الى‭ ‬أين‭ ‬تسير‭ ‬السعودية؟

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

كنّا‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬نسمع‭ ‬بالسعودة‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬والشركات‭ ‬ونظنّها‭ ‬إحلال‭ ‬موظفين‭ ‬وكوادر‭ ‬سعوديين‭ ‬مكان‭ ‬الأجانب،‭ ‬وكان‭ ‬الامر‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬بداياته‭. ‬غير‭ ‬انه‭ ‬هناك‭ ‬الآن‭ ‬إنتقالة‭ ‬نوعية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬جعل‭ “‬السعودة‭” ‬مفهوماً‭ ‬سيادياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬له‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬المعايير‭ ‬والمواقف‭ ‬السياسية‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬بلا‭ ‬منازع‭.‬

هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬معقد‭ ‬في‭ ‬حداثته،‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يواكبه‭ ‬حتى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬السعوديين،‭ ‬كونه‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬يتجاوز‭ ‬المألوف‭ ‬والمراحل‭ ‬الشعاراتية‭ ‬القديمة‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬ضعيفاً‭ ‬ولك‭ ‬خصومات‭ ‬تستنزفك‭ ‬عقداً‭ ‬بعد‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬غير‭ ‬التي‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬بلدك؟

‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬سعت‭ ‬الرؤية‭ ‬السعودية‭ ‬الجديدة‭ ‬للإجابة‭ ‬عليه‭ ‬وتوظيفه‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬بلد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬استراتيجي،‭ ‬قد‭ ‬يواجه‭ ‬بعد‭ ‬عقدين‭ ‬او‭ ‬ثلاثة‭ ‬نضوبا‭ ‬في‭ ‬الثروات‭ ‬النفطية‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬تحول‭ ‬العالم‭ ‬وعزوفه‭ ‬عنها‭ ‬بحكم‭ ‬التغير‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وخيارات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تتحقق‭ ‬الرؤية‭ ‬السعودية‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إطفاء‭ ‬الحروب‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالسعودية،‭ ‬فحرب‭ ‬اليمن‭ ‬عامل‭ ‬إعاقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬خياراً‭ ‬سعودياً‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬له‭ ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬تصوير‭ ‬الامر‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬اندلاع‭ ‬تلك‭ ‬الحرب،‭ ‬وكذلك‭ ‬أجواء‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬ايران،‭ ‬وهو‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬يقابل‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الخليج،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬إعاقة‭ ‬أي‭ ‬نجاح‭ ‬تنموي‭.‬

أن‭ ‬تكون‭ ‬السعودية‭ ‬قوية‭ ‬ومرتكزاً‭ ‬عالمياً‭ ‬يستقطب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬أو‭ ‬سواه‭ ‬من‭ ‬الرؤساء‭ ‬الامريكان‭ ‬في‭ ‬أولى‭ ‬جولاتهم‭ ‬الخارجية،‭ ‬هو‭ ‬ضمانة‭ ‬للعرب‭ ‬وللقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ذاتها‭. ‬ثمة‭ ‬مصالح‭ ‬دولية‭ ‬تستطيع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نوافذها‭ ‬ان‭ ‬تتبنى‭ ‬السعودية‭ ‬الموقف‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أو‭ ‬الوضع‭ ‬السوري‭ ‬الجديد‭ ‬وتجلب‭ ‬لهما‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي‭ ‬ضد‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬المختل‭ ‬لصالح‭ ‬إسرائيل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬

‭ ‬إنّها‭ ‬ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬متصلة‭ ‬بوشائج،‭ ‬ومتداخلة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬وضعت‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬صحيح‭ ‬وأمين،‭ ‬هي

انسحاب‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬من‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬الداخلية‭ ‬للبلدان‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬وقبلها‭ ‬العراق‭. ‬وكذلك‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬خيار‭ ‬السلام‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬ثمّ‭ ‬إيقاف‭ ‬كرة‭ ‬الثلج‭ ‬المتدحرجة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬اليمن‭.‬

التنمية‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفضي‭ ‬بإشعاعها‭ ‬التكنولوجي‭ ‬لخدمة‭ ‬المحيط‭ ‬الإقليمي،‭ ‬فالإمكانات‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬تسخيرها‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬حاجة‭ ‬السعودية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تكوينها‭ ‬السكاني‭ ‬والجغرافي،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يكون‭ ‬الاستثمار‭ ‬الصحيح‭ ‬لمساعدة‭ ‬العرب‭ ‬الأقل‭ ‬حظاً‭ ‬وثروة‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬ايضاً‭. ‬وهذا‭ ‬خيار‭ ‬سلام‭ ‬وأمن‭ ‬حتماً‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية