الوصف المثيولوجي يؤكد الملك عقيم – نجاح هادي كبة

647

قراءة في قصص مدونات على جسد القتيلة

الوصف المثيولوجي يؤكد الملك عقيم – نجاح هادي كبة

مدوّنات على جسد القتيلة إضمامة قصصية للقاص صالح مطروح السعيدي بلغت ثمان قصص وقعت في (131) صفحة من القطع المتوسط صادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في بغداد العام (2018م ) عالج فيها القاص موضوعات شتى منها في الهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي أولى هذه القصص “مدوّنة الملك الضلِّيل ” التي استثمر فيها سيرة امرئ القيس ومن طريقها ربط الهم السياسي الحاضر من خلال الزمن الماضي فالتاريخ سرد كالرواية والقصة ،  والقاص سارد عليم كالراوي المؤرخ لكن مع المفارقة بين سرد التاريخ وسرد الرواية أو القصة في الكم والكيف اللذين هما من شروط كتابة الرواية والقصة ،  فالقاص فنان مبدع يستثمر الأحداث التاريخية لا بعين الكاميرا كالمؤرخ بل ينسجها شكلا ومضموناً بريشته بالانزياح والخرق الجمالي والمضموني فالقاص يجعل من المادة التاريخية مادة طيّعة يشكلها كالنحات للمتلقي بأحداث تجعل الماضي يتحرك بثوب الحاضر والمستقبل فيدب استمرار الحياة من خلال المادة التاريخية ،  أو يعيد القاص كتابة التاريخ بأسلوبه الفني لكن يعيده لا بصورته الجامدة كأخبار وروايات بل يتناص معه وقد يكون هذا التناص عكسياً وكأنما القاص فنان يريد صوغ فنه في ضوء الحقائق ويرى من الضروري تعديل سلوك المتلقي بوساطتها وهذا ما أسماه (بول ريكور) التكرار السردي ( الذي يصفه بأنه فعل تأسيس حديث لما دشن من قبل … هو إعادة حدث ماضي في قلب جديد هو السرد ).

( السرد التاريخي عند بول ريكور،  جنان بلخن ،  دار الأمان ،  2014م ،  ص:57).

وفي قصة ” مدوّنة الملك الضلِّيل ” يتناص القاص مع السرد التاريخي بسيرة امرئ القيس وعلاقته بوالده الذي قتل غيلة حين قال : (ضيّعني أبي صغيراً وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً اليوم خمر وغداً أمر ) فرحل إلى بلاد الروم ليستعين بهم على قتلة والده بعد أن فشل في إعداد جيشاً من قومه ليأثر بهم على قتلة والده ،  لكن القاص تعامل مع هذه السيرة بلغة شعرية جزلة رصينة فصوّر كل جزء منها بإبداعه ،  مقتل والده عمرو بن حجر غيلة ،  إعداده للجيش من قومه الذي استعان به ،  فشله في هذه الاستعانة ،  موظفاً لغة شعرية صوتية إبداعية تتلائم مع حالة الحرب وكأنها حدثت توّاً : ( دقت طبول الحرب ورفرفت رايات بيض وحمر وارتفعت أعلام مصبوغة بدم الرجال تقدمت جيوش التحمت وانهزمت جيوش ،  ألف حنظلة تجندل بالوغى من الجانبين ،  على تلة حمراء مصبوغة بدم الرجال … على تلة حمراء مصبوغة بدم الرجال والجياد ،  تقوقع النحس السفيه يخط بيده المشؤومة آخر أخبار العصر …) ص:8 ،  ثم ينوّع القاص سرده بأسلوب درامي وكأنه يتمقص لغة المحاربين في الماضي ( يا امرأ القيس لقد ثأرنا لك وثأرت بنا ،  فماذا تريد ؟ صاح بهم ــ أريد لكم المجد والملك التليد ،  قالوا بصوت واحد ــ أدّينا لأبيك ولك ما علينا من دين فارجع والّا فنحن راجعون ،  قال لهم ــ لا ــ لا أرجع أبداً ) ص8ــ9.  (انتشلته عمته ليلى المجلّلة بالسواد من ذهوله العميق وهي تشير عليه : ــ إلى ملوك آل جفنة أيها الملك الضلِّيل … إلى أفياء الشام ومن ثم إلى قلاع قياصرة الروم ) ص:9 ،  لكن القاص وبضربة مدهشة يتلاعب بالوحدة الموضوعية يفككها ثم يعيد بناءها فهو انتقل من سيرة امرئ القيس التاريخية ليكوِّن سيرة جديدة لأمرئ القيس مرتبطة بالزمن الحاضر (في قصر الشالسية انبهر من إشراقة وجهه الحضور وتسيّدت كلماته المكان وجمد الدم بقصائد ــ لا فوسكا ــ شاعر البلاط العظيم التي طالما صفقت له رافين وروما … فتمايلت تيدورا  أميرة القصر وهي بين يدي عشيقها يوحنا السوري ….. وانبهر بوستا نيوس العظيم وكان الحب حاضراً مرة أخرى ،  إذ كان له بالمرصاد حين تهاوت سيليفيا ــ ابنة تيدورا ابنة بوستانيوس بين يديه ( مولاي … شاعري العظيم ــ سيلفيا أيتها الصغيرة ماذا تريدين ؟ سيدي أنت ملاذي الأمين ) ص: 9ــ10 ،  ورسالة القاص واضحة لأن الحب الذي جمع سيلفيا ــ المرأة المفترضة وبين امرئ القيس هو التقاء الشرق بالغرب(فامتزج الشعر والحب والشرق والغرب فيما عادت تيدورا العاشقة الفاسقة تجرّ أذيال خيبتها ) ص:10،  هذا الالتقاء توِّج بالحب لا بالحرب والهوية الدينية والقوميّة ،  ورسالة محمد رسالة تسامح لا حرب وظهوره لا يعني انتصاراً للعرب على غيرهم من الأمم ــ كما تقدّم في السرد ــ وهكذا أحدث القاص الانقسام العقلي في المتلقي بين موقفين متعارضين أولهما التقاء الشرق بالغرب للقوة والآخر التقاء الشرق بالغرب عن طريق الحب وكأن القاص يبطل مقولة (الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا) وان خاب الالتقاء بين الشرق والغرب فلابد ان يخيب الحب ومادام لكل حب حساد وحقودون فقد طعنت سهام الحقد الحب الذي جمع بين سيلفيا وامرئ القيس من تيدورا ( وصار مفتتح وشماعة انتقامها بدافع وتدبير منها ألبسه القيصر لباس الأمراء وسلّمه سيفاً وألبسه تاجاً وأعطاه أمر إمارة فلسطين …. فمن فلسطين سينطلق ليثأر للملك الذي ضيّعه صغيراً وحمله دمه كبيراً وهو لا يعلم أو كأنه لا يأبه بالنحس الذي يكون آخر قافيه من قوافيه إذ شرع السم يكشر عن أنيابه )ص10ــ11 ،  وفي هذا المتن الحكائي يوضح القاص نهاية حياة امرئ القيس وحبه وموته مسموما في فلسطين وكان مقصده نهاية العلاقة بين الشرق والغرب لأنه كان فاعلا ونشطاً في احتلال فلسطين اليوم ( ومن داخله انبثقت كلمات قوية صريحة واضحة : صحراء العرب … سيلفيا ،  ثم نطق اسم ابنتيه مارية …. هند… ابنته الكبرى التي تركها في الشام وكانت تلك الكلمات آخر عهده بالحياة ) ص:11. ويسوّغ بول ريكور الربط بين الماضي بالحاضر بوقائع غير صحيحه وإعادة تشكيل تجربة القارئ بواسطة وسائل لا واقعية بأنه سرد خيالي يقول : ( أنا أحصر مصطلح قصص خيالي بتلك الإبداعات الأدبية التي ليس لها طموح السرد التاريخي في إنشاء سرد حقيقي ) ص:45.  ولابد من الإشارة إلى ان الحب الذي حدث في السرد بين سيلفيا وامرئ القيس الذي كان سبب مقتله من القيصر بسترة مسمومة هو تناص مع ما ورد من أخبار متناثرة من حكاية تقول : (ان الإمبراطور جتنسيان غضب من امرئ القيس بعد مغادرته القسطنطينية لأنه اكتشف انه أغرى واحدة من أميراته وارسل رسولاً مع سترة مسمومة وقدمت على شكل هدية وان امرئ القيس ارتدى السترة واشتد به المرض من جراء السم ) وكيبيديا ،  الموسوعة الحرة .

مدونة الارث

القصة الثانية هي ” مدوّنة الإرث ” وقد كتب القاص تحت العنوان (( دليل قراءة القصة : يقرأ القسم الأعلى ثم القسم الأسفل )) فالقصة تسير بمنحيين سردين متوازيين لكن كلا المنحيين يؤكدان أثر الإرث حين يتجه بالإنسان بوصفه غاية وليس كوسيلة مما يترتب الخراب النفسي والاجتماعي ومع أن الإرث موضوع تقليدي إلا أن القاص أستطاع ان يطوّعه بلغة شعرية ومثيولوجية عجائبية كأنما توحي للمتلقي بنوع من الأحلام القصة تركز على الشخصية ابن فاشل لارتباطه بأب قاسٍ فانتقل فشله إلى المرأة ” زوجته ” حتى كره نفسه والقاص يستبطن نفسه في سرد الأحداث لكن سرعان ما ينتقل إلى راوٍ عليم ،  يقول : ( يقف متخاذلا مسلوب الإرادة أمام سطوة أبية وعنجهيته وتعاليه على الناس ولا سيما الفقراء والبؤساء والكادحين وهو يكيل التهم ويلصقها بهم ….. ) ص:14 ،  بخاصة بأم زوجته ” لاحقة ” الابن يرفض طلب الأب ان يكون أداة لرفع سمعة عائلته ” آل مطروح ” المضطهدة للفقراء والكادحين والفلاحين ،  الابن يرفض الإرث خلاف الأبناء الآخرين (إلّا هو صرخ قبل عشرين عاما ـــ إليكم أموالكم ولي حياتي ) ص:20 ،  لكن الأب يرى فيه ( انه نمط خاص من العائلة أرفع شأناً واقوى شكيمة وأكثر قدرة على الإيغال والمكابرة وهو الوحيد القادر على الوصول إلى أدق تفاصيل العائلة فكان أن أذعن الابن لرغباب الأب (فكانت حصته من الميراث صندوقاً خشبياً عتيقاً مرصعاً بمسامير نحاسية وقد أثار موضوعة شكوك الأخوة الأشقاء التسعة…) ص:22 وجاء وصف القاص للصندوق مسهباً بلغة جمالية       ( ناهيك عن الأشياء ذات الدلالات التاريخية أمثال سيف الجد الأكبر ومسبحته الكهرب وعصاه المهداة من أحد ملوك الهند وتاج العائلة وخرزتها المباركة وشجرتها التي تحتوي على أدق تفاصيل العائلة … ) ص:22.  وهكذا يقلّل القاص بشفراته اللغوية قيمة صندوق الإرث ويقول راوياً ضمنيّاً عن بطله ” الابن ” : (إلّا هو أيقن بحدسه ان لا شيء ذا قيمة يحتوية الصندوق وما هو إلا نوع من عقاب قاسٍ أضمره الأب …. ) ص:23 ،  وعقاب قاس وانتقام ( من هذا الأخ الذي سرق الجميع …. ) ص: 24  ولم يكن للابن من امل في هذا المجتمع إلا ان يقوم بفتح الصندوق ،  يرى فيه كل عجائبي والقاص يوظف الشفرات اللغوية أو الأسلوب الإشاري ــ السيموطيقي ليصف ما في داخل الصندوق بأسلوب مثيولوجي عجائبي فنتازي (عالج قفل الصندوق المتراكم بداخله صدأ السنين … خيّم وبشكل مفاجئ ظلام دامس انطبعت على صفحته شرائط الومض الآتي عبر الشبابيك الواسعة ما لبثت ان أضيئت أنوار ساطعة بذهول ارتكز على الدهشة والرهبة والخوف … وقد سحبت يداه من قبل قوى خارجية يجهل ماهيتها …. وسط بناء مبني بشكل دائري وفق هندسة معمارية “فيه ” ملكات تتوهج وجوههنّ بجمال آسر … وسيوف متقاطعة وجياد راكضة حيث المدى ينبسط مقفراً وغامضا… من ذلك السكون،  من عمقه الشامل سمع نقرة ثم صوت واضح النبرات بعدها حدثت فوضى وبعثرة لأشياء رأى أو قال انه يرى الهياكل العظمية تغنّي أو ترقص بسعادة طاغية .. ) ص:28ــ29 ،  وكانت رحلته المثيولوجية العجائبية مع صندوق الإرث ان أوصلته إلى ( غرفة الأب الســـــــــرية المتشربة برائحــــــــــــــــة مطر ما زال ينهمر ) ص:45 .

شفرات لغوية

هذه الشفرات اللغوية بالوصف الشاعري المثيولوجي تدلل على صحة المثل القائل (ان الملك عقيم ) فالإرث كان للابن عقيماً مؤلماً فليس هناك مكسب بين استلام صندوق الإرث ورحلته المتعبة فبدأت رحلته دائرية ليبدأ معه ثم ليعود إليه ثانياً ليرى وجه أبيه وصندوق الإرث الذي خلّفه الأب ذاته ويتمدد المعنى طبولوجيا ليؤكد القاص ان الاتكاء الاستاتيكي على الآخر لا يكون من ورائه إلا الخيبة والفشل وتفاطر الآلام والانفصال عن الواقع والوقوع في الوهم . وفي المنحى السردي الآخر تكرر مقصد القاص من السرد ذاته كما في المنحى السردي الأول لكن القاص الذي أرعب المتلقي في المنحى السردي الأول من خلال صندوق الإرث ودور البطل أفاض على المتلقى في المنحى السردي الآخر بالهدوء ( يواجهني الضوء وهو ينشر أشعته ويتوهج ويأخذ أبعاداً هلامية على شكل دفقات من نور شفيف … مع أروقة كثيرة … وصالات واسعة مزدانة بثريات الكرستال ومصابيح ملونة ومرايا عاكسة لستائر الجوخ وشرائط الحرير والاستبرق المعلقة فوق لوحات كبيرة لملوك بلغات مختلفة …..) ص:14 .

والقاص الذي اقتضب كثيراً من الأحداث في المنحى السردي الأول في علاقة البطل ” الشخصية ” في القصة بالمرأة  ” زوجته ” عكسها في المنحى السردي الآخر برؤية أسلوبية تشد المتلقي ( ربما يئست مني بعد ان ذهبت جميع مبادراتها ومحاولات الأصدقاء والمعارف أدراج الرياح وأنا أجد على رفض حقي من الميراث ….. ) ص:15 ،  وهكذا يفارق القاص أسلوبه في المنحى السردي الآخر عن الأول ويفاجئ المتلقي بخرق للوحدة الموضوعية ليشده للقص (في ذلك الوضع القلق الذي ينتابني ويتناهشني وفي تلك الليلة الموحشة بات لزاماً عليّ أن أدخل أجواء قصة ” مدوّنة الإرث ” أعايش أبطالها أصافحهم وأتقبل نكاتهم وتقلّب أمزجتهم …. ) ص:16  ويستمر القاص بهذا الخرق الجمالي للوحدة الموضوعية ( فماذا سيقول القراء غداً مؤلف خذل الوعود به ؟ ! وماذا سيقول الساسة في أروقة السياسة ؟ بالتأكيد ستكون بياناتهم وتصريحاتهم شديدة اللهجة … عن رجل يعيش في مفتتح الألفية الثالثة وهو يجهل الأعراف الدبلوماسية ،  ولا يعرف كيف يكون سيداً محترماً وهو يحضر حفلة الإمضاء ….) ص:17 ،  ثم يعود القاص مرة أخرى إلى وحدته الموضوعية حين يفاجئ المتلقي بالتقاء بطله بوالده في أجواء غائمة ثم ليبدأ الحوار بين البطل ووالده عن العوامل الفاعلة في انفصال الولد ( البطل) عن زوجته وهو ” الإرث ” مركز السرد ثم ليدخل القاص ( الابن ) البطل في عالم مثيولوجي ليرى البطل ( الإنسان ) من خلال العلاقات المثيولوجية بين الالهة معاني الحوار وأسلوب العلاقات وكان مقصد القاص فيه ان التنازل عن الإرث يجعل البطل ( الإنسان ) يعيش حياة طبيعية هادئة وبتوظيفه للأسلوب المثيولوجي ــ العجائبي والبطل يتمتع برؤيا تاريخ حضارة وادي الرافدين في حين كان مقصد القاص في المنحى السردي الأول يشير إلى عقم الإرث وما يسبيه من آلام ممضة للإنسان وقد رسم القاص ذلك بأسلوب مثيولوجي مرعب عكس ما رسمه في المنحى السردي الآخر ـــ كما تقدم ـــ ان قصة ” مدوّنة الإرث ” التي فازت بالجائزة الثانية في مسابقة دار الشؤون الثقافية العامة الرابعة العام 2011م عمل إبداعي تجريبي حقق التجديد ــ بحدود عملي ـــ

مشاركة