الهويات والاندماج- د نزار محمود

د. نزار محمود

كنا في المعهد الثقافي العربي في برلين، ومنذ تأسيسه قبل ما يزيد عن عشرين عاماً، نعمل على التوفيق بين متطلبات الاندماج، من جهة، وأماني الحفاظ على الهوية، من جهة ثانية. وكنا من أجل ذلك قد رفعنا واهتدينا في عملنا بشعار: الاندماج الايجابي المحافظ على الهوية، والهوية الحضارية القابلة للاندماج.

لكن الأمر لم يكن لينتهي عند نظرية الشعار، بل تطلب منا، ولا يزال، تفسيرات وتطبيقات عملية من أجل تحقيق أهداف ذلك الشعار.

وفي ذلك كان علينا مواجهة الصعوبات التالية:

١- وجهات النظر والمواقف المختلفة سواء بين صفوف الجالية العربية أو بين الألمان، بالنسبة لمفاهيم الاندماج والهوية في بعديها الفكري والسياسي.

٢- توفر اشتراطات ذلك الاندماج من ناحية، والامكانات الواقعية للحفاظ على الهوية.

٣- فقدان الثقة بين الالمان من ناحية، وبين المنحدرين من أصول أجنبية، ومنهم نحن الجالية العربية، من ناحية أخرى.

٤- الاختلاف والخلاف والتناحر بين صفوف ابناء الجالية العربية لأسباب سياسية وعقائدية وثقافية واجتماعية واقتصادية، اضافة إلى قضية الأجيال المتعددة.

٥- التعامل السطحي والغوغائي، غالباً، مع اشكالية الاندماج والهوية من قبلنا، من ناحية، والعنصري والفوقي من قبل بعض الجهات الالمانية، أحياناً، من ناحية أخرى.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى جانب آخر في اشكالية: الاندماج والهوية:

يجهل أو يغفل البعض في أن للاندماج والهوية وجوهاً مختلفة: سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية، وبالتالي علينا أن نتذكر الاندماج في مجاله السياسي واهدافه المنطقية والواقعية في اطار خصوصياتنا، وفي مجاله الثقافي بكل ما يعنيه من عادات وقيم وأنماط عيش وسلوك وتصرف ومعارف، وفي مجاله الاقتصادي في قدراته واشتراطاته المطلوبة من استعداد وقدرات للعمل، وأخيراً في مجاله الاجتماعي في قيمه واخلاقياته وعلاقاته.

إننا مدعوون، كجالية عربية، أن نمتلك الوعي في تعاملنا مع الانتخابات الالمانية التي تتنافس فيها مجموعة من الأحزاب والكتل ببرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكي نتعامل أو نعمل معها بما يحقق لنا حفظ حقوقنا ويساهم في تحقيق أحلامنا كمواطنين لهم خصوصياتهم وظروفهم وارتباطاتهم الوجدانية والإنسانية مع أوطانهم، التي تركوها، في الغالب، كرهاً.

كما يجب علينا في ذات الوقت استحضار خلق الوفاء الذي عرفنا به نحن العرب والمسلمون، على وجه الخصوص، في من مد لنا يد العون التي نحسبها نظيفة النوايا، إن شاء الله، مقدرين ظروف البلد والتزاماته وحريات قراراته.

برلين