الوجه الآخر للوردي .. فوبيا السياسة والدين – ياس خضير البياتي

447

فك التشفير

الوجه الآخر للوردي .. فوبيا السياسة والدين – ياس خضير البياتي

قبل التحاقي في قسم الاجتماع عام 1968 ،كنت قد قرأت عدة كتب لعالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي ، ونظريته للشخصية العراقية بخصوص( ازدواجية الشخصية)،يومها كانت لي افكارا تتعارض مع مضامين كتبه بشأن اعتماده على المنهج التاريخي ،كما فعل  بن خلدون، في تفسير الظواهر الاجتماعية ،وتكراره الممل لنظرية الازدواجية الشخصية ،وطريقة عرضه للأفكار التي لا تعتمد على التحليل ،وانما الاكتفاء بالعرض ،وتعميمه لنشأة الظواهر الاجتماعية والتاريخية ،وربما كانت هذه الافكار غير منسجمة مع مصادر ثقافتي المتناقضة ،وأتذكر انني لمجرد رؤية اسمي ضمن المقبولين في قسم الاجتماع تذكرت الوردي فقط ،وحلم اللقاء به ،ومعرفة افكاره عن قرب ،وطريقة تدريسه ،وشخصيته الحقيقية ومدى تطابقها مع افكاره وسلوكه. كانت الصورة التي تشكلت في ذهني للوردي هي الصورة التي اراها في الصحف والكتب، وهي صورة تقليدية ونمطية ومكررة، وكانت رغبتي تزداد لرؤيته في الدرس، ولا أدرى لماذا شعرت بخفقان القلب تتسارع مع موعد دخوله للقاعة الدراسية، وكأنني مقبل على امتحان دراسي او محاكمة لإعلان الحكم، حتى هدأت النفس بعد دخوله القاعة وصعوده على المنصة، وبدأ الدرس الاول على موضوع المجتمع العراقي وشخصية الانسان العراقي. كان الوردي قصير القامة ، وبنظارة حمراء كبيرة غامقة تكاد لا ترى عينيه الا بصعوبة ، وحقيبة حمراء تشعر ان جسده يميل الى الجهة التي يحملها بسبب حجمها الكبير وثقل ما موجود فيها من الكتب ،و(سدارة)بغدادية سوداء يلبسها في الرأس حتى يشعرك بتميز شكله واناقته عن باقي اساتذة القسم .اما طريقة تدريسه فقد كانت اكثر اثارة وغرابة ،فقد كان صوته يعلو بقوة مع حركات (بهلوانية) غير معتادة في قاعات الدرس ، وكان يمزج المحاضرة بالجد والهزل ،والبساطة التي تصل الى شكل (الحدوته).كان مستمعا جيدا ، ويحب الاستماع الى القصص والحكايات الشعبية العراقية من الطلبة ،وكأنه يريد استثمارها في كتاب جديد .اما انا فقد كنت اراقب شخصيته وحركاته التي ابعدتني عن التركيز عن موضوع المحاضرة الاولى . اما المحاضرة الثانية فقد كانت من المحاضرات المثيرة التي كانت تمثل ولادة تصادم الرغبات والعلاقات والمشاكسات والحوارات ، ولأول مرة بدأت اناقش الوردي في افكاره بندية ، حيث بدأتها بمناقشات عن الشخصية العراقية بطريقة لا تتفق مع رؤية الوردي وطروحاته الاجتماعية ،وهو الامر الذي شجعني ايضا ان ابدأ معه في الحديث عن (اللاشعور) استنادا على ما طرحه في كتابه (خوارق اللاشعور) وتأثيرها على بناء الشخصية .

عيار ثقيل

وقتها شعر الوردي بمفاجأة من العيار الثقيل بأنه امام طلبة غير عاديين ،خاصة في المرحلة الاولى من الدراسة، بل كان يظن كما عرفنا منه لاحقا في بيته بالكاظمية ،بأننا مرسلون من الدولة لاستفزازه والايقاع به ،خاصة وانه كان له فوبيا سياسية من الدولة آنذاك ،وخاصة بفوبيا البعث. ما الجانب الثاني من المحاضرة فقد أخذ منحى آخر من الهزل والضحك، فقد كان الوردي ممثلا بارعا في الحركات اثناء المحاضرة، فقد فاجأنا عند الحديث عن المجتمع الحضري انه نزل من المنصة وبدأ يرقص الباليه بحركاته المعروفة، حتى كانت ضحكات الطلبة تصل الى الطابق السفلي من بناية كلية الآداب. كان من حسن حظي ان استاذي الوردي درسني لمدة عامين ،وكانت هذه التجربة الثرية قد جعلتني اشعر بقدرات الرجل ومثابرته العلمية ،وشخصيته النادرة ،رغم انني كنت اميل الى محاضرات د. عبد الجليل الطاهر العميقة في رؤيتها ومنهجها وتنوعها الفكري ،وكان الطلبة بشكل عام يميلون الى محاضرات الوردي ويحرصون على حضورها ،لأنها كانت بسيطة وشعبوية وسلسة، بينما كنت اميل الى الطاهر، رغم انها كانت عميقة وجادة ،لكن هذا لا يعني بأن محاضرات الوردي لم تستهويني ،بل العكس كانت محطات متنوعة تمزج بين جدية العلم وتجارب المحاضر ،وبين بساطة وعذوبة المعلومات، وقربها من حاجاتنا كشباب ، أضافة الى ديناميكية اسلوب المحاضرة بين الجد والهزل والمشاكسات واثبات الوجود ! لكن الحقيقة المرة ان محاضرات الوردي لمدة عامين كانت مكررة برؤيتها وموضوعاتها المتعلقة ب (الازدواجية الشخصية العراقية) و(الصراع بين البداوة والحضارة) و(التناشز الاجتماعي) وبالذات شخصية (ملا عليوي)، حتى أصبحت نشيدا علميا لطلبة قسم الاجتماع في بداية السبعينات. لم تنقطع مشاكستي للوردي في قاعات الدرس، بل امتدت الى مكتبه في الكلية، وبيته الكائن في الكاظمية، وبدأ يثق بي كثيرا عندما عرف بأنني لست حزبيا آنذاك، وبدأ يسرد لي افكاره الصريحة، منتقدا الفكر البعثي والقومي والشيوعي وقال انهم جزء من امراض المجتمع ويمارسون ازدواجية رهيبة بين نظرياتهم وممارساتهم في ميدان الحياة والسياسة، بل فاجأني في احدى المرات بنصيحة مازالت في ذاكرتي (انت شاب نظيف ومثقف …ابعد عن هذه الاحزاب المريضة لأنها ستكون وبالا كبيرا على العراق)،ثم ذهب وجلب لي من مكتبته كتاب باللغة الإنكليزية ،وبدأ يسرد لي مضمونه، مركزا على فقرات بعينها التي تؤكد ان الغرب لا يجد املا في العرب لأن نوازعهم دينية وعشائرية ،ولابد من اخراجهم من خريطة العالم . وقتها لم اعر اهتماما للموضوع ،لكنه فاجأني بالقول: المجتمعات العربية ستمر بأتعس ايامها خلال المرحلة القادمة،وستكون الأحزاب العربية والأحزاب الدينية  وبالا على المجتمع لأن افكارها كاذبة ومتناقضة مع الواقع .انني أخاف ،والكلام له ،ان هذه المجتمعات ستعود الى الوراء مائة عام الى الوراء عكس التيار العقلاني في العالم. ومما قاله للتاريخ، ان الحزب الشيوعي كان له فرصة ان ينمو وتتسع قاعدته، لكنني لااجد املا لمستقبله، لأن قياداتهم (يتكلمون حلو، ويدغدغون قلوب الناس، لكن ممارساتهم غير شيوعية). وكان أكثر ما يثيره ويستفزه رجال الدين، وعاظ السلطة كما يطلق عليهم، فقد كان يطلق عليهم عبارة غريبة (هذوله حرامية الدين والدنيا).

افكار متدفقة

كانت جلساتي معه طويلة ،وافكاره متدفقة ، لكنه كان لديه فوبيا سياسية قوية تصل الى الشك والخوف ،وكان يطلب مني حد التوسل ان لا اكتب ما يدور بيننا ،ويقول لي (خليني ارجع الى بغداد بسلامات واخلص من مشاكل البعثيين) لقد عملت له أكثر من لقاء صحفي ،احدهم نشر في مجلة (الأحد البيروتية) والآخر في مجلة (العاملون في النفط)، وكان من فضائل (الأفندي) الذي يحب ان يطلق عليه كما قال لي ،انه لا يعير للنقد اهمية ،ولاينزعج منه ،ويحترم الرأي الآخر ،بل يكتفي بالقول ويكرره (أنه يشبه السمك مأكول ومذموم) .ولم تنقطع علاقتي معه ،حتى التقيته أكثر من مرة في بودابست عاصمة هنغاريا ،مكان دراستي ،ومرة واحدة في وراشو عاصمة بولونيا  في منتصف الثمانينات ،وهو آخر لقاء ،وآخر مشاكسة علمية مع الانسان والمعلم الذي حورب في حياته ،ومات مهموما ،ومنبوذا من السلطات السياسية والاحزاب، وشغل الناس والنخب بأفكاره المثيرة ،وفأسه  النقدي لتحطيم الطوطمية الوهمية، وافكاره الاستشرافية التي توقع فيها أن تكون (غنية) كاستعارة لأسم العراق مطمع الجميع، والكل يريد الزواج منها على فقه طوائفهم ،ليس حبا بها ،وانما طمعا بثرواتها وكنوزها ،وأن العراق سيمر في (مد وجزر)، وسيكون بلد العشائر والطوائف والقوميات بامتياز. كم كنت اتمنى ان يكون (الأفندي) المعلم شاهدا على شخصياته في مشهد العراق الحالي، ليرى (غنية) الجميلة والثرية كيف يتم تدميرها، وتسرق مجوهراتها وثرواتها من ابناء جلدتها، وكيف أصبح حال (ملا عليوي) العراقي المهموم بالحزن الابدي، مريضا بالطائفية والعــــشائرية، وبداء ارتفاع منسوب الازدواجية، وأمراض كوليسترول التلوين، والانتهازية والنفاق!

مشاركة