الوطن المُستباح – كامل كريم الدليمي

308

الوطن المُستباح – كامل كريم الدليمي

اطلقَ ساسة العراق مشاريعهم (الوطنية) والتي تعكس رؤيتهم كأحزاب وتيارات وكتل سياسية تشارك في العملية السياسية الديمقراطية المزعومة في العراق . يدعون الى المشاركة في بناء عراق جديد خال من الظُلم والتعسف مرتكز على العدالة الاجتماعية كمنهج عمل يسعون لتحقيقه  ،ويؤمنون بفصل السلطات كنظام سياسي ،والمواطن يحدوه  الأمل ان يتمتع  بلده  بسيادة حقيقية غير منقوصة ،لا تخضع لاي نوع من انواع الهيمنة الاقليمية من قبل اجهزة مخابراتية او اشخاص متنفذين .. وفيما لو نفذت تلك البنود والعناوين بمنهجية وإيمان مطلق لوصلنا لبناء عراق الطموح،عراق الحلم الذي يؤمن رغيف الخبز ويحرر وكرامة المواطن قبل رفع شعار تحرير الاراضي المغتصبة ،لان تحرير الكرامات وتأمين رغيف العيش اقدس من تحرير الارض  ،ولكن للأسف تلك العناوين الرنانة والشعارات المبهرجة لم يكن لها على ارض الواقع اي صدى ،بل كانت عبارة عن شعارات  الغرض منها تحقيق الاهداف المنشودة في الوصول الى السلطة  ولـ ( ذر الرماد في العيون ) .

وهو ما حدا  بالمواطن العراقي ان ينتفض هذهِ المرة،ولكن بطريقة مختلفة بعض الشيء نتيجة لما أصابه من يأس في ان تتصلح احوالنا فنجا بنفسه وعائلته تاركاً خلفهُ الاف الاحلاف والذكريات الجميلة مهاجراً لديار الغربة عسى ان يجد رغيف خبز مغمساً بالكرامة وعسى ان يجد بلد مواطنة وليس وطن احزاب ،تاركاً  (الجمل بما حمل ) لسادة المشهد السياسي الذين يعتقدون انفسهم انهم المنقذون والمُخلصون لهذا البلد المتضرر والشعب المظلوم في ظل بؤس الشعارات واستبداد الارادات وتمدد الاحزاب والعوائل  وسيادة لغة اللاقانون على القانون ،وهاجرتنا السيادة ايضاً وتحول البلد الى ارض مستباحة ومرتع وملعب لمن هبَّ ودبْ .

في وقت لعبت اجندات دولية واقليمية على وتر الطائفية والقومية،ونجحت في خلق انشقاقات وخلافات تحولت في اوقات معينة الى برك دم بسبب جهل البعض وعدم قدرتهم على استيعاب الامور وفق المنهج والفكر الوطني،وتناسى الساسة ان الخلاص من الدكتاتورية لا يعني فقدان الكرامة والسيادة ولا يعني ان نكون تابعين لهذه الدولة او تلك …

كنا نأمل ان يتحول العراق الى صرح من صروح الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعيش الأمن الرغيد في ظل أدارة حكومات وطنية تطلق اول مشروع وطني كبير جامع بمضمونه واسلوبه وقدرته على التكيف والتجديد.. فمن المفترض ان يكون هاجس كل الساسة الوطنين ،منع الرمام والركام واليأس والقنوط من الاداء المتميز ان يغطي العراق او يدب الى نفوس المواطنين،وان يتفقوا على حكومة وطنية عصية على الاعداء لا تُباع ولا تشترى ولا تتاجر بمصالح الوطن والمواطن،حكومة لم ولن ترتهن لأي ارادة اقليمية او دولية في السر والعلن.

كان على الكتل السياسية ان تشحذ جذوة النار من جذوة الغضب في نفوس الشعب وان تجدد الذات الوطنية المهددة بالانقراض،لكن للأسف اصبحت الاحزاب والكتل جزءاً من ترسيخ تقسيم البلد من خلال اداء ضعيف وواهن ورفع شعرات غير قابلة للتنفيذ في ظل خلافات واختلافات لا حدود لها .

 كما لم يكن لرجال الدين الدور الايجابي المكتمل الذي يتناسب والمخاطر التي تهدد وحدة البلد وسيادته وكرامة مواطنيه،وفي ظل تخبط مستمر كان من المفترض ان تترسخ لديهم قناعة ان العراق لا يقبل القسمة على نفسه ،الا انهم للأسف وبسبب الصراع المستميت على المناصب اصبح البلد مستباحاً امام هويات مختلفة وجنسيات متنوعة ،فتارة نسمع بدخول قوات تركية في شمال العراق وتارة نسمع بمستشارين ايرانيين يديرون المشهد وتارة اخرى نتابع اعادة انتشار للقطعات الامريكية من جديد في العراق او ما يسمى (اعادة التموضع ) ،فيما نحن نتحدث عن السيادة ونحتفل ومعنا كل الجــــنسيات المذكورة اعلاه،وهي مدججة بأحدث الاسلحة تشـــــاركنا السيادة ،بل أن احتـــــفالنا بيــــــوم السيادة هو رسالة  لكل العالم نثبت فيه للــــعالم فشـــــلنا في ايجــــاد سبل تحقيق الوحدة الوطنية ،بل يعَبر عن نجاحنا  بان نكون سبباً في ترسيخ مفهوم (استباحة الأرض).

مشاركة