الهجرة الجماعية .. بين الضرورة والتخطيط – مقالات – فــــلاح شـــديد
الهجرة في اللغة :
الهجرة في اللغة تعني الانتقال من مكان إلى آخر بشكل منفرد أو على شكل جماعات ، ويختلف مفهوم الهجرة عن السفر في أن ليس للسفر دوافع قهرية تجبر الفرد أو الجماعة على ترك أوطانهم كما هو الحال في الهجرة التي غالبا” ما تكون دوافعها قهرية إجبارية لصعوبة أمكانية بقاء الفرد في محل سكنه وصعوبة تعايشه مع الواقع المعاش فيه مما يدفعه قسرا” للبحث عن موطن آخر بديل .
أسباب الهجرة :
للهجرة عدة أسباب يمكن أجمالها تحت عنوانين رئيسيين هما .
1 – أسباب اقتصادية .
2 – أسباب عقائدية ( فكرية) .
ويدخل في باب الأسباب الاقتصادية كل ما يتعلق بحياة الفرد من قلة فرص العمل أو تدني المستوى ألمعاشي إلى الحد الذي لايسد متطلبات الحياة، وهذه الظاهرة كانت موجودة منذ القدم ومنها هجرة القبائل العربية في اليمن أيام الدولة الحميرية بعد انهيار سد مأرب الذي دمر الأراضي الزراعية مما حدا بالقبائل هناك إلى الهجرة باتجاه الشمال قاصدة بلاد الشام .. وعلى مر العصور كانت الأسباب الاقتصادية تعتبر من أشد الأسباب إلحاحا” على الأفراد والجماعات لترك موطنهم الأصلي باحثين عن أماكن بديله لتحسين أحوالهم المعاشية .
أما الأسباب العقائدية فيدخل فيها كل ما يتعلق بالعقائد سواء منها الدينية أو الفكرية والثقافية وحتى النفسية منها بل وحتى الأسباب السياسية حيث يدخل هنا التوافق الفكري والثقافي والعقائدي للفرد أو الجماعة مع نظام الحكم القائم ويكون هذا التوافق هو الفيصل في استقرار الفرد أو الجماعة والانسجام مع المجتمع القائم في منطقة ما وبخلافه ستكون هناك مضايقات سياسية تقوم بها أجهزة الدولة لمن يخالف توجهاتها فينتج عن ذلك هجرة سياسية ، وهنا نستذكر الهجرات الإسلامية الأولى كمثال على ذلك بدءا” بهجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة هربا”من بطش قريش ومن بعدها هجرة الرسول الأعظم (ص ) من مكة إلى المدينة .
الهجرة التلقائية والهجــرة المنظمة :
يقصد بالهجرة التلقائية تلك التي تكون ناتجة من تفكير الفرد ذاته وبمحض أرادته دون أن تكون هناك تأثيرات خارجية عليه .
أما الهجرة المنظمة فيقصد بها تلك التي تكون أسبابها قد خطط لها مسبقا” من قبل جهات تبغي من ورائها أهدافا” وغايات خفية تكون غير معلومة للأفراد المهاجرين وهذا النوع من الهجرة تختفي وراءها غايات متعددة ويعمل على تهيئة كل المستلزمات والدوافع الكفيلة بإنجاحها ومنذ وقت مبكر لتهيئة الأفراد وجعلهم يفكرون بالهجرة من بلدانهم إلى تلك البلدان التي تتم تهيئة عوامل الاستقطاب فيها .
الهجرة الشرعية والهجرة غير الشرعية :
يقصد بالهجرة الشرعية تلك الهجرة التي تتم عبر الوسائل والطرق الرسمية وبالمستمسكات والضوابط الأصولية والرسمية . أما الهجرة غير الشرعية فهي تلك الهجرة التي تتم عبر الوسائل والطرق غير الرسمية والتي غالبا” ما تتم بواسطة المهربين وبغير الطرق الرسمية وبلا وثائق أو أية إجراءات رسمية وتتم خلسة عن طريق تجاوز حدود الدول ، وهي بذلك تعد جريمة يحاسب عليها القانون كدخول غير مشروع وحسب قوانين كل بلد وأقل ما في تلك العقوبات هي أجبار الفرد الداخل بشكل غير مشروع العودة إلى بلده أو إلى الجهة التي قدم منها .
هجرة الشباب العربي إلى دول الغرب :
من كل ما تقدم نحاول الولوج إلى صلب موضوعنا المهم والمتمثل بهذه الهجرة الجماعية للشباب العربي والتي تشهدها عدد من الدول العربية ومن أبرزها ليبيا وسوريا والعراق والتي زادت وتيرتها هذه الأيام بشكل غير مسبوق ، لنستبين الدوافع والأسباب التي تقف وراءها … وهل هي هجرة تلقائية أم هي هجرة مخطط لها ، وما الغاية منها ، ولنكون على بينة مما يحصل ويدور من حولنا وما يراد لشعوب هذه الدول ؟ ولماذا كانت الهجرة منها بهذا الحجم وفي هذا التوقيت ؟
هنا نقول أنه ليس عبثا” أن تكون مثل هذه الظاهرة لهجرة أعداد هائلة من الشباب العربي دون أن تكون هناك دوافع وغايات تقف وراءها ولابد من دراستها دراسة مستفيضة وموضوعية معمقة للوقوف على حقائق الأشياء ، حيث أن ما حصل في عدد من الدول العربية التي اجتاحتها ظاهرة الهجرة من تدخلات أجنبية أدت إلى انهيار تام في النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الفكرية كانت أسبابا” كافية لأن يعيش الفرد العربي في هذه البلدان ضياعا” تاما” وعلى كل الأصعدة ، فانهيار الاقتصاد وانهيار الأمن والاقتتال الطائفي والعرقي كل ذلك دفع بالفرد العربي في هذه البلدان للتفكير في البحث عن بدائل لتلبية متطلبات حياته المعيشية واستقراره الأمني فلم يكن أمام شريحة الشباب والكفاءات إلا أن تهاجر بحثا” عن فرص عمل واستقرار نفسي وأمني .
أن كل الذي جرى ويجري الآن مخطط له ومنذ سنوات لتهيئة كل مستلزمات الهجرة وبهذا الحجم والى الدول المعنية فانهيار الأمن وتردي الخدمات وتدهور حالة المواطن العربي المعاشية كل ذلك دفع إلى تذمر شعبي ملحوظ وكل ذلك لكي تأخذ عملية الهجرة طابعا” منطقيا” ولتكن تحصيل حاصل لما يمر به الفرد العربي من حالة ضياع في بلده .
الدوافع والغايات التي تقف وراء التخطيط لهجرة الشباب العربي إلى الدول الغربية :
ذكرنا فيما سبق أن كل ما جرى كان مخططا” له مسبقا” ، وهنا سنحاول أن نستعرض الغايات والدوافع من وراء ذلك وماذا تريد الدول الغربية أن تجنيه من وراء هذه الهجرة للشباب العربي وكما يلي :
1 – يعلم كل المختصين بعلم السكان أن المجتمعات الغربية وخصوصا” منها الدول الصناعية الكبرى أن المجتمع فيها يعد مجتمعا” يعيش حالة الشيخوخة فهذه المجتمعات معروفة بقلة عدد الأيدي العاملة المنتجة من الشباب وتفتقر للمرحلة العمرية الشبابية فهي مجتمعات قليلة الزواجات وقليلة الولادات مما يجعل مجتمعاتها من المجتمعات الهرمة وهي بهذا الحال تكون في حاجة شديدة للشباب المنتج وخصوصا” في المجالات الخدمية مما يجعلها تشجع الهجرة إليها طمعا” في تشغيل مرافق الحياة لديها بواسطة هذه الأيدي المهاجرة إليها .
2 – كما لا يخفى على كل مهتم ومتتبع لظاهرة الهجرة وخصوصا” من البلدان التي دخلت حروب وأضطر أبناؤها للهجرة منها أن هذه الحالة ستؤدي إلى منح هؤلاء المهاجرين اللجوء الإنساني مما يترتب على ذلك مستحقات لهم تدفعها الدولة المضيفة والتي تكون استوفتها من صندوق إغاثة اللاجئين التابع للأمم المتحدة وهذا يعد موردا” ماليا” للدولة المضيفة حيث أنها تستحق مستحقات لقاء استقبالها لهذه الأعداد من المهاجرين تستقطعها من ذات الصندوق الذي يحجب نسبة من عائدات الدول القادمين منها هؤلاء المهاجرين ، هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن كل هؤلاء المهاجرين سيقومون بصرف هذه الأموال التي يحصلون عليها داخل الدولة المضيفة وهذه أيضا” تعد واردا” مضافا” للدولة المضيفة وعلينا تصور الفائدة الاقتصادية المركبة التي ستجنيها الدولة المضيفة والتي تعد فائدة ثلاثية الأبعاد.
3 – أظهار الدول الغربية المستقبلة لهؤلاء المهاجرين بمظهر الإنسانية والترويج لمناهجهم السياسية على أنها مناهج ديمقراطية تتمتع بقدر كبير من الإنسانية والرحمة وتقبل الآخرين مهما كانت جنسياتهم وعقائدهم . وكما أشارت إلى ذلك المستشارة الألمانية ( ميركل ) عندما قالت سوف لن نتخلى عن هؤلاء الذين قطعوا كل هذه المسافات ليصلوا ألينا ، وعلينا تحمل المسؤولية تجاههم بعدما كنا نحن جزء من السبب فيما آل إليه حالهم هذا .. وهذا اعتراف بما تسببو لبلداننا وشعوبنا من دمار .
4 – من الأسباب الخطرة جدا” من وراء استقبال هؤلاء المهاجرين العرب والذي يعد سببا” وهدفا” خفيا” ولكنه أصبح مفضوح بعد ما تم التعبير عنه في أكثر من مناسبة ألا وهو أظهار أن الدين الإسلامي يعد دينا” طاردا” لأبنائه وأن الدول العربية هي دولا” غير جديرة بالإنسانية فهي تطرد أبناءها وكما عبرت عن ذلك المستشارة الألمانية ( العمة ميركل ) كما أسموها الجهلاء والذين غابت عن أبصارهم أنوار الحقيقة عندما صرحت بقولها بما معناه ( وهكذا لجأ إلينا العرب والمسلمون تاركين مكة وراءهم كما لجأوا إلى الحبشة أيام النجاشي وتركوا مكة خلفهم ) وهذا أمر يجب الوقوف عنده طويلا” لعظيم شأنه وحجم الخطر الذي يقف وراءه .
5 -من الأسباب الغير منظورة للتخطيط للهجرة وتحديدا” للشباب العربي لهذه البلدان هو تفريغ هذه الدول من العنصر الشبابي الذي يعد مادة مستقبل هذه البلدان وسر قوتهم فهم بعملية التشجيع للهجرة وأغراء الشباب بها سيكونون في مأمن من أن تكون هناك قوة بشرية تهددهم في هذه البلدان بعد أن حطموا الروح الوطنية في هذه الشريحة المهمة من المجتمع وجعلها تعيش على هامش الحياة وقتلوا فيها كل قيم المواطنة والتعلق بالأرض وحب الوطن .
6 – من الملاحظات الخطيرة والغير منظورة للهجرة ، أن كل هؤلاء المهاجرين سيكونون تحت أنظار ومراقبة الأجهزة المخابراتية في الدول المضيفة لهم مما يجعل عملية اختيار أهداف منهم وتهيئتهم للأستفادة منهم في المستقبل ضد بلدانهم ( عمليات تجنيد منظمة ) .أمرا” واردا” جدا” أن لم يكن مخطط له مسبقا” .
7 – ومن الملاحظات المستقبلية السلبية لظاهرة هجرة الشباب والعوائل والتي قطعا” هي غير غائبة عن عقول الدول الغربية هي مستقبل هذه العوائل المهاجرة من الناحية العقائدية وما يشكله التعايش مع المجتمعات الغربية بكل عاداتها وتقاليدها من خطر يهدد المعتقدات الفكرية والدينية لهذه الشرائح وذرياتهم في المستقبل .
الخلاصة :
بعد كل ما ذكرناه نقول علينا أن نكون متيقظين لكل ما يدور حولنا ولا تخدعنا التصريحات والكلمات الرنانة ولنعي حجم المؤامرة على بلداننا وشعبنا وأن ننتبه لحال مستقبل أجيالنا ونعمل على تأمين ما يمكن تأمينه من مستقبل بلداننا .. وهنا نقول لمن يعتقد بإنسانية دول الغرب … أين كانت ضمائر حكام هذه الدول الغربية ومنها ألمانيا يوم كانت أساطيلهم الحربية تدك البنى التحتية وكل مستلزمات الحياة في العراق أبان الغزو الأمريكي والأطلسي لهذا البلد الآمن وتمعن في قتل شعبه وتشريدهم في بلدان العالم المختلفة ..؟؟ فهل كانت تلك الحكومات يومئذ بلا ضمير ..؟؟ أولا يعتبرون أنفسهم شركاء في جريمة غزو هذا البلد الآمن وترويع شعبه وتهديم كل بناه التحتية وإسناد أمره لعملائهم الذين تسببوا له بكل هذه الويلات وكان من نتائج سياساتهم الحمقاء هذا الحال المزري لشعب يعد من أغنى شعوب الأرض بما يمتلك من خيرات طبيعية وبشرية مما جعل أبناءه يفضلون الهرب منه بحثا” عن حياة أكثر أمنا” .. فكل ما حل بالعراق وشعبه وببقية الدول العربية التي ابتليت بغزو الدول الغربية لها أو العمل على زعزعة أمنها واستقرارها كل ذلك يعد نتيجة طبيعية لما خططت له حكومات الدول الغربية وبرعاية أمريكية وصهيونية ..
فهم مجرمون أصلا” … وحال المسلمين في بورما هو خير دليل على عدم إنسانية الدول الغربية وحكامها وعدم احترامها لحريات الشعوب ومعتقداتهم الدينية والفكرية ولاتزال أحداث المسلمين في البوسنة ليست ببعيدة عن الأذهان ، فأية إنسانية هؤلاء يدعون .



















