت إلى إطلاق أقسام مغلظة وتوقعات مستفزة، كمن قال إن العراق لن يتأهل حتى لو شارك 65 منتخبًا!! ، وآخر شبّه الأمر بالمستحيل! وهي ك»دخول الحوت الازرق بثقب إبرة!!.. هذه لم تكن آراء، بل كانت رهانات على الفشل، سقطت جميعها أمام الواقع.
كان الأجدر بهؤلاء أن يتجردوا من عواطفهم ومصالحهم، احترامًا لعقل المتلقي، وأن يلتزموا بالحياد، وأن يقفوا على مسافة واحدة من الجميع، خصوصًا في قضية تمس مشاعر شعب بأكمله.
وكان عليهم أيضًا مراعاة القيم الاجتماعية والدينية، وتجنب إثارة الفتن أو التشهير بالآخرين.
وفي النهاية، جاءت اللحظة التي أسكتت كل الأصوات النشاز.
خرج لاعبو منتخبنا في شوارع بغداد، وسط أمواج بشرية غير مسبوقة، يهتفون بفخر:
«الگال مانصعد… صعدنه»..
لم تكن مجرد عبارة، بل كانت ردًا حضاريًا وراقيًا على كل من شكك، وكل من تمنّى الفشل. ردٌّ كتبته الجماهير بفرحتها، واللاعبون بعرقهم، والتاريخ بإنصافه.
أما أولئك، فقد تلاشت أصواتهم، وانكشفت حقيقتهم، واختفوا كما تختفي كل المواقف المبنية على المصالح الضيقة. وبقي العراق، كما هو دائمًا، أكبر من الجميع… وأبقى.



















