الوصول إلى الله – هيثم رحيم المياحي

717

الوصول إلى الله – هيثم رحيم المياحي

الوصول الى الله ليس في مسبحة ولا محبس

وإقامة العدل ليس في خطفاً وقتلاً في مسدس

لم تختلف وجه الكعبة

ولم يختلف الله خالقاً

بل اختلفنا بطريقة السجود لله  عـــــــــــابدين

وكيف نفرق بين الفقير قديساً ورياء الحاكمين

لربما اختلف عن الاخرين في تعريفي المعنوي للخالق (الله) جل جلاله. ولربما أكون اكثر بعداً عن هؤلاء الذين يصفونه بالعادل ويحكمون بقانون الغاب والذين يصفونه بالكريم واكثرهم بخلاً وطمعاً ويصفونه بالحكيم وهم قمة في الجهل والتخلف ويصفونه بالرحيم وهم من ظلم انفسهم والاخرين.

الوان مختلفة

لعلي اعرف الله بالوان مختلفة واطياف اكثر جمالاً وصفاة اقرب لي من تلك التي زرعوها في عقلي منذ نعومة اظافري- حينما كان يروي لنا الشيخ وهو يقلب بأوراق ممزقة لكتيب صغير اسمه ( الاسراء والمعراج). وبوجه عبوس يقص علينا عذاب القبر ووحشة اول ليلة وكيف يأتيك منكراً ونكير ويصف لنا العذاب من لحظات الموت حتى عروج الروح الى السماء. كانت ساعا ت أيام لا تنسى من الخوف والرعب الذي زرعه في قلبي وعقلي كما هو الامر والشعور ذاته لبقية الأطفال.  كنت ابحث عن رب اكثر سهولة الاهاً يعاملني كالابن وهو بمقام الاب لم اكن مقتنع بما يتحدثون به عن (الله) ولطالما كنت مشاكساً في طرح الأسئلة على المشايخ والسادة والعلماء في المساجد وتجمعات الحلقات الدينية والثقافية واطرد منها لأنهم يعتبرون أسالتي كفراً والحاداً واني تجاوزت خطوطي الحمراء ويزداد عنادي واصراري في البحث عن الله عز وجل هذا الخالق العظيم على عكس ما يصفوه ويرسموه في اذهان وعقول الأطفال وهم في بداية حياتهم.

كنت اسأل عن أمور فيها واقعية وعقلانية واعتدال اكثر بكثير من ما كانوا يفكرون به ويتحدثون به فهم كانوا يلقون علينا ما يحتويه أي كلام بين غلافين وكنت ابحث رغم الظروف الصعبة وعدم تواجد التطور الحالي والانترنيت وتقنية الهواتف الجوالة وغيرها فكان الملاذ الوحيد للعقول الباحثة عن وحدانية ووجدانية الله هي الرفوف القديمة لمكتبات المدينة ـ حينما كنا نشتري قطعة من حلاوة (الدهينة) ونغرق فيما بين المجلدات ونشم تلك الرائحة التي تفوح من المجلدات القديمة والورق المصفر والقريب للبني اكثر. فكنت اسرح في عالم اخر وارسم شخصيات القصص واسمع أصواتهم واعيش معهم وكان ورقه يتقلب من زمان الى اخر ومن جيل الى اخر. ولكنها كانت أيام ولحظات فيها تركيز عالي والمعلومة تدخل الى الدماغ بعيدا عن المشتتات الحالية وبعيدا عن العالم الفوضوي وكثرة الازدحام الفكري وتلاطم الأفكار وفوضى العالم الحالي الأكثر سرعة وتلاطم.  كنت أرى الكبير وذات الشيبة مقدساً ومحترماً وكنت أرى الأقارب قطعة من جسدي وجلساء مع روحي وكنت اتعامل مع جاري وكأنه اخاً وابا وعماً وخالة واخت وستراً وكنت اتبادل معهم اسراري واحترم خصوصيتهم كنا نحتسي الشاي وننظر الى سفرة الصباح بعد ان تكمل امي لنا الخبز الحار بتنور (الطين) من يديها المتعبة والمشققة مع ما منه الله علينا من رزقه الحلال دون ان نعترض ودون ان نطلب غيره ولا نترك منه زياده لقلته وليس لكثرته ولكننا كنا قنوعين راضين غير طامعين بالكثير. كنا نجلس ننتظر حتى يأتي ابينا ويجلس ويصبح علينا ويضع الأخ الأصغر سناً على فخذه ويبدأ الجميع في تناول الطعام الجميل بحضور جميع افراد العائلة وفي تلك اللحظات يصرخ ابي (يمه…يمه) مناديا امه التي نسميها في العراق ( البركة في البيت) ام الاب التي على جبينها نورا ورحمة وسلام وحنان  رغم تعب السنين وتجاعيد وجهها وحينما تأتي تجلب رغيف الخبز المميز والذي تخبره بيدها وهو خبزة واحده صغيره تضعها في يدي او امامي كعباره (دلال لأنني الولد البكر)  وتجلس بالقرب من والدي ويقبل يدها وجبينها ويعطيها اللقمة الأولى وتأتي المقدسة بوصف الله لها الام بكل بساطة وتواضع تجهز كل شيئ لنا ولا تجالسنا حتى تتأكد ان الجميع قد شبع واكمل فطوره الصباحي. ثم نتوجه الى مدارسنا وحياتنا – الله كم كان الحياة اكثر بساطة واكثر جمالا واكثر صدقا ورقيا .كل هذا كان واجبات امنا الحنونة التي كانت تعمل اكثر من أي موظف في اهم دوائر الدولة فلها واجبات لاتعد ولا تحصى والأكثر غرابة لم تكن تشتكي من التعب ولا من قلة الوقت ولا من اهتمامها بنا جميعا رغم اختلاف المزاجيات فالأم كانت تعمل وعلما اكبر واهم بكثير.

” ما من أم عاطلة عن العمل. الأمومة في ذاتها أشرف الأعمال.”  بيير منديس فرانس

كان عالماً اخر ومجتمعاً اجمل واخلاقيات مختلفة تماماً….كان بساطة الحياة رغم الفقر ورغم الصعوبات والعقبات والمطبات التي مر بها العراق وشعبة ولكنها مختصره منظمه وملونه بالوان الحب والاحترام والوفاء والصدق والعطاء والايمان الخاص البعيد عن المغالاة والازدواجية صلاة وصيام وقراءة للقران.

اين عالمي ذاك وأين ابي وجدي وأين حرارة الخبز -اين صفوة القلوب وطيبتها اين صدق الكلام واحترامه اين جاري ومحبته اين صفاة النوايا ورقي العقول اين كرم الناس وتواضعهم اين جمع العائلة كل يوم وتفرقهم لما فيه الخير لهم. اين معلمي الذي كان الطبشور يغطي لحيته وسترته وأين حانوت مدرستي البسيط بما فيه من طيب النفوس. اين العالم الذي كان يغير عباءته كل اربع سنوات مره وعمامته كل عامين ليس فقراً فقط بين لأنه يقدم من ماله وما من عليه الله به لجاره والفقير ومن يدخل داره. اين المؤذنين والمصلين اين الصادقين عبادة وليس المرائين والمنافقين اين القريبين على الامة وليس الذين في قصورهم وحصونهم منعزلين اين من كانوا معنا في الباصات يصعدون ليس الذين نراهم في جكساراتهم مع حماياتهم يتبخترون اين عمر الذي تزوج من بنت علي وانجبوا عثمان وزينب وعباس ليس الذين مزقونا باسم سنياً وشيعي اين من كان يصلي والدموع على خديه خوفا وحباً وتقربا وصدقا ليس الذي مسخت وجوههم لكثر فسادهم وابتعادهم من الله وعباده اين عالمنا القديم فوالله سئمت هذا العالم الفوضوي المليء بما لا نحتاجه من طعام وشراب وعطر وثياب.

لغة الكذابين

كنا نعرف العالم من علمه والامام من كثرة ايمانه وفهمه وكنا نميز بين هذا وذاك ونعلم من هو الصادق والكاذب لقلة الكاذبين وكنا نحترم الكبير ونعطف على الصغير كنا نصلي سوية ونعيش سوية لانفرق بين الأديان ونتوجه لقبلة واحده كنا نعتبر المسيح أهلنا والصابئة احبتنا والايزيدية سنجارنا والكرد جبالنا وكنا لا نحترم المتعالي ونرفع المتواضع، لسنا كما كانوا فاختلفت الموازين وصار العالم أكثر مادياً وقاسياً وتمزقت لحمة العائلة وقدسية الاب والذي كنا نصفه بعمود البيت والعائلة ذاك الاله الأرضي والمقدسة كلماته الاب الذي كان يرفع صوته حينما يصلي ليقول لنا انتم محميون بدعواتي وتواصلي مع الخالق رحمك الله ابي وطيب ثراك وليتني والاخرين من فقدوا اباً يدركون انكم ذاكرة الحاضر ولن نستطيع الوفاء لكم مهما قدمنا.  “لعلي افي تلك الأبوة حقها وأن كان لا يوفي بكيل ولا وزني- فأعظم مجدي كان ان لي اب وأكبر فخري كان قولك ذا ابني.”  إيليا أبو ماضي

جدي ابي —-هنيئا لكم رحلتم وانتم سعداء رغم شقائكم رحلتم اتقياء ما قل ايمانكم ولكني ومن معي نعيش عالم الغاب عالم الوحوش عالم النفاق والغدر والجاهلية قد عادت لنا فاختلط بيننا المال الحلال بالحرام وفقد الناس بينهم الاحترام وحسن الكلام وراحت جمعة الاهل وتقاتل الأبناء على الميراث وصار فيهم من هو مجرما ومن هو معتقل…والدين صار يبكي وينوح ويشتكي والقران تمزق ليس من كثرة القراءة فيه بل لتركنا إياه والمساجد ضلت تصدح بصوت الاذان بلا مصلين والقلوب قست والعقول تجمدت والمكتبات قد فرغت والشوارع قد ازدحمت وكثر العالم غربه في الوطن واستحكم الزنديق الدني على النزيه الشريق وصار يلبس العمامة من لا دين له ويلتحي من يريد إخفاء جرمه وفساده وصار يتحلى بالمحابس كافراً ويسبح باسم الله فاجراً وطاغية وكافر صار عدلهم بقتلنا وظلمنا وصار عالمهم غير عالمنا.

” لا علاقة لي بنواياك الحسنة حين تكون أفعالك سيئة ولا شأن لي بجميل روحك ما دام لسانك مؤذياً.” نجيب محفوظ، حينها ادرك بانهم أجساد ميتة تقود قلوبهم ابالسة الشيطان ويحركهم الطمع والجشع كفروا بالله رغم ادعائهم بعبادته وجعلوا من أموال السحت قبلة لهم يسجدون لها انهم في واد ونحن في واد. عالماً يعتقدون ان الوصول الى الله فيه عبر المسبحة والمحبس ويحكمون العالم في القتل والمسدس. وأصبحنا في مجتمع لا يهمه الجياع والفقراء ولا ينظرون لمن لا املك كسوة ولا قوت بل يهمهم مقاعدهم السياسية وخزائنهم من المال السحت والحرام. اصبحنا في مجتمع ينظر الى المرأة بوقح الشهوانية وليس بقداسة الإنسانية واصبحنا في مجتمع يعبد الله كافراا ويسجد للشيطان عابدا.

كما قالة جلال ماهر ” مجتمع لايهمه الجائع الا اذا كان ناخبــــــا…ولا يهمه العــــاري الا اذا كانت امرأة.”

{ خبير بالشؤون السياسية الدولية

مشاركة