الوهم المفتعل في إدارة الدولة – صلاح نوري

247

الوهم المفتعل في إدارة الدولة – صلاح نوري

 طالما دأبت حكومة مصطفى الكاظمي على اظهار تماسك الاقتصاد العراقي ,وقدرته على مواجهة التحديات رغم صعوبتها الا ان ذلك المنطق لم يصمد طويلاً امام ازمة اقتصادية خانقة تزداد حدتها يوم بعد اخر حتى اصبح الكاظمي وكابينته الحكومية في حال من الوهم المصطنع بأنهم قادرين على قيادة البلاد في ظل تلك الازمة الاقتصادية الى بر الامان.

   وعلى الرغم من حيثيات,ومدلولات تلك الازمة الاقتصادية ذات الجذور العميقة الا اننا لا يمكن نعلق جميع الاخطاء والازمات على شماعة النظام السابق,فالاخير ولى وانتهى ,واصبح جزء من الماضي,وبالتالي الماضي او التاريخ يمكن دراسته والاستفادة منه في تجنب الاخطاء السابقة,وتصحيح المسار ,فجميع الحكومات العراقية بعد عام 2003  يبدو انها لم تتعض من سياسات النظام السابق ,والتي ادخلت البلاد في متاهات اقتصادية وسياسية انعكست على الواقع الاجتماعي .

 واذا نظرنا الى السياسات العامة للحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003   في مختلف مفاصل الدولة نرى انها كانت ولا زالت تعيش على وهم النظام السابق ,والارث الذي خلفه لها مع العلم ان جميع الامكانات والموارد ,والقدرات هي متاحة للنظام السياسي الحالي الا ان سوء الادارة ,والتخطيط,وعدم التوظيف الصحيح للموارد والقدرات لازم عمل جميع الحكومات العراقية ما بعد عام 2003 , فكانت السياسات العامة للحكومات العراقية عبارة  عن ردود افعال ,وليس خطط وبرامج ممنهجة توضع لحل المشكلات التي يعاني منها المجتمع ,وبالتالي اصبح لزاماً على صاحب كل قضية او مشكلة او رأي ان يخرج للتظاهر او الاعتصام لايصال صوته للحكومة والمجلس التشريعي علماً ان جميع المشكلات هي عامة ,وذات انعكاسات اجتماعية واقتصادية .

  ان العمل وفقاً لردود الافعال سوف يجعل صانع القرار العراقي عبارة عن متلقي ,وليس المبادر في عملية اتخاذ القرار ,وبالتالي فان ذلك الشيء يؤشر على اشكالية فعلية على طبيعة النظام السياسي العراقي ,والذي من المفترض ان يكون نظاماً فاعلاً عبر الادوات والاليات التي بينها الدستور .

     وبحسب اخر تقرير للبنك الدولي عن العراق فمن المتوقع ان تاخذ عملية النمو الاقتصادي طابع هبوطي وان ينكمش اجمالي الناتج المحلي بنسبة 5% في عام 2020 ,وستستمر الاضطرابات السياسية ذات الطابع الاجتماعي الاقتصادي بسبب نقص الاصلاحات في القطاع العام والخاص ,ونتيجة ذلك يتوقع ان يتباطأ نمو اجمالي الناتج المحلي من غير النفطي ليصل الى 2.7% في عام 2021.

تقارير دولية

  وعلى الرغم من تلك التقارير الدولية التي تدل على تراجع نمو الناتج المحلي الاجمالي الا ان الماكنة الاعلامية الحكومية لا زالت  تعيش في الوهم المفتعل الذي كان من صنع الحكومة العراقية فقامت بتصوير البلاد باللون الوردي الزاهي الذي يتطلع ويسعى الى تحقيق المزيد من اهداف التنمية المستدامة بعد ان حقق جزء منها حسب وجهة النظر الحكومية ,ومن تلك الاهداف المتحققة هي العمل على مكافحة الفساد ,صحيح ان حكومة مصطفى الكاظمي اقدمت على فتح ملفات الفساد الا انها وبكل صراحة لا تستطيع بالتوسع اكثر في عملية مكافحة الفساد دون الوصول  الى السياسيين المتنفذين في عملية صنع القرار فعملية مكافحة الفساد سوف تطال بعض السياسيين الذين لا يمتلكون تاثير في دوائر صنع القرار,وبالتالي ومن خلال تلك الخطوة يسعى رئيس الحكومة الى كسب تاييد شعبي وتجميل صورته اعلامياً عبر بث خطاب يحاكي هموم وتطلعات الشعب العراقي الا انه في واقع الامر لا يستطيع فعل شي بسبب عدم امتلاكه الادوات اللازمة لتحقيق تلك الاهداف فضلاً عن وقوعه بين فكي كماشة الاحزاب والكتل السياسية والمحاصصة الطائفية التي اصبحت بيضة القبان في العملية السياسية برمتها ,وقد يكون الحل في الخروج من الوهم المصطنع الذي تعيشه الحكومة العراقية ,وان تعيش الواقع العراقي بكل تفاصليه ايجابياته وسلبياته ,ومن ثم وضع الخطط والبرامج والاليات لحل المشكلات السياسية ,والتي غالباً ما يكون جوهر تلك المشكلات ذو صبغة اقتصادية واجتماعية  .

  وكانت من مخرجات تلك السياسة الممنهجة قيام حكومة مصطفى الكاظمي عبر اعلامها الموجهة الى تصوير الحقوق على انها مكرمة  ,حتى اصبح ذلك الشئ مترسخ في ذهن المواطن  العراقي من خلال عمليات ممنهجة يراد منها ان يعيش المواطن في ذلك الوهم المفتعل نفسه الذي تعيشه الحكومة العراقية فاصبحت عملية صرف الرواتب لموظفي الدولة تاتي من خلال موافقة رسمية من قبل رئيس مجلس الوزراء ان تلك السياسة الممنهجة والتسويق السياسي والاعلامي لشخص رئيس الحكومة يراد من وراه الترويج اعلامياً للانتخابات القادمة عبر تقديم نفسه بأنه الشخص المنقذ والمحقق لتطلعات الجماهير العراقية ,وبالتالي فان تلك العملية سلاح ذو حدين ,ومن الممكن ان تكون لها تغذية عكسية تؤثر على سياسات الحكومة مستقبلاً.

متغيرات الشعب

  وقد تدفع تلك المتغيرات الشعب العراقي الى انتهاج سلوك سياسي غير عقلاني ذات ميول رمزية مثل القيم المعيارية والتعاطف مع الخطاب السياسي المطروح اذ غالباً ما يميل رئيس الحكومة الحالي الى اثارة تعاطف الجماهير معه لا عن طريق العقل بل عن طريق استحضار مشاعر التضامن ,والتأكيد على اهمية قوة راس الهرم في الدولة العراقية وسيادتها والايحاء للمواطنين ان كل شي يسير وفق خطط مدروسة, الا ان ذلك قد لا يصمد طويلاً امام الحقائق التي تكتشف للشعب العراقي يوم بعد اخر.

مشاركة