الهروب إلى الأخلاق

409

الهروب إلى الأخلاق
حسن حنفي
يمتلئ الخطاب الديني الإعلامي بالحديث السهل الذي لا يكلف شيئا، لا علما ولا جهدا ولا شهادة. وهو الخطاب الذي يهرب إلى الأخلاق ويدعو الناس إليها. هو خطاب مطلق. يختار أي موضوع، فضيلة من الفضائل، الصدق، الأمانة، الوفاء التي يمكن أن يكون لها أثر نافع في الحياة اليومية. ويختار الصبر والتوكل والرضا مما قد يكون له أثر سلبي فيما يتعلق بتأجيل الحراك الاجتماعي مع أن عدم الصبر أيضا فضيلة فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ، والتوكل لا يكون دون الفعل إعقلها وتوكل . وفي القرآن الله يرضىَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى. وَلَسَوْفَ يَرْضَى ولا يرضىَ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ . يتحدث في لا زمان ولا مكان. ولا يتعلق بمجتمع أو بحالة. خطاب يحمل الناس في الهواء، ويضعهم فوق السحاب وفي السماء بلا أرض وبلا مشاكل وبلا حياة يومية. والناس تعيش على الأرض وليس في السماء، في زحام وصراع يومي من أجل الحصول على عمل وتوفير الرزق له ولأسرته. هو حديث مجاني لا يكلف شيئا لا عند القائل ولا عند السامع. يخلو من النقد والتبصرة والتوعية. ويخلو من التعليل واكتشاف الأسباب، وربط الأسباب بالمسببات كما هو الحال في علم أصول الفقه. خطاب يغرق فيما ينبغي أن يكون، ولا يحلل ما هو كائن. وخطب الجمعة في معظمها من هذا النوع. خطب المساجد أحاديث للوعظ والإرشاد. يستمع إليها الناس وهم يفكرون في همومهم اليومية. وهو خطاب إعلامي. يقال في كل المناسبات. خطاب محفوظ، أشبه بالخطاب المسجل الذي يدار حين الحاجة لملء الفراغ. يسهل التكسب به. لا يضر الحاكم. ولا يفيد المحكوم. ويعطي قائله أعلى المناصب، وأرفع الدرجات. ويقال في المعازي، والناس تفضل سماع القرآن على سماعه. على الأقل في القرآن حلو الكلام وعذب الصوت وعمق المعنى وصدق القول على عكس هذا الخطاب الثرثار الصاخب السطحي الكاذب الذي لا يقول شيئا. صاحبه نفسه لا يؤمن به. إنما هي بضاعة وتجارة. لا يمارسه، إنما يبيعه للناس. وهو يعلم أنه لا يفيد، بل ربما يضر. ويجعل الناس يزدادون كرها لرجال الدين وأحيانا للدين ذاته عندما يوحدون بين الدين ورجاله. والدين ليس له رجال. الدين في القلوب وليس على الألسنة، وفي الأفعال وليس في الأقوال. في البدء بالنفس قبل وعظ الآخرين أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ . وإذا قام مشايخ العامة بذلك فربما لا حرج. فإنهم لا يستطيعون إلا ذلك. هذا مستوى تعليمهم وثقافتهم ودرجة علمهم. أما إذا قام بذلك كبار المشايخ من مجامع البحوث أو من الجامعات الدينية التي فاقت شهرتها الجامعات الوطنية أو ممن يتربعون على كبرى المؤسسات الدينية في الإمامة والبحث والإفتاء، ولديهم من العلم الكثير بحكم مناصبهم، ولديهم من الشجاعة أكثر بحكم مكانتهم أو من رؤساء الجماعات والأحزاب الدينية فهو ما يدعو للعجب. فهم لا يحتاجون إلى مناصب أرفع يتقلدونها. ولا يخشون اضطهاد رؤسائهم لأنهم هم الرؤساء ولا رؤساء فوقهم. هم قادرون على القول الصريح، ما في القلب على اللسان. بل هم قادرون على الفعل. تحرسهم مناصبهم الرفيعة. وكثيرا ما خاف السلاطين من الفقهاء الأحرار بعد أن يفتي لهم فقهاء السلطان بسجنهم أو تعذيبهم أو عزلهم من مناصبهم مثل ابن حنبل، وابن حزم، وابن تيمية، والعز بن عبد السلام وسيد قطب. إن الهروب إلى الأخلاق يساهم في تغييب الوعي وتعمية الذهن ولا يساعد على تزكية الوعي. وهو هدف الخطاب الديني. بل إنه يدفع الشباب إلى ترك الدين كلية والذهاب إلى الأيديولوجيات السياسية الليبرالية أو القومية أو الاشتراكية أو الماركسية الأكثر نفعا، والأشد وضوحا، والأكثر اقترابا من الواقع ولمسا لمشاكل الحياة اليومية. إذ تعالج الليبرالية أزمة الحريات، والقومية أزمة التجزئة وتفتيت الأوطان كما حدث في العراق والصومال والسودان واليمن، وما قد يحدث في الخليج وفي المغرب العربي بل وفي مصر. والاشتراكية قد تساعد على حل مشكلة الفقر، والتفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، بين التجمع الخامس والعشوائيات. وقد تساعد الماركسية على نصرة طبقة العمال والفلاحين، ورفع مستوى دخولهم بدلا من الإضرابات الفئوية الحادثة كل يوم. إن الدعوة إلى الأخلاق المثالية والتبشير بعالم ما ينبغي أن يكون يعطي المستمعين أو القارئين نوعا من الهدوء الزائف، والطمأنينة الخادعة. ولا فرق بين الاغتراب في سماع الأخلاق المثالية والاغتراب في التبشير بالمستقبل الموعود في الجنة التي تبدأ الأناجيل بالطوباويات. وهو ما تفعله الصوفية التي تترك الحياة الدنيا بمشاكلها وأزماتها واحتياجاتها وتهرب إلى عالم روحي، عالم الصفاء والرضا والتوكل والمحبة. فقد نشأ التصوف على هذا النحو. عندما انسدت طرق التغير الاجتماعي. واستشهد أئمة آل البيت. ورفض الأتقياء عصا معاوية وجزرته. ولم يشاءوا الانغماس في الحياة الدنيا. فلم يبق لهم إلا طريق الأخلاق القويمة، والفضائل السامية. فإن لم يستطيعوا إنقاذ العالم فعلى الأقل لا يخسرون النفس بناء على قول المسيح ماذا تكسب لو كسبت العالم وخسرت نفسك؟ . ويقوي الخيال هذه النزعة، الخيال الأدبي والروحي. فتنطلق الأشعار. وتوصف العوالم الروحية وكأنها مرئية رؤى العين. وتتحول الأزمة الاجتماعية إلى إبداع فني. ويصبح الفن والشعر تعويضا عن أزمة الواقع. والهروب إلى الأخلاق هو هروب إلى أعلى، تحليق في السماء، تعويض عن بؤس الأرض وشقاء الإنسان مثل الهروب إلى الغيبيات والحديث عن عالم الملائكة والإسراء والمعراج وليلة القدر والليالي المفترجة والعشر الأواخر من رمضان. وهو مثل الهروب إلى التاريخ، والحديث عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومدح أخلاق الصحابة، وعدل الخلفاء، ومآثر هذا الصحابي أو ذاك. فإذا كان هؤلاء هم الأجداد، فما المانع أن يلحق الأبناء بهم؟ سيرة عطرة في الماضي، ما المانع أن يستمر ريحها حتى اليوم؟ هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ألم يقل الرسول خير القرون قرني ؟ وقد قال أيضا الخلافة من بعدي ثلاثون سنة تتحول بعدها إلى ملك عضود . وهو نفس الهروب إلى المستقبل آخر الزمان عندما يسود الخير على الشر ويقتل المسيح المسيح الدجال، ويظهر المهدي المنتظر، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وقد يكون المستقبل بعد الموت بعد الحساب والثواب، والحوض والميزان والصراط والشفاعة ونعيم الجنة إلى أبد الآبدين بما فيها من حور عين وأنهار من عسل مصفى، وخمرة لذة للشاربين، وولدان مخلدون. فيعوض شقاء الأرض بنعيم السماء. ويساهم الداعية في التخدير والتسكين مما دفع الماركسيين إلى القول الدين أفيون الشعب . وقد حذر الرسول من قبل من إماتة الدين بتحويله إلى مجرد عبادة وتصوف يا أخ لا تمت علينا ديننا . والأخلاق نوع من العبادة المهذبة والتصوف الأخلاقي وهو في مراحله الأولى قبل أن يتحول إلى تصوف نفسي وفلسفي. ولا رهبانية في الإسلام. والرهبانية ليست في المسيحية أيضا. إنما هي ابتداع من الآباء هربا من الاضطهاد الروماني. وعندما تأتي الثورة في الحياة اليومية وليس فقط في النظم السياسية تنتهي الدعوة إلى الأخلاق المثالية من أجل التوجه إلى حياة الناس ومشاكلهم الحياة، والبطالة، والتشرد، والمرض، والأمية. وتتحول القنوات الفضائية التي أفسحت صدرها لهذه الدعوات الأخلاقية الروحية العامة إلى قنوات نقد اجتماعي. والقرآن في قصص الأنبياء مملوء بالنقد الاجتماعي وإلا فلما ظهر الأنبياء كمصلحين كبار، ووقفوا ضد هذه الرذائل الاجتماعية؟ الخطاب الديني هو خطاب في النقد الاجتماعي من أجل نقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى. هو خطاب إصلاحي وليس مجرد صراخ في الهواء لملء الفراغ الإعلامي.
مفكر مصري
/6/2012 Issue 4226 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4226 التاريخ 14»6»2012
AZP07