الهوس بالماضي – مقالات – جليل وادي

451

jalil wadi

الهوس بالماضي – مقالات – جليل وادي

عندما تتحول الاحقاد الى عقائد ، فإنها تُفشل التجارب السياسية مهما كانت عتيدة ، بدلالة سقوط الانظمة الشمولية نفسها مع انها تدججت بأعتى الاسلحة والذخيرة . الحكمة تستدعي ان نتخلص من احقاد الماضي واكراهاته بأسرع وقت ، لأن من شأن امتدادها لمدة طويلة انتاج اكراهات جديدة تقف حائلا امام تطلعاتنا بالارتقاء وبناء الدولة التي نريدها مماثلة لما بلغته الدول من حولنا ، ولايعني الاسراع في الخلاص من اكراهات الماضي ، القفز عليها ، او العفو عن المجرمين ،او اغفال حقوق الضحايا ، بل كيف نكون موضوعيين في التمييز بين المجرمين والابرياء ، وكيف ننصف الضحايا بالشكل الذي يستحقون وغيرها من الاجراءات العملية التي من شأنها تطهير قلوب المتضررين من الضغائن .

وما العثرات التي صادفت العملية السياسية في بلادنا ، الا نتيجة طبيعية لفشلنا في التعامل مع اكراهات الماضي ، وفي وقت كان يجب فيه ان يدرك المتصدون للعملية السياسية التداعيات المريرة التي يمكن ان تخلفها هذه الاكراهات في حال اهمالها ، نراهم عملوا على توظيفها وبطاقاتها القصوى في صراعهم الدائر على السلطة ، بل سعوا بجهد غريب على غرسها في الدستور ووضعها تحت النظر ، ينفخون في رمادها كلما خفت اوارها .

ومع ان بعضا من الناس أبدت تسامحا ومرونة وكشفت عن وعي صقلته تجربتها الماضية في النظر لتلك الاكراهات ، لكن مثل هذا الوعي لم يتبلور عند الكثير من السياسيين الذين وجدوا في التسامح خسارة وفي العفو ضعفا وفي قبول الاخر اهدارا للفرص ، بل اخذوا يثقفون الناس ضد ابناء وطنهم وكأنهم قادرون على الاستحواذ على الوطن ورمي الاخرين خلف الحدود ، حتى صار للعملية السياسية ماضيا ممتلئا بالاحقاد والضغائن تجلت في تصدع النسيج الاجتماعي للعراقيين الذين تقتضي الخطوب التي يتعرضون لها ان يكون لهم خندقا واحدا .

وكانت اصوات قد تعالت منذ وضعت العملية السياسية خطواتها الاولى بأن الانتقام لا يبني البلدان ، وان من لم تتطهر قلوبهم من الضغائن لايمكن لهم صياغة دستور متين يلم العراقيين ولا يشتتهم ، ويتيح الفرص للاكفاء ويمنع قصار النظر من تسلق دوائر صنع القرار ، ويفتح نوافذ مشرعة نحو المستقبل . لكن تلك الاصوات لم تجد لها اذنا صاغية ، فصرنا نهبا لعوادي الزمن .

واليوم ونحن نفكر بتعديل الدستور بعد ان فشلنا طوال أكثر من عقد في تعديله بالرغم من حجم الويلات التي مررنا بها بسببه ، وكأن وعينا يتشكل بالتجربة ، فبعد ان اكتوينا بنار الطائفية صرنا ننبذ الطائفية ، في حين شكلنا لها مجالس وبيوت في وقت مضى ، علينا ان ندرك تمام الادراك ان دستورا يصوغه سياسيون لوحدهم لن يكون باحسن من الدستور القائم البتة ، لانهم ذاقوا حلاوة السلطة والمناصب ، وسيصاغ بالشكل الذي يؤمن بقائهم ويضمن مصالحهم بصرف النظر عن حاضر الشعب ومستقبله ، ذلك ان مستقبلهم مرهون بمدى قدرتهم على تغذية الكراهية ، ومثل هؤلاء الناس لا يصلحون لمثل هذه المهمة النبيلة ، لذا يراد لتعديل الدستور لجنة مستنيرة وموضوعية وخبيرة من المشهود لهم بالكفاءة والدراية وليس عيبا ان نستعين بالخبرات العربية والدولية بهذا الشأن .

ومع كل الذي جرى نجد ان التفكير بتعديل الدستور خطوة سليمة طال انتظارها ويراد التعجيل بها ، واختيار رجالها الذين يشغلهم المستقبل اكثر من الهوس بالماضي .

مشاركة