الورقة الثمينة – جاسم السماري

878

قصّة قصيرة

 الورقة الثمينة – جاسم السماري

كان صديقي يكبرني بكثير يروي لي قصصا وحكايا عن حياته الماضية يحمل ارثا جميلا نادرا ما نسمعه ، او نقراءه في القصص والحكايا هذا الذي اتكلم عنه ابن الجنوب الذي ترعرع ونما بين نقاء مياه الانهار وطينه ، عاش في ريفها منذ طفولته حتى كبر عانى من صعوبةالحياة هناك الاصابع الخشنة وقسوة الحياة تتطلب جهدا وقوة كبيرة لان الزراعة قاسية جدا ، رغم بساطتها الا ان الخوض في غمارها تؤلمه رغم ذلك كان يستذكرها بألم وحرقة ، عنوانها التعب والشقاء الى حد الاعياء ، ولولا الصبر وحب الارض الذي ولد فيها بنفس الوقت القيم ترسخت به وتجذرت فهضمها فاستقرت في جوفه ، حافظ عليها لانها ثمل له جوهر الحياة التي عاش من اجلها وبساطتها رغم قسوتها ، لكن الهمته الصبر والاخلاص والورع ، كان يكلمني بحرقة لاهم رحلة في حياته الذهاب الى فلسطين في مقتبل العمر تاركا اهله وامه التي ارتبطت به بعد ان فقدت اثنان من اخوته بداء الجدري ، ونجا بأعحوبة لذلك تعلقت به ارتباطا روحيا ، لانه الاصغر بين اخوته قرر الذهاب بعد التحاقه بالجيش والصعود نحو المجد والذرى لمقارعة العدو ، الذهاب الى هناك بخطوات ثابتة لايمانه بقضيتة مودعا احبة واخوة لم يفارقهم لحظة واحدة ، اتخذ قراره بسرعة دونما تردد فذهب بلا خوف رغم صغر سنه ، بقي ستة أشهر ، انقطت اخباره بين الحين والاخر تردهم الاخبار الكاذبة المتوالية تباعا اقلقت اهله جعلتهم بحالة من الهوس والهيستيريا والجنون ، حتى عاد الى الوطن جاءهم دون موعد كانت مفاجأة الاستقبال حزين فقد تركوا ابطال خلفهم بدمائم الزكية روت ارض( جنين ) التي مكثوا فيها بعد ان ابلو بلاء حسنا قصها والحسرة في قلبه المتعب والبريق في عينيه احزنني يقص علي هذه الحكاية بحرقة والم ، هذه لمحة من تاريخ حياته قال : كأنني ذهبت بالامس تمر السنين مسرعة دون توقف لم يتبق منها سوى ذكريات ،كعادته فقد عانى من المرض وهو يجتر ايامه الماضية بصوت حزين مد يده نحوي .

وضع ورقة في يدي قال : احفظها ولاتفتحها حتى يحين يومها ، كنت حريصا على حفظها في مكان امن ، كلما اروم لافتحها اتردد لانني لا اريد ان اخون العهد الذي قطعته له ، فكان خير صديق لي عرفته طول حياتي لذلك هذه الورقة لها حكاية معي لابد ان اقصها واخوض في غمارها ،

سوف احدثكم عنها بأسهاب .

شاهدتها كأنها تحدثي بل تعاتبني ترمقني بشيء من العرفان بنظرة استعطاف فأ حسست بانكسار الضمير، فذاب مني الفكر كما تذوب الشمعة في الظلام ، لانني تأخرت عن قراءتها مددت يدي لامسكها فخانتني ارتجافات اصابعي ، بكيت بحرقة سالت دموعا من جمر ، قد خطت حروفها بأقدس يد ، لطلما ربتت على كتفي صيرتني وحملتني وداعبتني وانا صغير ، بين الفينة والاخرى اشمها اقبلها فحروفها تعاتبني ، واطأطأ رأسي خجلا فهي تمثل ذكرى عطرة باريجها ، اشم رائحة العطف والحنان الذي كان يلازمني ، فانها تهمس في جوفي تربكني ارى ظلا من خلالها ، تمنيت ان يكون حاضرا بدلا عنها لان ذكراها يدمي قلبي المتعب وانني احب صاحبها حبا شاسعا لايضاهيه حب ،

فقد كانت وصية ابي قبل الرحيل الى مأواه الاخير .

مشاركة