الواحد‭ ‬والصفر-د. نزار محمود

مما‭ ‬يثير‭ ‬الدهشة‭ ‬حقاً‭ ‬أننا‭ ‬نقف‭ ‬عاجزين‭ ‬أمام‭ ‬فهم‭ ‬سياسات‭ ‬الغرب،‭ ‬مثلاً،‭ ‬تجاه‭ ‬قضايانا‭ ‬العربية‭. ‬وليس‭ ‬هذا‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬نروح‭ ‬نستغيث‭ ‬بندب‭ ‬ونواح،‭ ‬أو‭ ‬صراخ‭ ‬وشتائم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬غير‭ ‬المذلة‭!‬

منذ‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬الاوروبية‭ ‬عشنا‭ ‬نحن‭ ‬العرب،‭ ‬المكلفون‭ ‬بحمل‭ ‬رسالة‭ ‬السماء‭ ‬وأصحاب‭ ‬الخلافتين‭ ‬الأموية‭ ‬والعباسية،‭ ‬حال‭ ‬خمول‭ ‬وكسل‭ ‬وتخلف‭. ‬لست‭ ‬ممن‭ ‬يلقي‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭ ‬التي‭ ‬جنحت‭ ‬الى‭ ‬تركيتها‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الاخيرة‭ ‬من‭ ‬حياتها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تبرير‭ ‬ساحة‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬التخلف‭ ‬والضعف‭.‬

انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الاولى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وانكشف‭ ‬عنا‭ ‬الستار‭ ‬وبتنا‭ ‬على‭ ‬حقيقتنا‭ ‬المتشتتة‭ ‬والضعيفة‭ ‬في‭ ‬علومها‭ ‬وفنونها‭ ‬وآدابها‭ ‬الحضارية‭ ‬المؤثرة‭. ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬واحدة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬وسائل‭ ‬انتاجنا‭ ‬منافسة،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يجنح‭ ‬ساستنا‭ ‬الا‭ ‬الى‭ ‬الجلوس‭ ‬في‭ ‬كراسي‭ ‬حكم‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬بردي‭ ‬الغازي‭ ‬والمحتل‭ ‬أو‭ ‬الوصي‭ ‬الأجنبي‭ ‬القوي‭ ‬المتقدم‭.‬

وحينها،‭ ‬وكما‭ ‬هي‭ ‬طبيعة‭ ‬وعادة‭ ‬البشر،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬قوى‭ ‬ودول‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬تقدمها‭ ‬حد‭ ‬الصراعات‭ ‬الدموية‭ ‬والتي‭ ‬انتهت‭ ‬الى‭ ‬قيام‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬وتلتها‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬والتي‭ ‬اسميها‭ ‬بالحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثالثة‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬اليوم‭ ‬حرباً‭ ‬عالمية‭ ‬مفتوحة‭ ‬بأشكال‭ ‬اخرى‭ ‬متقدمة‭.‬

واذا‭ ‬كانت‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬الاولى‭ ‬والثانية‭ ‬قد‭ ‬استمرت‭ ‬فيها‭ ‬الدول‭ ‬الغازية‭ ‬لمنطقتنا‭ ‬العربية‭ ‬والمحتلة‭ ‬لها‭ ‬والوصية‭ ‬المباشرة‭ ‬عليها،‭ ‬الا‭ ‬انها‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تكاليف‭ ‬باهضة‭ ‬فذهبت‭ ‬الى‭ ‬الاستعانة‭ ‬بطرق‭ ‬اخرى‭ ‬تحقق‭ ‬لها‭ ‬اهدافها‭ ‬بكلف‭ ‬اقل‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬طرقها‭ ‬الأولى‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬زرعته‭ ‬وشجعته‭ ‬القوى‭ ‬المتقدمة‭ ‬الكبرى‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬جمعنا‭ ‬ونهب‭ ‬ثرواتنا‭ ‬وتسفيه‭ ‬أحلامنا‭ ‬وتهميش‭ ‬ثقافتنا‭ ‬هو‭ ‬سياسة‭ ‬فرق‭ ‬تسد،‭ ‬التي‭ ‬عوضتها‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬والغزو‭ ‬والاحتلال‭ ‬وأوجاع‭ ‬رأس‭ ‬الوصاية‭ ‬والادارة‭ ‬المباشرة‭. ‬لقد‭ ‬درسوا‭ ‬جيداً‭ ‬ما‭ ‬يحتاجونه‭ ‬منا‭ ‬وفينا‭. ‬مصادر‭ ‬مواد‭ ‬اولية‭ ‬وطاقة‭ ‬وقوى‭ ‬عاملة‭ ‬رخيصة‭ ‬وأسواق‭ ‬مستهلكة‭ ‬ومواقع‭ ‬ومياه‭.‬

بدأوا‭ ‬بترويج‭ ‬سياسات‭ ‬التنوع‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬فعلها‭ ‬التفتيتي‭ ‬بالعلاقة‭ ‬مع‭ ‬اوضاعنا‭ ‬الثقافية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والعرقية‭ ‬والدينية‭ ‬والمذهبية‭ ‬وطبائعنا‭ ‬البدوية‭ ‬وميلنا‭ ‬الى‭ ‬السلطة‭ ‬والرئاسة،‭ ‬فكانت‭ ‬فينا‭ ‬جميع‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬اقصى‭ ‬اليمين‭ ‬الى‭ ‬اقصى‭ ‬اليسار،‭ ‬وبأساليب‭ ‬العصبية‭ ‬القبلية‭ ‬العمياء‭.‬

وهكذا‭ ‬تركونا‭ ‬نتصارع‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬ونتسابق‭ ‬الى‭ ‬الخيانة‭! ‬ولم‭ ‬يكتفو‭ ‬بذلك‭ ‬فقد‭ ‬زرعوا‭ ‬لهم‭ ‬معسكراً‭ ‬محارباً‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬اوطاننا،‭ ‬وغضوا‭ ‬البصر‭ ‬عن‭ ‬الذئاب‭ ‬الاقليمية،‭ ‬وكل‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬نسق‭ ‬موحد‭.‬

اسرائيل‭ ‬واحدة‭ ‬تدعمها‭ ‬دول‭ ‬النيتو،‭ ‬والفلسطينيون‭ ‬فصائل‭ ‬متناحرة،‭ ‬والعرب‭ ‬أمة‭ ‬وهم‭!!‬

لم‭ ‬يسمحوا‭ ‬لنا‭ ‬ببناء،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬وشجعونا‭ ‬على‭ ‬التدمير،‭ ‬وهكذا‭ ‬بتنا‭ ‬تلعن‭ ‬كل‭ ‬أمة‭ ‬ما‭ ‬سبقتها‭ ‬وما‭ ‬عاشرتها‭ ‬من‭ ‬أمم‭! ‬وحين‭ ‬أحسوا‭ ‬بولادة‭ ‬كبش‭ ‬يريد‭ ‬ترؤس‭ ‬أغنام‭ ‬له،‭ ‬سارعوا‭ ‬الى‭ ‬تربية‭ ‬كبش‭ ‬مقابل،‭ ‬وزرعوا‭ ‬الشقاق‭ ‬بينهما‭ ‬ارتكازاً‭ ‬على‭ ‬ميل‭ ‬كل‭ ‬كبش‭ ‬الى‭ ‬حمل‭ ‬الجرص‭ ‬حول‭ ‬عنقه‭! ‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬يدور‭ ‬واعلامنا‭ ‬غاط‭ ‬في‭ ‬جهل‭ ‬أو‭ ‬كسب‭ ‬عيش‭ ‬او‭ ‬ارتزاق‭ ‬أو‭ ‬عمالة‭ ‬مكشوفة‭.‬

حتى‭ ‬العلماء‭ ‬فينا‭ ‬ملوا‭ ‬الصعاب،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬انزوى‭ ‬وضاع‭ ‬بين‭ ‬رفوف‭ ‬الكتب،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬انتهى‭ ‬الى‭ ‬وسادة‭ ‬اجنبية‭ ‬مريحة‭.‬

نعم،‭ ‬لقد‭ ‬نجحوا‭ ‬في‭ ‬معادلتهم‭ ‬السياسية‭ ‬تجاهنا‭:‬

واحد‭ ‬ناقص‭ ‬واحد‭ ‬يساوي‭ ‬صفر‭.‬

وها‭ ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬قيمة‭ ‬الصفر‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬والجبر‭!!‬

برلين،‭ ‬13‭.‬11‭.‬2925