الهمّ الإجتماعي رديف للشكل الواقعي

 

 

خبز محلى بالسكّر

 الهمّ الإجتماعي رديف للشكل الواقعي

حنون مجيد

 تعود بنا قصص “خبز محلّى بالسكّر” للقاص حسن سليفاني إلى المرادفة التأريخية بين السرد الواقعي والهم الاجتماعي، في مسيرة محافظة على تأريخها الذي لا يخلو من جمال، وقلما انحرفت عنه نحو طرائق سردية أخرى.

فابتداء من قصته الأولى “بلون البحر ستكون” حتى أقصوصته الأخيرة ” القبض على حلم آذاري” لا يكاد الفن الواقعي يخلي ساحته لغيره إلا فيما ندر، لما لهذه القصص من موضوعات موجعه يتغالب فيها الفن مع المباشرة في عرض الموضوع.

تأخذ هذه القصص أشكالاً سردية متباينة بين القصة القصيرة والأقصوصة والقصة القصيرة جداً، كما في، وعلى التوالي، ” رحيل شامخ ” ص119 و “غداً يبتسم الربيع” ص 113 و ” هي والقلب” ص 144 وغيرها، وجلها ، أي المجموعة، يقف على حقيقة ما تعرض له الشعب الكوردي من أشكال الاضطهاد والعنف والتنكيل والإبادة، كانت تُقاوم ببطولة عالية وافتداء شهم وشجاع كما في ملحمته القصيرة ” من دفتر الانتفاضة …شهادة أدبية حية عن بسالة الكورد في مضيق زاخو 31- 3- 1991″ التي أخذت أكثر من ثلاثين صفحة، أو قصته ذات الطابع البطولي ” رحيل شامخ ” ص 19.

ويمكن القول أن القاص سليفاني أوكل لنفسه، وعلى مدى تجربته القصصية والروائية غير القصيرة، عرض قضيته القومية بل تعداها إلى هموم جماعات عرقية أخرٍ، كما جاء في قصته ” أجل يا أجان شهدت القيامة” ص 14التي أهداها إلى ” الناجية الايزيدية زينة إسماعيل خديدا” من السبي الداعشي، وكان فيها متعاطفاً مع المرأة الايزيدية وقومها، ومتماهياً مع قضيتها التي لا تختلف عن قضيته.

طبيعة جميلة

تجسد هذه القصة ضمن ما تجسده، الفارق مقارنة بين الطبيعة الشمالية الجميلة وطقوس القرويين فيها ” أجان، خضراء كالزيتون كانت حياتنا، وأغاني الصبايا في الصباح كم كانت تمنح الأجواء عبقاً ودفقاً وألقاً، يا للسعادة وأنا أقبلك وأضمك إليا (……) أتعلم يا أجان كم عطر الأرض عذب ومصدر فرح يسافر في خلايا الجسم خلسة. يا ليالي  كوجو بنجومها الجوالة ونحن نرقد على سطوح بيوتنا البسيطة (…..) أتعلم يا أجان أن النجوم كانت أيضاً تغني لنا على أنغام الطنيور الشنكالي كل ليلة قبل أن ننام، وديكة القرية وعصافيرها الهائجة بزقزقاتها كانت تتكفل بإيقاظنا قبل أن تتسلق الشمس صفحات السماء، ( ……) كنا سعداء ملوك أنفسنا. ص15-16  وبين الصورة التي غدا عليها الناس بعد أن أغارت فلول داعش على قريتهم الآمنة واستباحت كل شيء فيها؛ ” تعالت الأصوات والصرخات من كل صوب، وعلا التراب والرمل وهالات الغمام الكابي الرهيب، وتوافدت الوجوه الكالحة الغامقة الغريبة بملابسها القادمة من قرون غابرة. (……) حلال عليكم نساؤهم، هن سبايا دولة الإسلام” ص17? ليكون الفارق مزرياً ومأساوياً ودموياً.

 يقدم القاص غالب قصصه بلغة شعرية ما تلبث أن تجفّ حين تغوص في الدم المسفوح،  والجسد المستباح، لتظل الحقيقة المجردة، شاهدة الساحة والقضية وحدها، بعيداً عما يتطلبه الفن في كثير من الأحيان..

ومثلما اختلفت اتجاهات هذه القصص، وتعددت ضمائر السرد فيها للتخفف من ثقل الضمير الواحد، تفاوتت مستويات فنها، وربما ما يشفع لها أنها كتبت في تواريخ تفصل بينها أعوام طويلة، فبين قصة كتبت عام 1983 وأخرى كتبت عام 2019 فاصل زمني طويل، تطور فيه فن القصة والرواية، وتعرض فيها الفن القديم إلى عملية نسخ جعلتنا نقف على أعمال عظيمة سابقة، وكأننا نقف على أطلال زمن قديم، بالرغم مما في هذا من جحود إزاء فن شامخ كنا نقف أمامه مبهورين، وربما ما نزال!

وإن كانت هذه القصص تباينت في أزمان كتابتها، وكذلك في أجناسها، والقيم الفنية التي جاءت عليها، فلقد اتسمت بإنسانيتها وبراءتها وبساطتها وبطولتها كذلك، كانت تأخذ بمتلقيها إلى حيوية الطبيعة البشرية الكوردية وإنسانيتها الصافية مع ما تعرضت له من قهر واستلاب  و تلويث.

ففي قصته ” خبز محلّى بالسكر” التي حملت عنوان المجموعة، يتصدى سليفاني إلى الموضوع الإنساني محمولاً على سرد واقعي في توأمة وثيقة بين شكل القصة ومحتواها، مع الاعتراف بأنهما في كل الأحوال “وجهان لعملة واحدة”.

فمن أجل تحقيق رغبة طفلتها الصغيرة ذات الأربـــــع ســــنوات “حــــه لو” التي جعلت تنادي؛ ” أنا جائعة يا أماه..أريد خبزاً محلّى بالسكر” ص29  تتبرع الأم بتحقيق ذلك برغم ممانعة الزوج وناس آخرين، من الخروج من الكهف الذي لجأوا إليه أخيراً بعد أن قصفت بيوت القــرية طائرات معادية وحولتها إلى ركام.

كان الجميع يعرف أن مغادرة الكهف، المخبأ إنما هي مغامرة تتحدى قانون الحرب، فما تزال الطائرات المعادية تترصد حياة الناجين، إلا الأم التي استبسلت وأعلنت عن عزمها تحت نداء أمومي لا يعرف شيئاً اسمه قانون الحرب، فقبل يومين أو ثلاثة كانت “حه لو” تأكل خبزاً محلى بالسكر وستأكل اليوم! ثم أن الركــــــون إلى الكهــف من دون فعل يتصدى للعدو والعودة إلى حياة القرية ثانية ذل مستديم ” لا تخف يا صوفي عليّ، لا تخف لن تموت، ما دمتم هكذا سيبقى حالنا على هذه الشاكلة.. أما تكفي حياة الذل هذه”؟ ص31

تأخذ الأم سبيلها إلى بيتها تتوسل من خلال خرابه منفذاً حيث مكان الدقيق والسكر فتغرف منهما قدراً تعود به إلى طفلتها لتشرح صدرها، غير أنّ الطيار الذي كان يفكر في أن مهمته لم تنفد أو لم تنفّذ كلية بعد، يطالع من موقعه في السماء مواقع الأرض فينقض على الشبح الكامن خلف بعض الصخور.

في نهاية هذه القصة الدامية التي هي من أكثر القصص تماسكاً، تستيقـــــــــظ “حه لو” من نومها سعيدة غير مهمومة بشيء، فها هي تستعيد حلمها الجميل، وقد دعت فيه صديقتها ” جنو” إلى مشاركتها في خبزها المحلّى بالسكر الذي ستعود به أمها. ” الآن ستأتي أمي وستجلب لي خبزاً محلّى بالسكر، سأقسمه إلى نصفين، نصف لي ولك النصف الآخر، أتقبلين”؟ ص35

وهكذا تتناقض أحلام الصغار المغموسة بالسكر، على وقائع ” الكبار” المغموسة بالدم.

طابع قصصي

وتنفرد قصة ” ساعة في حضرة طبيب السعادة” عن الطابع القصصي السائد في هذه المجموعة باتخاذها الطابع الرمزي مع مسحة نفسية، إذ تشير هذه القصة إلى رجل يدخل عيادة طبيب نفسي يعلق على واجهة عيادته ” قطعة بلاستيكية مضاءة بلون أبيض”  تقول ” يا للسعادة.. ادخل ودع القلق .. سأمنحك السعادة” ص37? وبعد تداعيات نفسية داخلية تنشا لدى الرجل وهو في غرفة الطبيب، يبدأ الحوار بين الرجلين يستغرق أكثر من ثلاث صفحات، يتم  بعدها عرض المريض أزمته النفسية في ما ينتابه من علة “الشك في صحة الأشياء” ص43 وما يحيط به من واقع اجتماعي مأزوم هو الآخر بتخلفه عن وقائع مجاورة أخرى يتمتع ناسها برغد العيش وجمال الحياة؛ ” هل تعلم أيها الطبيب أن حينا يفيض إذا استمر هطول المطر ثلاث ساعات متتالية، وأن أطفال حينا يجدون متعة في السباحة في المياه التي تملأ كل أزقة الحي، مثل متعة أطفال الأحياء الراقية بمسابحهم الكونكريتية المزدانة بالأضواء الباهرة، والمحاطة بأنواع الزهور والرياحين”ص44 ما يشير إلى أن أزمة البطل هي في الأساس أزمة اجتماعية، ذات امتدادات أفقية وعمودية على نفس الفرد والجماعة معاً.

 يستعرض البطل في هذه القصة حياته الشخصية على وفق ما يدعى بالتداعي الحر، ليفصح عن أحلام غريبة يطارد فيها الحوت الذي أكل القمر حتى ينتزعه منه ويعيده إلى موقعه، ثم إذ يطوق بالذئاب ينهض لنجدته أبطال الكورد “خاني ذو الكف الذهبية” الذي يناديه ” لا تتراجع يا كردو سأساعدك” و “ميرزا محمد” الذي يهب لنجدته بحصانه الأشهب، ويرفعه عن الأرض ليعود به إلى داره ص 47 وكل هذا في حلم سابق يقصه على الطبيب الذي يمكث صامتاً ملتقطاً لا ريب مفاتيح مشكلة مريضه، حتى يصله نداء عائلي يغلق بموجبه عيادته ويقطع شوطه مع مريضه الذي اتهم بالجنون.

إنّ أيّ مقاربة نقدية كالتي قدمت بها هذه القصص، لا تستوفي شرطها إلا بالتوسع في التصدي لها، فقد حملت إلينا أشياء كثيرة أهمها البساطة في اللغة، والوضوح في الخطاب.

مشاركة