الوعي‮ ‬بالعلوم الإنسانية‮ ‬-مقالات – ‮ ‬ياسر جاسم قاسم‮

الوعي بالعلوم الإنسانية -مقالات –  ياسر جاسم قاسم

يتطلب منا هذا الوعي طرح تساؤلات عن وظائف تلك العلوم في تحقيق المساعي الانسانية للنهضة ، فعلماء الانسانية المعاصرين دوما ما يقولون ان العلوم الانسانية هي المناط بها ابداء منظورات متعددة للوضع الانساني، وهي العلوم التي بوسعها اشاعة الاحساس بالجمال لدى المتلقين، فنحن امام ممارسات سياسية وطقوس حياتية من امور يومية ومواقف اخلاقية مع ذلك فقد ادى علماء الانسانيات ادوارا نقدية عديدة اذ عملوا على تنبيه المجتمع الى ما يمر به من تناقضات كما رصدوا طرائق التعبير عن الامزجة والتيارات البارزة في مجتمعهم وسعوا الى تقصي التغيرات التي تطال القضايا الثقافية والى مجابهة اصعب المعضلات الاخلاقية التي تمر بها مجتمعاتهم والى المبادرة الى توثيق الاحداث المتقلبة التي تتحكم في مصير البشر ابان حقبة تاريخية معينة او تلك التي توجه الامور في حـــــــياة الناس والمجتمع.

ان الكتب والقصائد والمسرحيات والافلام التي تحتوي في ثناياها هذه الرؤى والافكار لا بد من انها ساعدت الجمهور على تجاوز تداعيات السقوط في الوهم وذلك باحداث التوازن بين عواقب نزعتي محبة الخير وتدمير الذات الصادرتين عن اوهامهم، بحيث يتمكن كل فرد بوحي من هذه الافكار من ان يصنع مثله العليا الجديرة بالتوجه اليها والعمل على تكريسها ، اذن نحن امام عدد من الاراء التوعوية في المجال الخاص بالعلوم الانسانية .

1- مجابهة المعضلات الاخلاقية تنطلق من الازمة الاخلاقية في المجالات السياسية والدينية والاقتصادية التي يمر بها البلد ، من هنا اقول مثلا في العراق الازمة اليوم هي ازمة دينية ،فالمتدينون فقدوا الاخلاق وعكسوا هذا الفقد على المجتمع مما جعلوا من المجتمع يغرق في فوضى خلاقة . بسبب ما يسمى بمراجع الدين ووكلائهم السيئين وبسبب السياسيين الذين تسموا باسم المرجعيات وتماهوا معها في اكبر عملية سرقة شهدها التاريخ العراقي.

2-         الكتب والقصائد والمسرحيات وغيرها من اوجه الثقافة هي التي تحدث وعيا حقيقيا بمصير ما تتعرض له الشعوب من عمليات سيئة من قبل رجال الساسة او الاقتصاد او الدين فتكشف الاوجه الثقافية حالة ما يجب ان يكون عليه المجتمع.

وفي موضوع اخر لقد رصدت كتابات الانسانيين خلال النصف الثاني من القرن العشرين ذلك المزيج الاولي من الافكار والتوجهات التي اثارت غبارها، نظرية دارون في التطور والتي تتلخص في ان الفجوة التي تفصل الحيوانات عن البشر ليست الا خلافا في درجة التطور لا في نوعيته، اذ هو في حقيقته تطور للنوع الواحد نفسه، كذلك ما تبع تدفق المهاجرين من الارياف الى المدن الكبيرة من حالة الغفلية والابهام الشخصي والاغتراب وكذا تاكيد المفكرين الوضعيين المتكرر على ان حرية الارادة لدى الانسان ما هي الا وهم من صنع الخيال علاوة على التاكل الذي اخذ ينخر في اساس الايمان بالمعتقدات الدينية فعلينا ان نسأل انفسنا عن سر وسبب هذا النخر الذي حصل في المعتقدات الدينية التي تعتبر حالة فنية داخل المجتمع اذا ما قننت واحسن استخدامها فالمعتقد الديني فيه من الجمال شيء ، فكونفوشيوس يعتبر ان سلوك السبيل الوسط يغرس في سالكه الفضائل الخمس للانسان المدرك ادراكا كاملا وهذه المزايا الخمس هي :الاحترام والشهامة والصدق والفطنة والكرم، ويقول نهج ( تشنغ سنج) (المذهب الوسطي) ان الانسانية جنjen) ) هي :الصفة المميزة للانسان واروع استخدام لها هو ان يكون محبا رؤوما تجاه الاقارب وتحدد هذه العاطفة بانها طاعة الوالدين واحترام الجدود والسلف كذلك نجد ان الاساليب الخمسة هي التي تحكم العلاقات بين الحاكم والوزير وبين الاب وابنه وبين الزوج والزوجة وبين الاخ الاكبر والاخ الاصغر والتعامل بين الاصدقاء وهذه الاساليب الخمسة هي سبل العامة في العالم واما الحكمة والتواضع والشجاعة فهي الفضائل العامة الثلاث.

علينا ان نكون لدى المجتمع وعيا حقيقيا بالاديان عبر الدراسات الانسانية لكي نبين ان الاديان كلها تشترك بجذور اخلاقية مهمة وجذور تنفي الاخر ولكن علينا التركيز على الجوانب الايجابية في الاديان ، فيفسر الخلق الحسن في الديانة الكونفيشيوسية احيانا بانه يعني قابلية التكيف التي تمكن الفرد من التصرف وفق السلوك اللائق الذي يتناسب والوضع القائم او الحالة الراهنة ، ويتجسد هذا المفهوم في صورة الشخص المثقف المتفوق الكامل (تشون- تزو) كما جعل كونفوشيوس من التعليم علاوة على ممارسة الشعائر عنصرا متمما لتنمية الخلق الحسن الصالح وكان التعليم الذي حاز المرتبة الاولى من اهتمامه والتعليم الخلقي المعنوي الذي يغير سلوك التلاميذ وينمي خلقهم وراى كذلك ان التعليم الاخلاقي عملية تستمر مدى الحياة وتسهم اسهاما كبيرا في خير المجتمع والمساواة الاساسية في المجتمع ككل.نستشف من العلوم الانسانية كما اوضحنا الكثير من الاخلاق وساورد فيما يلي بعض النصوص الواردة في الذات والتي من الضروري احداث الوعي تجاهها لتمكين المجتمع من اجتذاب اخلاقها للبناء والاعمار للبشر وقد اوردت في المبحث السابق بعض النصوص الدينية المهمة فاقتباس هذه النصوص من التراث ومن الاديان يصور لنا اهمية الاخلاق في حياة الامة وضرورة بعثها من العلوم الانسانية ومنها التراث / يقول ابن المقفع في رسالة الادب الكبير : ” اجعل غاية نيتك في مؤاخاة من تؤاخي ومواصلة من تواصل توطين نفسك على انه لا سبيل لك الى قطيعة اخيك، وان ظهر لك منه ما تكره ،فانه ليس كالمملوك الذي تعتقه اذا شئت، او كالمرأة التي تطلقها اذا شئت ولكنه عرضك ومروءتك فانما مروءة الرجل اخوانه واخدانه ، فان عثر الناس على انك قطعت رجلا من اخوانك وان كنت معذرا نزل ذلك عند اكثرهم بمنزلة الخيانة للاخاء والملال فيه وان انت مع ذلك تصبرت على مقاربته على غير الرضى دعا ذلك اليك العيب والنقيصة فالارتياد الارتياد (ومعناه التطلب دقة البحث) والتثبت التثبت  وبالتالي نرى اهمية هذا القول ينطلق من كونه قولا اخلاقيا مميزا لابن المقفع وينطلق من ضرورة التواصل مع المجتمع والاصدقاء  وعدم القطيعة لاسباب تافهة ، بل حتى ان ظهر لك منه ما تكرهه أي: من الانسان ويجعل من مروة الرجل اخوانه واصدقاءه وعدم الخيانة للصديق هو ضرورة حتمية مهمة يركز عليها ابن المقفع وهذا كمثال سقناه على وجدود الاخلاقيات المجتمعية عبر التاريخ بل ان تاريخنا يزخر بهذه المعاني فنرى رسالة المحاسن والاضداد للجاحظ تبين اخلاق مجتمعية عديدة منها محاسن الكتابة ومحاسن المخاطبات والمكاتبات ومحاسن الجواب وكتمان السر ومحاسن المشورة والشكر والصدق والعفو والمودة والوفاء ومساوئ البخل ومحاسن الشجاعة وحب الوطن وفضل الدنيا ومحاسن الزهد والنساء وغيرها من معاني انسانية جمة يركز عليها الجاحظ في رسالته وينقل عن الحكماء هذه المباهج الاخلاقية العليا فترى الجاحظ ينقل عن علي بن ابي طالب مثلا في وصيته لابنه الحسين : ابذل لصديقك كل مودة ولا تطمئن اليه كل الطمأنينة واعطه كل المواساة ولا تفش اليه كل الاسرار .

وقال العباس بن جرير : المودة تعاطف القلوب وائتلاف الارواح وانس النفوس ووحشة الاشخاص عند تنائي اللقاء وظهور السرور بكثرة التزاور وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون الانـــفاق في الخصال .

وقال بعضهم نقلا عن الجاحظ: من لم يؤاخ من الاخوان الا من لا عيب فيه قل صديقه: ومن لم يرض من صديقه الا بايثاره اياه على نفسه دام سخطه ومن عاتب على غير ذنب كثر عدوه، وكان يقال: اعجز الناس من فرط في طلب الاخوان   فنرى التشابه الواضح في الحث على الاخوة سواء عند الجاحظ او عند ابن المقفع، مما يدلل على اهمية مثل هكذا رسائل اخلاقية تراثية تسبب وعيا بالعلوم الانسانية والوعي بها ومن خلالها مهم جدا ويكتسب اهميته من اهمية الرسائل التي نتبناها مجتمعيا.

ومع الاهتمام بالتراث نحن بحاجة الى القطيعة مع العصور الظلامية منه، عبر فعل التنوير ، الذي انبثق باسم ( اوفكلار ونغ) أي: التنوير وراح ينتشر في سياق ديني وسياسي شديد الخصوصية فالمانيا كما يرى الباحث (غيرهارد سودير) الاستاذ في جامعة سار بالمانيا، قد خرجت توا من حرب الـ30  عاما التي دمرتها اريافا ومدنا، وهي الحرب الطائفية التي جرت بين المذهبين الاساسيين في البلاد :البروتستانتي، الكاثوليكي، وقد انبثق التنوير كحركة احتجاجية عنيفة ضد التعصب الديني الذي جعل الناس يذبح بعضهم البعض على الهوية تماما كما حصل في لبنن في سبعينيات القرن العشرين .

وراح الفلاسفة ينتقدون رجال الدين بشكل لاذع لانهم خلعوا المشروعية اللاهوتية أي الالهية على هذه الحرب الطائفية التي سحقت المانيا وافنت شبابها ويرى الباحثون المعاصرون ان بدايات التنوير الالماني تنحصر ما بين عامـــــي 1680  -1720 أي :بعد حرب الثلاثين عاما بفترة قصيرة (1618-1648م) وهذا يعني انه ظهر كرد فعل مباشر عليها وعلى الجرائم الوحشية التي ارتكبت فيها باسم الدفاع عن الدين او تشويهه او معرفة مقاصده الحقيقية فالكاثوليكيون يدعون تمثيل الارثذوكسية المسيحية أي: المذهب المستقيم او التفسير القويم للدين وينعتون البروتستانتيين بالهراطقة ويتهمونهم بالخروج على الدين المسيحي والبروتستانت يردون عليهم الصاع صاعين ويتهمونهم بالجمود والوثنية والانحراف عن المبادئ الاولية للانجيل.

مما ورد في اعلاه نســــتشف مايأتي:

1- يبدو ان الانوار الالمانية كانت تتبع منذ البداية خطا لاهوتيا يولد نقدا موجها ضد التراث المنقول بشكل عام وضد الكنيسة بشكل خاص ثم راحت الفلسفة تحل تدريجيا محل اللاهوت.

2- علينا التعرف اكثر على عصر الانوار او التنوير لاهميته وعلينا احداث الوعي به ،فالوعي بالتنوير اساسي ومهم ويشكل عنصر تساؤل لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن . فالتقدم كان اساسه التنوير .

3- العلوم الانسانية تحقق جوانب في عرض رؤى سليمة قادرة على دراسة مجتمع من المجتمعات وتبيان حقائق ذلك المجتمع تمهيدا لدراسته دراسة متكاملة .

4- الوعي بالاديان ومنها الديانة الكونفوشيسية كمثال سقناه غايتنا من ذلك التصوير ان ليس في الدين الاسلامي فقط المعاني الجيدة كما يدعي البعض بل ان الاخلاق الرائقة توجدفي كل دين وان بنسب مختلفة فمثلا نراها في البوذية تاتي هذه الانسانية اعلى من غيرها من الاديان.