الوضع القانوني لإسقاط جنسية اليهود العراقيين – حسن الياسري 

الوضع القانوني لإسقاط جنسية اليهود العراقيين – حسن الياسري

من المعروف أنَّ بعض اليهود العراقيين قد تمَّ إسقاط جنسيتهم في عام 1950 بمقتضى القانون رقم ا لسنة 1950 الصادر في 1/1/1950 والمنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 2816 في 9/3/1950. ولعلَّ البعض يعتقد أنَّ القانون قام بإسقاط الجنسية العراقية من كل اليهود العراقيين آنئذٍ ، وهو اعتقادٌ غير صحيح من الناحية القانونية ؛ ذلك أنَّ القانون لم يقم بهذا ، بل قام بإسقاط الجنسية من اليهودي العراقي الذي يغادر العراق بصورةٍ غير مشروعةٍ واليهودي العراقي الذي غادر العراق نهائياً. لقد صدر هذا القانون في عهد حكومة السويدي الثالثة.إذْ تبنّت هذه الحكومة لائحة إسقاط الجنسية من اليهود العراقيين بعد أن لاحظت أنَّ بعضاً منهم غادر العراق نهائياً، وبعضهم غادره بصورةٍ غير مشروعةٍ.وبعد أن أقرَّ مجلس النواب هذه اللائحة في الثاني من آذار عام 1950 كان لزاماً عرضها على المجلس التشريعي الثاني، وهو مجلس الأعيان، حتى تأخذ اللائحة صيغة القانون. وقد تمَّ في الرابع من آذار عرضها على مجلس الأعيان. ولأهمية الجلسة فقد حضرها كلٌ من رئيس الوزراء (توفيق السويدي) ووزير الداخلية (صالح جبر) فضلاً عن وزراء المواصلات والأشغال والشؤون الاجتماعية.وفي معرض حديثه لإقناع مجلس الأعيان باللائحة، أورد رئيس الوزراء (توفيق السويدي) الآتي :

” إنَّ الحكومة أرادت بهذه اللائحة أن تعالج وضعاً خاصاً ونقطةً من النقاط أو معضلةً من المعضلات التي تشعر بضرورة معالجتها بنوع من التوئدة والحنكة والحزم في عين الوقت.. واعتقد أنَّ المسألة هذه ليست بهذه الخطورة ولا هذه الصعوبات وإنما هي مسألة بسيطة تقع كل يوم.. نحن نريد أن نتخلص منهم ويتخلصوا منا ، واعتقد أنَّ هذا هو أحسن الحلول “.

وفي تبريراته للائحة ، أورد وزير الداخلية (صالح جبر) في حديثه الأسباب الآتية :

تقدمت الحكومة بهذه اللائحة بعد أن تأكد لها أن لا مفر من تقديمها نظراً للوضع الشاذ الذي يسود قسماً من المواطنين اليهود، مما يضطر الحكومة أن تتقدم بمثل هذا التشريع.. تعلمون أنَّ حركة هروب بعض المواطنين اليهود قد بدأت منذ زمنٍ غير يسير، وقد استمرت هذه الحركة آخذة في الازدياد شيئاً فشيئاً، ولكن كانت لا  تتعدى الوضع الانفرادي سواء كان من حيث هروب بعض هؤلاء أو من ناحية المسهّلين لهزيمتهم. ولكن هذه الحركة أخذت تتطور مع الزمن تطوراً ليس من المصلحة السكوت عنه، فقد أصبح الذين يريدون الهرب وترك العراق نهائياً لا بالأفراد كما كان الحال في الماضي وإنما بالعشرات، بل وقد تجاوز عددهم المئات في الأسابيع الاخيرة بصورةٍ غير مشروعة ومخالفة للقوانين المرعية، وربما لاحظ الكثير منكم مراكز بيع الأثاث المنبثّة هنا وهناك استعداداً للتصفية والهرب”.

ولكي يؤكد أنَّ الحكومة لم تقم بإعداد هذه اللائحة إلا بعد قيامها بكل الخطوات اللازمة لمعالجة مشكلة مغادرة اليهود غير المشروعة، ومنها الاتصالات التي أجرتها مع وجهاء الطائفة اليهودية بغية تعاونها مع الحكومة في وضع حدٍ للهجرة غير المشروعة ، فقد تحدث وزير الداخلية (صالح جبر) ، ومما جاء في كلامه بهذا الصدد :

عندما استلمت الحكومة الحاضرة زمام الحكم وكان هذا الوضع سائداً ـ يقصد الهجرة غير المشروعة ـ كان لابدَّ لها أن تعالج الأمر بحكمةٍ وروية ودقة وبحزم، فاتصلنا ببعض العقلاء من أبناء هذه الطائفة وألفتنا أنظارهم إلى الوضع الراهن والى ضرورة التعاون مع الحكومة للقضاء على هذه الحالة الاستفزازية والرجوع إلى امتثال القانون، ولكن يظهر أنَّ مهمة هؤلاء كانت صعبة على ما يظهر فلم يستطيعوا أن يعملوا شيئاً للحيلولة دون هذا الهرب المنظم غير القانوني .وبعد اعتراض  بعض الأعيان على اللائحة واتهام الحكومة بالتسرع في إعدادها، وعدم قدرتها على مواجهة المشكلة بطريقةٍ ناجعةٍ، جرى التصويت عليها ، فقُبلت وصدرت بالقانون رقم 1 لسنة 1950 في السادس من آذار.وقد جاء في الأسباب الموجبة لها : لوحظ أنَّ بعض اليهود العراقيين أخذوا يتذرعون بكل الوسائل غير المشروعة لترك العراق نهائياً،كما أنَّ البعض الآخر غادر العراق بصورةٍ غير مشروعة، ومن حيث إنَّ وجود رعايا من هذا القبيل مرغمين على البقاء في البلاد، ومكرهين على الاحتفاظ بالجنسية العراقية، مما يؤدي إلى نتائج لها تأثير على الأمن العام والى خلق مشاكل اجتماعية واقتصادية، فقد وجد أن لا مندوحة من عدم الحيلولة دون رغبة هؤلاء في مغادرة العراق نهائياً وإسقاط الجنسية العراقية عنهم، وقد سنّت هذه اللائحة لتأمين هذه الغاية “.

لقد جاء هذا القانون بسبع موادٍ، ولأهميته من الناحية التأريخية ،ولخطورة ما ولَّده من آثارٍ قانونيةٍ ؛ فسأعرض المواد التي جاء بها ؛ لمعرفة الحالات التي تمَّ فيها إسقاط الجنسية العراقية بمقتضاه ، منوهاً بأنَّ الحديث سيقتصر على الجانب القانوني الصرف فحسب :

نصُّ القانون :

((بموافقة مجلسي الأعيان والنواب أمرنا بوضع القانون الآتي :

المادة (1):

لمجلس الوزراء أن يُقرِّر إسقاط الجنسية العراقية عن اليهودي العراقي الذي يرغب باختيارٍ منه ترك العراق نهائياً بعد توقيعه على استمارةٍ  خاصةٍ أمام الموظف الذي  يعينه وزير الخارجية.

المادة (2):

اليهودي العراقي الذي يغادر العراق أو يحاول مغادرته بصورة غير مشروعة تسقط عنه الجنسية العراقية بقرار من مجلس الوزراء.

المادة (3):

اليهودي العراقي الذي سبق أن غادر العراق بصورةٍ غير مشروعة يعتبر كأنه ترك العراق نهائياً إذا لم يعد إليه خلال مهلة شهرين من نفاذ هذا القانون وتسقط عنه الجنسية العراقية من تأريخ انتهاء هذه المهلة.

المادة (4):

على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب المادتين الاولى والثانية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق مؤقتاً أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسمياً.

المادة (5):

يبقى هذا القانون نافذاً لمدة سنة من تأريخ نفاذه ويجوز إنهاء حكمة في أي وقت خلال هذه المدة بإرادةٍ ملكية تنشر في الجريدة الرسمية.

المادة (6):

ينفذ  هذا القانون من تأريخ نشره في الجريدة الرسمية.

المادة (7):

على وزير الداخلية تنفيذ هذا القانون.

كُتب في بغداد في اليوم الخامس عشر من شهر جمادى الاول سنة 1369 هـ واليوم الرابع من شهر مارس سنة 1950)). وبمقتضى هذا القانون تسقط الجنسية العراقية من اليهودي العراقي في حالاتٍ ثلاثٍ ، سأقوم ببيانها لأهميتها :

1ـ الحالة الاولى :

إسقاط الجنسية العراقية من اليهودي العراقي الذي يرغب في ترك العراق نهائياً :

وهي الحالة التي أوردتها المادة الأولى من القانون.وبمقتضاها تمَّ إسقاط جنسية اليهود العراقيين الذين تحققـــت فيهم الشروط الآتية :

1ـ الشرط الاول : أن يرغب اليهودي العراقي في ترك العراق نهائياً :

ومؤدى ذلك أن يبدي اليهودي العراقي رغبته في ترك العراق نهائياً. والسؤال المطروح هنا : كيف يُعبِّر عن هذه الرغبة؟

بمقتضى النص لابدَّ من إبداء هذه الرغبة والتعبير عنها من خلال توقيعهِ على استمارةٍ خاصةٍ. على أنَّ هذه الاستمارة هي استمارةٌ رسميةٌ، ما يعني أنها توقَّع أمام الموظف المُعيّن من قبل وزير الخارجية.

2 ـ الشرط الثاني : أن يُقرِّر مجلس الوزراء إسقاط الجنسية العراقية من هذا اليهودي العراقي :

ومعنى ذلك أنَّ إسقاط الجنسية هنا ليس وجوبياً يقع بقوة القانون، بل هو أمرٌ جوازيٌ يُترك تقديره لمجلس الوزراء، فهو الذي يُقرِّر المصلحة في إسقاط الجنسية من عدمها.

2ـ الحالة الثانية :

إسقاط الجنسية العراقية من اليهودي العراقي الذي يغادر العراق بصورةٍ غير مشروعةٍ :

وهي الحالة التي أوردتها المادة الثانية من القانون.

وتمَّ إسقاط جنسية اليهود العراقيين بمقتضى هذه المادة بعد أنْ تحققت فيــــهم الـــــــشروط الآتية :

1ـ الشرط الأول : أن يقوم اليهودي العراقي بمغادرة العراق بصورةٍ غير مشروعةٍ :

ومعنى ذلك أن يقوم اليهودي العراقي بمغادرة العراق، أو أن يحاول المغادرة، على أن تكون هذه المغادرة أو محاولة المغادرة بصورةٍ غير مشروعةٍ.فإذا كانت المغادرة بصورةٍ مشروعةٍ سقط الشرط والجنسية لا تسقط.

2 ـ الشرط الثاني : أن يُقرِّر مجلس الوزراء إسقاط الجنسية :

إذْ لا يكفي لإسقاط الجنسية من اليهودي العراقي مجرد مغادرته العراق بصورةٍ غير مشروعةٍ، بل لا بُدَّ أن يُقرِّر مجلس الوزراء إسقاط الجنسية من هذا العراقي.

3 ـ الحالة الثالثة :

إسقاط الجنسية العراقية من اليهودي العراقي الذي سبقَ أن غادر العراق بصورةٍ غير مشروعةٍ ولم يعد إليه خلال شهرين من تأريخ نفاذ القانون :

 وهي الحالة التي أوردتها المادة الثالثة من القانون.وبمقتضاها تمَّ إسقاط جنسية اليهود العراقيين الذين تحققت فيهم الشروط الآتية :

1ـ الشرط الأول : أن يكون اليهودي العراقي قد سبقَ أن غادرَ العراق قبل نفاذ هذا القانون.

2ـ الشرط الثاني : أن تكون مغادرته العراق قد تمت بصورةٍ غير مشروعةٍ.

3ـ الشرط الثالث : أن يمتنع من العودة إلى العراق خلال مدةٍ أقصاها شهران من تأريخ نفاذ هذا القانون.

ومفاد ذلك أنَّ القانون منح هذا العراقي مهلةً للعودة إلى الوطن خلال شهرين من تأريخ نفاذ القانون، فإنْ عاد انتفى الشرط ولم تسقط الجنسية، وإنْ لم يَعُد فإنَّ ذلك يعطي قرينةً قانونيةً على أنَّ هذا العراقي قد ترك العراق نهائياً ولا يرغب في العودة إليه ولا يريده وطناً ؛ ما يتسبَّب في إسقاط الجنسية منه. وفي  هذه الحالة تسقط الجنسية بقوة القانون، ولا توجد سلطة تقديرية لمجلس الوزراء، خلافاً للحالتين السابقتين اللتين منحتا المجلس هذه السلطة التقديرية.وغنيٌ عن البيان أنه في أعقاب التغيير في عام 2003 وما رافق ذلك من سنِّ قانونٍ للجنــــــــسية جديد ، هو القانون رقم 26  لعام 2006 فقد تمَّ منـــــــح العراقيين الذين أُسقطت جنسيتهم في العهد البائد الحق في استردادها ، متى رغبوا بذلك وقدمـــــــوا طلباً ، بيد أنَّ هذا الحــق لم يُمنح لأولئك الذين أُسقطت جنسيتهم بمقـــتضى القانون رقم 1 لسـنة 1950 المذكور آنفاً.

{ دكتور

مشاركة