الوجود المسيحي في العراق يتلاشى على وقع موجات الهجرة المتتالية

650

بغداد‭, ‬22‭-‬2‭-‬2021‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬غادر‭ ‬بعضهم‭ ‬خلال‭ ‬الاجتياح‭ ‬الأميركي‭ ‬للعراق،‭ ‬وآخرون‭ ‬خلال‭ ‬الحروب‭ ‬الطائفية‭ ‬التي‭ ‬احتلّ‭ ‬خلالها‭ ‬جهاديون‭ ‬قراهم،‭ ‬وغيرهم‭ ‬بسبب‭ ‬الأزمة‭ ‬المعيشية‭ ‬الحالية‭… ‬موجة‭ ‬هجرة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى،‭ ‬يتقلّص‭ ‬عدد‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬فيما‭ ‬يحلم‭ ‬الباقون‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بالمغادرة‭.‬

وتعيش‭ ‬عائلات‭ ‬مسيحية‭ ‬عراقية‭ ‬كثيرة‭ ‬التقتها‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬في‭ ‬كردستان‭ ‬العراق،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬أو‭ ‬أستراليا‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬حنينا‭ ‬الى‭ ‬وطن‭ ‬ترفض‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬فكرة‭ ‬العودة‭ ‬إليه‭. ‬ويعلّق‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬آمالا‭ ‬بأن‭ ‬يحمل‭ ‬لهم‭ ‬البابا‭ ‬فرنسيس‭ ‬الذي‭ ‬سيزور‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬آذار‭/‬مارس،‭ ‬كلمات‭ ‬معزية‭ ‬ومطمئنة،‭ ‬ولو‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يتعلّقون‭ ‬بالأوهام،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الأزمات‭ ‬الأمنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬المتلاحقة‭ ‬والتوترات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬البلاد‭.‬

ويقول‭ ‬سعد‭ ‬هرمز‭ (‬52‭ ‬عاما‭) ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬سابقا‭ ‬سائق‭ ‬تاكسي‭ ‬في‭ ‬الموصل،‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الأردن،‭ ‬‮«‬آمل‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬البابا‭ ‬خلال‭ ‬زيارته‭ ‬للعراق‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تستقبل‭ ‬لاجئين‭ ‬مسيحيين‭ ‬مساعدتنا‭ (…) ‬لأن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ (‬الآن‭) ‬غير‭ ‬واردة‮»‬‭.‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬إحصاءات‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬إجراء‭ ‬تعداد‭ ‬سكاني‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬يقول‭ ‬وليم‭ ‬وردة،‭ ‬رئيس‭ ‬منظمة‭ ‬حمورابي‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأقليات‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬حاليا‭ ‬300‭ ‬إلى‭ ‬400‭ ‬ألف‭ ‬مسيحي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬المليون‭ ‬قبل‭ ‬الغزو‭ ‬الأميركي‭ ‬العام‭ ‬2003‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬بالإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭.‬

ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬بعدما‭ ‬غادر‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬عن‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتوجه‭ ‬آخرون‭ ‬الى‭ ‬دول‭ ‬اسكندينافية‭ ‬وأستراليا‭.‬

في‭ ‬2007،‭ ‬قتل‭ ‬عم‭ ‬وعمة‭ ‬طبيبة‭ ‬الأسنان‭ ‬رنا‭ ‬سعيد‭ ‬برصاص‭ ‬عشوائي‭ ‬أطلقه‭ ‬جنود‭ ‬أميركيون‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬هجوم‭ ‬تعرضوا‭ ‬له‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ (‬شمال‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الطبيبة‭ ‬وزوجها‭ ‬الطبيب‭ ‬البيطري‭ ‬عمار‭ ‬الكاس‭ ‬أصرّا‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬مدينتهما‭. ‬لكن‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬محاسبة‭ ‬أو‭ ‬تطبيق‭ ‬أي‭ ‬عدالة‭ ‬في‭ ‬القضية،‭ ‬دفعهما‭ ‬في‭ ‬2008‭ ‬الى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الرحيل،‭ ‬فانتقلا‭ ‬الى‭ ‬كردستان‭. ‬وكانا‭ ‬يفرّان‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬الطائفي‭ ‬و»مسلسل‭ ‬اغتيالات‭ ‬نفذتها‭ ‬مجموعات‭ ‬مسلحة‮»‬‭ ‬استهدف‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬مسيحيين،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ذكر‭ ‬الكاس‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭. ‬في‭ ‬2013،‭ ‬سافر‭ ‬الزوجان‭ ‬اللذان‭ ‬ينتميان‭ ‬الى‭ ‬طائفة‭ ‬السريان‭ ‬الأرثوذكس‭ ‬إلى‭ ‬أستراليا‭ ‬حيث‭ ‬نشأت‭ ‬بناتهن‭ ‬الثلاث‭ ‬سارة‭ (‬عشرة‭ ‬أعوام‭) ‬وليزا‭ (‬ستة‭ ‬أعوام‭) ‬وروز‭ (‬ثلاثة‭ ‬أعوام‭) ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬غولد‭ ‬كوست‭.‬

وأصرّ‭ ‬الوالدان‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬بناتهما‭ ‬اللغتين‭ ‬العربية‭ ‬والسريانية‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬الإنكليزية‭.‬

وفي‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬الزوجان‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬خصوصا‭ ‬بعد‭ ‬اقتحام‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬لبلدتهما‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬العام‭ ‬2014‭. ‬وتستذكر‭ ‬رنا‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬قائلة‭ ‬‮«‬كنتُ‭ ‬حاملا‭ ‬بابنتي‭ ‬ليزا،‭ ‬وكان‭ ‬عمار‭ ‬لا‭ ‬يريدني‭ ‬أن‭ ‬أسمع‭ ‬الأخبار‭ ‬لأنها‭ ‬تسبّب‭ ‬قلقاً‭ ‬يؤذي‭ ‬الطفل،‭ ‬وكان‭ ‬يبعد‭ ‬هاتفي‭ ‬وأجهزة‭ ‬الحاسوب‭ ‬عني‮»‬‭.‬

وتضيف‭ ‬فيما‭ ‬اغرورقت‭ ‬عيناها‭ ‬بالدموع‭ ‬‮«‬كوابيس‭ ‬مرعبة‭ ‬كانت‭ ‬تلاحقني‭ ‬بأن‭ ‬الدواعش‭ ‬يقتلون‭ ‬أهلي‭ ‬ويغتصبونهم‮»‬‭.‬

ويقول‭ ‬عمار‭ ‬إنه‭ ‬صُدم‭ ‬آنذاك‭ ‬بخبر‭ ‬تدمير‭ ‬كنيسة‭ ‬القديسة‭ ‬مريم‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬التي‭ ‬عمرها‭ ‬1200‭ ‬عام‭. ‬ويقول‭ ‬بحسرة‭ ‬‮«‬دُمِّرت‭ ‬بالكامل،‭ ‬هي‭ ‬الكنيسة‭ ‬التي‭ ‬تزوج‭ ‬فيها‭ ‬والدي‮»‬‭.‬

وعاش‭ ‬سعد‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬جهته‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬بتفاصيلها،‭ ‬وكان‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬وصول‭ ‬الشاحنات‭ ‬التي‭ ‬رفعت‭ ‬رايات‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬السوداء‭ ‬الى‭ ‬بلدته‭.‬

ففي‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬2014،‭ ‬دخل‭ ‬جهاديون‭ ‬الى‭ ‬برطلة،‭ ‬البلدة‭ ‬المتعددة‭ ‬الأعراق‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭.‬

ويقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬في‭ ‬البداية،‭ ‬هربنا‭ ‬الى‭ ‬القوش‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬بلدة‭ ‬ذات‭ ‬غالبية‭ ‬مسيحية‭ ‬تقع‭ ‬الى‭ ‬الشمال‭ ‬‮«‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬إربيل‮»‬،‭ ‬عاصمة‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭.‬

هناك،‭ ‬عاش‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬أفنان‭ (‬48‭ ‬عاما‭) ‬وأولاده‭ ‬الأربعة‭ ‬وأكبرهم‭ ‬فادي‭ (‬19‭ ‬عاما‭) ‬وأصغرهم‭ ‬ناتالي‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬في‭ ‬كنيسة،‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يستأجر‭ ‬شقة‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬150‭ ‬دولارا‭ ‬شهرياً‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كلفه‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يملك‭.‬

وتأملت‭ ‬العائلة‭ ‬خيرا‭ ‬بالعودة‭ ‬الى‭ ‬حياتها‭ ‬السابقة‭ ‬عندما‭ ‬أعلنت‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬2017،‭ ‬تحرير‭ ‬برطلة‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬الجهاديين‭.‬

لكن‭ ‬عائلة‭ ‬هرمز‭ ‬اكتشفت‭ ‬بأن‭ ‬الأوضاع‭ ‬تغيّرت‭ ‬تماماً‭. ‬فمنزلها‭ ‬احترق‭ ‬بعدما‭ ‬سرقت‭ ‬محتوياته،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬إصلاح‭ ‬ما‭ ‬تضرّر‭ ‬مجدياً،‭ ‬لأن‭ ‬المنطقة‭ ‬أصبحت‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬قوات‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي،‭ ‬وهي‭ ‬مجموعات‭ ‬عسكرية‭ ‬تهيمن‭ ‬عليها‭ ‬فصائل‭ ‬شيعية‭ ‬موالية‭ ‬لإيران‭.‬

ويستذكر‭ ‬هرمز‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬عشنا‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬حواجز‭ ‬التفتيش‭ ‬والميليشيات‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‮»‬‭.‬

ويتابع‭ ‬‮«‬لذا‭ ‬بعت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أملك‭ ‬حتى‭ ‬سيارتي،‭ ‬وسافرنا‭ ‬إلى‭ ‬الأردن‮»‬‭.‬

وتعيش‭ ‬العائلة‭ ‬منذ‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2018‭ ‬في‭ ‬شقة‭ ‬من‭ ‬غرفتين‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬إعادة‭ ‬توطينها‭ ‬في‭ ‬كندا‭ ‬حيث‭ ‬بعض‭ ‬أقاربها‭. ‬لكن‭ ‬ملف‭ ‬الهجرة‭ ‬عالق‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬العائلة،‭ ‬بسبب‭ ‬تفشي‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬وتدفق‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬الى‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬خصوصا‭ ‬والى‭ ‬القارة‭ ‬الأميركية‭ ‬وغيرها‭..‬‭.‬

وبسبب‭ ‬تسجيل‭ ‬هرمز‭ ‬نفسه‭ ‬كلاجئ‭ ‬في‭ ‬الأردن،‭ ‬لا‭ ‬يحقّ‭ ‬له‭ ‬العمل،‭ ‬وهو‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التبرعات‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬كنائس‭ ‬عمان‭ ‬لإطعام‭ ‬أسرته‭.‬

الغربة‭ ‬والبعث‭ ‬

ويقول‭ ‬الأسقف‭ ‬الكلداني‭ ‬سعد‭ ‬سيروب‭ ‬حنا‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬40‭ ‬عامًا‭ ‬والذي‭ ‬عيّنته‭ ‬الكنيسة‭ ‬الكلدانية‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬منذ‭ ‬2017،‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬رعيته‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬العودة‭ ‬الى‭ ‬العراق‭.‬

ووُلد‭ ‬حنا‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬وأرسل‭ ‬الى‭ ‬السويد‭ ‬للاهتمام‭ ‬بأكبر‭ ‬تجمع‭ ‬كلداني‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬قوامه‭ ‬نحو‭ ‬25‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬موجات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬الأربعة‭ ‬الماضية‭.‬

وعاش‭ ‬فترات‭ ‬عنف‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬فرّ‭ ‬خلالها‭ ‬كثيرون،‭ ‬وهو‭ ‬يصفها‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬العظيمة‮»‬‭. ‬وتعرّض‭ ‬للخطف‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2006‭ ‬بعدما‭ ‬ترأس‭ ‬قداسا‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬العراقية‭. ‬ويقول‭ ‬حنا‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬احتُجزت‭ ‬وتعرضت‭ ‬لأمور‭ ‬عديدة‭ ‬بينها‭ ‬التعذيب‭ ‬والعزلة‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أعطتني‭ ‬القوة‭ ‬أيضًا‭. ‬لقد‭ ‬ولدت‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬بنعمة‭ ‬عظيمة‭ ‬وحبّ‭ ‬كبير‮»‬‭.‬

ويقيم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬140‭ ‬ألف‭ ‬عراقي‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬رغيد‭ ‬بنّا،‭ ‬وهو‭ ‬مواطن‭ ‬من‭ ‬الموصل‭ ‬استقر‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬سودرتالي‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2007،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬والعشرين‭.‬

ويقول‭ ‬بنّا،‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬أب‭ ‬لطفلين،‭ ‬‮«‬ثمة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكلدان‭ ‬هنا‭ ‬لدرجة‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬حتى‭ ‬أنني‭ ‬في‭ ‬غربة‮»‬‭.‬

‭- ‬من‭ ‬إراقة‭ ‬الدماء‭ ‬إلى‭ ‬الإفلاس‭ -‬

ويقول‭ ‬وردة‭ ‬إن‭ ‬العائلات‭ ‬الشابة‭ ‬تهرب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وتترك‭ ‬غالبا‭ ‬وراءها‭ ‬الوالدين‭ ‬من‭ ‬الجهتين‭ ‬الأكبر‭ ‬سناً‭.‬

ويوضح‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬الأسرة‭ ‬المسيحية‭ ‬تتكون‭ ‬إجمالا‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬أفراد‭. ‬والآن‭ ‬انخفض‭ ‬العدد‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‮»‬‭.‬

في‭ ‬بغداد،‭ ‬تقلص‭ ‬عدد‭ ‬المسيحيين‭ ‬من‭ ‬750‭ ‬ألفا‭ ‬في‭ ‬2003،‭ ‬بنسبة‭ ‬90‭ ‬في‭ ‬المئة‭.‬

ويقول‭ ‬الإيكونوموس‭ ‬يونان‭ ‬الفريد،‭ ‬الوكيل‭ ‬العام‭ ‬للروم‭ ‬الارثوذوكس‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إنه‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬عدد‭ ‬المصلين،‭ ‬‮«‬أغلقت‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬الى‭ ‬30‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬كنائس‭ ‬العراق‮»‬‭.‬

وبعد‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬إراقة‭ ‬الدماء‭ ‬والتفجيرات،‭ ‬دخل‭ ‬العراق‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الهدوء‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬هزيمة‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬2017‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يوقف‭ ‬نزف‭ ‬الأقليات‭.‬

ويقول‭ ‬الكاهن‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬العاصمة،‭ ‬فيما‭ ‬هاجر‭ ‬شقيقه‭ ‬إلى‭ ‬كندا‭ ‬وشقيقته‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬‮«‬الناس‭ ‬يستمرون‭ ‬في‭ ‬المغادرة،‭ ‬المسيحيون‭ ‬يحاولون‭ ‬فقط‭ ‬ادّخار‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬المال،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬بأسرع‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬،‭ ‬يهاجرون‮»‬‭.‬

واختارت‭ ‬سالي‭ ‬فوزي،‭ ‬الكلدانية‭ ‬من‭ ‬بغداد،‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حيث‭ ‬منحت‭ ‬اللجوء‭ ‬العام‭ ‬2008،‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬مأساة‭ ‬في‭ ‬عائلتها‭.‬

وتقول‭ ‬فوزي‭ (‬38‭ ‬عاما‭) ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬تكساس‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬إن‭ ‬عمتين‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الثمانينات،‭ ‬قتلتا‭ ‬طعنا‭ ‬داخل‭ ‬منزلهما‭ ‬‮«‬كونهما‭ ‬مسيحيتين‭ ‬لا‭ ‬أكثر‮»‬‭ ‬وكانتا‭ ‬تعيشان‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬كركوك‭ ‬المتعددة‭ ‬الاتنيات‭ ‬والطوائف‭ ‬الواقعة‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬بغداد‭.‬

وتضيف‭ ‬سالي‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬أخيراً‭ ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬وصولها‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬إحضار‭ ‬والديها‭ ‬وإخوتها‭ ‬إلى‭ ‬هيوستن‭ ‬‮«‬لأنقذهم‭ ‬من‭ ‬المصير‭ ‬المحتوم‭ ‬للمسيحيين‭ ‬في‭ ‬العراق‮»‬،‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬والعشرين‭ ‬فقط،‭ ‬وقد‭ ‬نجوت‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬حروب‮»‬‭.‬

وتتابع‭ ‬‮«‬اليوم‭ ‬لدي‭ ‬بيت‭ ‬ووظيفة‭ ‬وعائلتي‭ ‬قريبة‭ ‬مني‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تقول‭ ‬بأسى‭ ‬‮«‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أشتاق‭ ‬لأصدقائي‭ ‬وبيتي‭ ‬في‭ ‬بغداد‮»‬‭.‬

وتساهم‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصعبة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬هجرة‭ ‬المسيحيين‭. ‬وازدادت‭ ‬الأزمة‭ ‬بسبب‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬وقد‭ ‬نتجت‭ ‬أصلا‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬وهبوط‭ ‬أسعار‭ ‬العملة‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الدولار‭ ‬وتفشي‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬الدولة‭.‬

وأدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تأخير‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬رواتب‭ ‬موظفي‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وفي‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بحكم‭ ‬ذاتي،‭ ‬والذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المسيحيين‭.‬

ويقول‭ ‬هفال‭ ‬ايمانويل،‭ ‬وهو‭ ‬موظف‭ ‬حكومي‭ ‬كلداني‭ ‬في‭ ‬كردستان،‭ ‬‮«‬أتقاضى‭ ‬راتبًا‭ ‬واحدًا‭ ‬فقط‭ ‬كل‭ ‬شهرين،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬لا‭ ‬أتقاضى‭ ‬الراتب‭ ‬بالكامل‮»‬،‭ ‬مضيفاً‭ ‬‮«‬مجرد‭ ‬أن‭ ‬أحصل‭ ‬على‭ ‬مستحقاتي،‭ ‬عليَ‭ ‬سداد‭ ‬ديون‭ ‬الأسابيع‭ ‬السابقة،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬لدي‭ ‬شيء‮»‬‭.‬

‭- ‬‮«‬ملاك‮»‬‭ ‬ولقاء‭ ‬‮«‬الشياطين‮»‬‭ -‬

ونشأ‭ ‬إيمانويل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬جنوب‭ ‬العراق،‭ ‬ثم‭ ‬تزوج‭ ‬وعاش‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬حتى‭ ‬العام‭ ‬2004‭ ‬عندما‭ ‬انفجرت‭ ‬قنبلة‭ ‬خارج‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬أطفاله‭ ‬يرتادونها‭.‬

وكبرت‭ ‬إحدى‭ ‬بناته‭ ‬وهاجرت‭ ‬إلى‭ ‬النروج‭ ‬مع‭ ‬زوجها،‭ ‬وانتقل‭ ‬أخوه‭ ‬وأخته‭ ‬مع‭ ‬عائلتيهما‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭.‬

وتقدّم‭ ‬إيمانويل‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬وأطفالهما‭ ‬الثلاثة‭ ‬الآخرين‭ ‬بطلب‭ ‬إعادة‭ ‬توطين‭ ‬في‭ ‬كندا،‭ ‬وهم‭ ‬ينتظرون‭ ‬الجواب‭.‬

ويقول‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أبرشية‭ ‬الكلدان‭ ‬في‭ ‬إربيل‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬نختنق‭.. ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬رعاية‭ ‬اجتماعية‭ ‬ولا‭ ‬خدمات‭ ‬صحية‭ ‬ولا‭ ‬مدارس‭ ‬عامة‭ ‬ولا‭ ‬عمل‮»‬‭.‬

يشعر‭ ‬بالحزن‭ ‬لدى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬شوارع‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة‭ ‬الغنية‭ ‬بالموارد‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬تفتقر‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭.‬

ويعبّر‭ ‬عن‭ ‬انزعاجه‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬ملصقات‭ ‬تحمل‭ ‬صور‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬للثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬روح‭ ‬الله‭ ‬الخميني‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭. ‬‮«‬هذه‭ ‬أماكن‭ ‬عامة‭ ‬وأنا‭ ‬أشعر‭ ‬كمسيحي‭ ‬بأن‭ ‬ليس‭ ‬لي‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬البلد‮»‬‭.‬

ثم‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬أتيحت‭ ‬الهجرة،‭ ‬أنا‭ ‬أضمن‭ ‬أنه‭ ‬بحلول‭ ‬الغد،‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬أي‭ ‬مسيحي‭. ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬سنشعر‭ ‬أخيرًا‭ ‬بالاحترام‭ ‬كبشر‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬للبابا‭ ‬فعله‭ ‬لتغيير‭ ‬ذلك؟

يقول‭ ‬إيمانويل‭ ‬الذي‭ ‬ستغني‭ ‬ابنته‭ ‬في‭ ‬الجوقة‭ ‬المرحبة‭ ‬بالبابا‭ ‬في‭ ‬إربيل‭ ‬‮«‬البابا‭ ‬مثل‭ ‬ملاك‭ ‬ينزل‭ ‬على‭ ‬العراق،‭ ‬لكن‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الشياطين‭ ‬سيجد‭ ‬هنا؟‭ ‬رجل‭ ‬سلام‭ ‬يزور‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أمراء‭ ‬الحرب‭. ‬كيف‭ ‬يمكنه‭ ‬تغييرهم؟‮»‬‭.‬

مشاركة