الولادة أثناء الإبادة – سعد بابير

 

كتابات من ذاكرة الإبادة

الولادة أثناء الإبادة –  سعد بابير

 

انه الشهر الأسود ، الاب المشؤوم ، الناس البسطاء في القرية منشغلون بحياتهم اليومية ، الاب جالس في زاوية على رأس الحي مع بقية رجال القرية يلعبون “الدومينة” ويتحدثون عن سوء الأوضاع ثم يشعرون بالخطورة والطمأنينة في نفس الوقت ، الام كانت تحضر الخبز بتنورها الطيني مع بقية نساء القرية المجتمعات حولها ، وهن يتحدثن عن القصر الفلاني ، سيارة الجيران ، كنة اقربائهم الجديدة . بينما كانت البنت تقوم برش السطح وكنسه قبل ان تمد الفراش مع حلول الليل  ، ابن الجيران كعادته بدأ بالصعود فوق السطح بحجة القراءة وفِي يده الكتاب ، عين على الكتاب وعين الاخر على بنت الجيران .

الحياة اليومية كانت بسيطة للغاية ، بينما كانت العائلة تتناول فطورها وسط حديقة المنزل في الْيَوْمَ التالي ، شاعت الأخبار في القرية بان جنود الدولة الاسلامية على مشارف القرية وسوف يدخلونها ويقتلون الجميع ، دب الهلع في نفوس العديد من أهالي القرية ، لكن البعض منهم تلقوا الخبر باستهزاء  . احدهم قال : لا احد يستطيع ان يدخل الى القرية ، لدينا اسود تفدي بأرواحها ولا تسمح لأحد بان يمسنا ، فيما قال الاخر : انهم رفاقنا البعث ومنذ مدة طويلة ننتظرهم ، لا خوف علينا سنبقى في منازلنا ولا نغادرها . الآخرون بينوا : انهم جيراننا العرب ( الكرفان ) ، بيننا ملح وزاد وعشرة طويلة وصلة دم وشراكة  ، والغيرة والكرامة لدى العشائر العربية معروفة للجميع ، يستحيل ان يخونوا التاريخ الطويل المبني على أسس الكرامة والاحترام المتبادل روح الإخوة المزروع فيما بيننا .

لم تمض سوى ساعات وصل مسلحو الدولة الاسلامية الى أطراف القرية ، حراس القرية بدأوا بمغادرة ثكناتهم العسكرية دون ابلاغ أهل القرية ، ما ان عرف أهل القرية بذلك ساد في أوساطهم ارتباك شديد ، كل مرء يحاول ان ينفذ بلجده ويحاول ان ينقل أسرته الى مكان يسوده الأمن .

الأب الذي كان جالسا مع بقية رجال القرية هرول الى منزله مسرعا ، وقال لزوجته واطفاله احزموا امتعتمكم سوف نذهب الى الجبل ، مسلحي الدولة الاسلامية دخلوا القرية ، انهم يقتلون الرجال وياخذون النساء . . زوجته احضرت البعض من الخبز مع قنينة ماء وبقلب حزين غادروا منزلهم وتوجهوا نحو الجبل . عندما وصولوا أطراف القرية سمعوا صوت الاطلاقات النارية من خلفهم ، تبين انهم وصلوا الى القرية وقتلوا بعض الرجال .

بعد السير لساعات وصلوا الى الجبل ، هنا كانت المأساة ، الرجال والنساء والأطفال كانوا يرتادون الى الجبل من كل حدب وصوب ، البعض كان قد فقد كل أفراد أسرته ، البعض الاخر كان لم يتذوق طعم الاكل ولم يكسر ظمأه لايام ، البعض كانوا يتناولون أوراق الشجر من كثرة الجوع ، الأطفال كانوا يصرخون من دون حليب ، المرضى كان يشكون من الآلام بدون ادوية  .

الرجل لم يكن يصدق ما يشاهده ، يقول لنفسه هل فعلا نحن في القرن الحادي والعشرين ؟ هل فعلا يوجد شيء اسمه حقوق الانسان ؟ هل اننا نعيش في دولة لها مؤسسات ودستور وقانون ام اننا نعيش في غابة ؟ يا الهي : لا اصدق ما يحدث !!!

الرجل انفصل عن عائلته في زحام الجبل ، ظل يسير ويسير وحيدا  الا ان رفض قدماه السير خلفه . وجد صخرة في الجوار فقال في نفسه : سآخذ قسطا من الراحة تحت ظل هذه الصخرة ، ما ان اقترب من الصخرة سمع صراخا يأتي من جانبها ، وعندما وصل اليها تبين بانه يوجد أمرأة تلد تحت ظل الصخرة وهي تصرخ بأعلى صوتها دون ان يساعدها احد .

الرجل كان ذا طابع شرقي ، عندما وصل الى المرأة دب الخجل جبينه ، تم قال : للمرأة هل لي بمساعدتك  بشي ، فأجابت ، لا شكرا .  غادر الرجل المرأة في عظمة آلامها ، تم بدأ بالبكاء قائلا في نفسه : ما ذنب هذا المولود لكي يلد في هذه الابادة ، كيف سيعيش ؟

كيف سيكون مستقبله ؟ من الأفضل له ان يموت قبل ان يولد …