الوقوف في الهامش الواسع بقصيدة “أقول للعام الجديد، ولِما بعده”

 

بيات مرعي

النص الشعري ” أقول للعام الجديد، ولِما بعده : تفضل ، هذه هي حياتي ” للشاعر مروان ياسين الدليمي، ينفتح على مشهدية درامية تجعل من العام الجديد شخصية مرئية، فهو ليس مجرد رقمٍ يضاف إلى التقويم، بل هو (جار خجول) يطرق باب الذات المرهقة. هذا الاستهلال يكسر حدة الزمن الميكانيكي، ليدخلنا في زمنٍ نفسي تسكنه (ساعات مكسورة) وكراسي تحفظ غياب الراحلين. إن مروان ياسين هنا لا يستقبل العام بابتهاج زائف، بل بدعوة مشروطة بالوعي، وعيٌ يدرك أن الجدران تتنصت وأن الأيام متعبة، لذا فهو يطمح إلى حياة تتسم بـ (الخفة الصارمة)، حيث يختلط الملح بالغيم، وتصبح السخرية هي الضماد الذي يداوي جروح الوجود.

وفي ثنايا هذا السرد، يتجلى (الأمل) ككائن عنيد يقتات على التفاصيل الصغيرة، من رائحة خبز الأم إلى وشوشات الشجر للريح، مما يعكس فلسفة الكاتب في العثور على المعنى داخل اليومي والهامشي. وينتقل النص ببراعة نحو تشريح الذاكرة، حيث لا يرى الكاتب في النسيان عدواً، بل يراه شريكاً ضرورياً، تماماً كما يخلط الخباز الدقيق بالماء؛ فالحياة لا تُعاش إلا إذا كففنا عن مساءلة (العجين عن ماضيه). الزمن في هذه التجربة ليس خطاً مستقيماً يؤدي إلى الأمام، بل هو (حيوان أليف) قد يستيقظ فجأة ليعض التاريخ، في إشارة رمزية إلى مفاجآت القدر وتعرجات التجربة الإنسانية.


أما على الصعيد الاجتماعي، فتتحول الأمنيات للآخرين إلى لوحات سردية رقيقة؛ فالعائلة تُشبّه بالقطط في أزقتها، تمنحنا شعوراً بالثقة الغامضة في أن الطريق يعرف أهله، والأصدقاء يُتمنّى لهم (فن السقوط) لا تجنبه، لأن الانكسار الحقيقي ليس في السقوط بل في تحطم الأرض تحت القلوب. هذا المنظور النقدي ينسحب أيضاً على مفهوم البيت، الذي يتحول من حيز مكاني ضيق إلى كائن يتنفس، يُدرب أبوابه على اللطف، ويحمي سكانه من ثقل السماء.

هذه المكاشفة، يصل الكاتب مروان ياسين إلى ذروة نضجه الفلسفي حين يعلن أن العام الجديد ليس طريقاً نعبده، بل هو مزاج أو سحابة مفكرة. إنه يختار الوقوف في (الهامش الواسع) بين ما كانه وما سيكون، معتنقاً الشك بوصفه وجهاً آخر للإيمان، وساخراً من اليقين الذي قد يوهم الفرد بأنه مركز العالم. ينتهي النص بقبول مهيب للحياة بنقصانها، وبمصافحة العام الجديد كمرآة لا ندرك ملامحنا فيها تماماً، لكننا نصر على أن نكون جديرين بالضوء رغم كل شيء.

النص غني جداً بـ الصورة الشعرية المبتكرة. مروان لا يستخدم التشبيهات المستهلكة، بل يخلق علاقات جديدة بين الأشياء (ساعة مكسورة في جيب العام، قميص منشور على حبل الغيم، التاريخ يدخن صمته في الزاوية). هذه الصور تمنح النص حيوية بصرية تجعل الأفكار المجردة ملموسة. كما تتميز اللغة بـ السهولة الممتنعة . هي لغة بسيطة في مفرداتها (خبز، قطط، كراسي، جدران)، لكنها معقدة في تركيبها الدلالي. الكاتب يبتعد عن الخطابية والزخرفة اللفظية، مفضلاً لغةً (إيحائية) تترك للقارئ مساحة للتأويل.
قد يجد بعض القراء أن نبرة السخرية تكررت كثيراً في المقاطع الثلاثة، مما قد يقلل من وقعها المفاجئ في النهاية، وإن كان ذلك يخدم ثبات الموقف الفلسفي للكاتب.