الهايكو العربي وقضية التشكيل    2-2

1007

الهايكو العربي وقضية التشكيل    2-2

محمود الرجبي .. أنا الغادر المغدور

بشرى البستاني

في هايكو الجمال يتألق التشكيل بطرح أرقى القيم الإنسانية التي تتألق في مظهر من مظاهر الطبيعة عبر مشهدين رائعين متداخلين ، فالشاعر الرجبي وقد تمكن من التعامل مع سمات الهايكو لم يعد منصاعاً لقواعده التقليدية ، لأنه صار قادرا على دمج المشهدين في التشكيل:

على صخرةٍ في البحر

طائرُ النورس تسحره الأسماكُ الجميلة

فيموت جائعاً !!

 المشهد الأول ، طائر النورس الجائع على صخرة في البحر ، المشهد الثاني ، الأسماك الجميلة التي يصمت النص عن وصف منظر تهاديها في المياه وألوانها وفتنة حركيتها من خلال الموج ، وهو مشهد مندمج بالأول من خلال اشتباك الفاعل (الأسماك) بالمفعول المتصل بالفعل (تسحر) وهو ضمير الهاء العائد على النورس ، ويأتي السطر الثالث بضربة فاتنة ، ذلك أن النورس يُعلي قيمة الجمال على حياته مفضلا أن يموت جوعاً على افتراس هذا الجمال وتغييبه.

    إن هذا الهايكو ينجح نجاحاً مبهراً في إيصال رسالة بالغة الأثر للإنسان ، فإذا كان الطائر الحيواني يتمتع بهذه الحساسية الجمالية التي تدفعه إلى التضحية بحياته من أجل منح  قيم الجمال الفرصة على التواصل والاستمرار إثراءً للحياة ، فماذا يجدُرُ بالإنسان ذي الوعي المتقد والقيم والذوق الراقي أن يفعل.! إن الهايكو أراد أن يقول ما قالته الأديان السماوية والفلسفات الملتزمة من كون القيم عنصراً أساسياً في دفع الانسان للرقي والسمو بإنسانيته لأعلى المراتب ، ذلك أن نظرية القيم جزء أساسي من فلسفة العلوم عموما، وان النظريات الغربية التي دعت لعزل العلم والمعارف والسياسة عن القيم وأحلت المصلحة والقوانين الذرائعية محلها كانت السبب في العدوان على الانسان وخراب البلدان وتهشيم قيم الجمال التي تمنح الروح اشتراطات وجودها وأمنها وسعادتها، فهناك فرق شاسع بين القانون والقيمة ، القيمة تنطلق من الداخل بدافع ذاتي إيماني ، والقانون يُفرضُ من الخارج باشتراطات وقسرٍ أحيانا مما يعزز دور القيمة أمام القانون ويزيدها أهمية وبهاء.

قيم جمالي

إن هذا الهايكو يمجد القيم الجمالية التي باتت مرتبطة بكل اشتغالات الإنسان وفي المجالات كلها ؛لأنها تؤثر وتتأثر بهذه المجالات ؛على الرغم من اتهام بعض النظريات لطبيعة القيم بالمراوغة منذ هجوم الفلسفة الحديثة على الميتافيزيقيا وتبنيها التحليل العلمي المادي، لكن الجمال مندمجا بالقيم سيظل الحاجة الاساسية التي تهفو لها روح الإنسان سواء كانت حسية بصرية أو سمعية أو تأملية ذهنية عاطفية مشاعرية أو معرفية.

  إن الإيجاز والتكثيف يؤديان في الهايكو مهمة ذات أثر بالغ ،فكلما زاد التكثيف الذكي في التعامل مع اللغة نجد إطلاق الدلالة يتخذ أبعادا أوسع في التشظي، ولعل أهم متطلبات التكثيف العمل على اتقاء الإبهام ومحاولة جر القارئ لمقاصد النص وليس لمقاصد المبدع ،فقد تكون مقاصد المبدع مختلفة عن مقاصد النص، ولذلك لن تكون مهمة القارئ استقراء الغيب في التعرف على مُراد المرسل ،لأن مسؤوليته تكمن في مقاربة لغة النص كونها المتاح الوحيد الذي يمكن للناقد أن يتعامل معه ،ساعياً لتفكيكه والكشف عن مخزونه ومرجعياته ومن ثم إعادة تركيبه دلالياً بعد الخروج بمراميه لدى القارئ.

ويواصل الرجبي مرونته في التعامل مع مشهدية الهايكو، التي اهتم بها معظم منظري هذا الفن ،يقول في هايكو (رحمة):

 لا تقطفي الوردة

دعيها تموتُ على صدرِ أمِّها

فقد شَمَمْتِ روحَها كاملة !!

فالمشهدية هنا لا تتأتى إلا من خلال مستوى تأويلي يُلحّ على النص ليقسمه على مشهدين ، وإلا فهو في قراءته الهادئة مشهد واحد شجرة ورد هي الأم ، ووردة استنفد عطرها من قبل ابتزازٍ أرهقها امتصاصاً وقهراً ، وتركها بانتظار الموت، والعنوان دعوة لرحمة الوردة من انتظار الإجهاز عليها بالقطف ، تُرى أيهما أكثر رحمة ، قطفها وإراحتها من قسوة الانتظار،أم تركها تنتظر الموت على صدر حنان الأمومة..؟العنوان لا يشرح لنا الأرحم بل يؤشر لنا بسيميائية محفزة على التعددية، أن هناك خياراً ثالثا ظل مسكوتاً عنه في ثنايا النص، وهو أن تثور الوردة على مبتزيها لو قُدّر للورد أن يثور. ان الوردة لا تغفر حسب، بل تمنح مع الغفران عطرا لمن أساء إليها ،وفي هذا الكرم المثالي دعوة للتأمل وحثٌّ على ترميم الضعف الإنساني. وقد نجد لمفهوم الغفران ومعطياته حضورا في الفكر الديني وفي العلوم الاجتماعية. ومثل هذا الهايكو، الهايكو الموسوم (إحساس داخلي):

ظلٌّ يتحركُ أينَ ذهبتْ                  شخصٌ ما يجري خلفكَ طولَ الوقتْ

لا تُتعبْ نفسكَ, إنَّهُ أنتْ !!

كما أن الهايكو العربي لا يخشى ضمير المتكلم ، فهو في اللغة العربية ضمير الفاعلية الذي يحرك الحدث ويمنحه نبض الفعل والمبادرة القصوى ، يقول الرجبي في هايكو (صعود):

 أصعد إلى جبال رم

الزهورُ الصغيرةُ تنحني خائفةْ     قدمي تدوسها فتنزف رائحةْ !!

أية قيمة عليا وأي سمو أن تدوس بقدمك الورد فيمنحك عطرا ، إن سيميائية العنونة هنا بــ (صعود) تلخص مُرادَ الهايكو، وتنهض بالدلالة الرائعة التي تنتج عن سمو متعالٍ على الحقد والشرور والتعامل بالمثل ولذلك ابتدأ الهايكو بالصعود إلى قمة جبل رم، فالعنوان هنا يُكثّف مقاصد المتن تكثيفا دلاليا في التعبير عن سموٍّ مطلق وطيبة وتسامح نفيس، أن ندوس بأقدامنا كائنا بالغ الجمال كالوردة، فلا يقابلنا بالمثل ولا يردُّ شرّ فعلنا بشر مثله، ولكنه يمنحنا أرقى آيات البهاء بنزفه عطرا. وهذا السلوك لا يصدر الا عن مثالية متعالية لمخلوقات لا توجد إلا في القمم. إن الشاعر يُقدم نموذجا سلوكيا نادرا يحاول من خلاله التعريض بالشرور والأحقاد التي تجتاح العالم المعاصر وتقسم الانسانية الى قسمين، (أنا) المتمثلة بالقلة القليلة التي مثلتها (الزهور) البريئة، وقد هيمنت عليها الـ (أنا) التي مثلت الطغيان بكل غطرسة القوة المتجبرة والقادرة على سحق العُزَّل.

تأشير حقيقي

إن (أنا) محمود الرجبي ليست هي الأنا الذاتية المنعزلة على فرديتها والتي تعود على (أنا) المؤلف، بل هي التأشير الحقيقي لنماذج غادرة أو مغدورة، وإذا كانت الزهور هنا مغدورة أمام الأنا الغادرة ، فإن هايكو (عبث) يمثل أنا المتكلم في أقصى المغدورية وقمة المعاناة الانسانية والجدب الروحي الذي يُشيع العنوان عبثية البحث عن جواب لنداءات الأمل الوحيد المتضرعة للغيوم العابرة بأن تجود على صحراء الروح بغيث..وبالرغم من قوة الجبل وتماسكه وقربه من الغيوم نسبيا ، إلا أن عوامل السلب في الهايكو تكاد تكون هي المهيمنة على فضاء الشعر من خلال عدم تعدد نوافذ الخلاص، فالأمل هو الجبل الوحيد ، والروح صحراءً قاحلة ، والغيوم عابرة لا مقرَّ لها في فضاء الشاعر.

الأملُ جبلٌ وحيد

في صحراء روحي القاحلةْ

ينادي الغيوم العابرةْ !!

ثم يسكت النص عن رد فعل الغيوم تجاه النداءات ، لكن وصفها بالعابرة يجعلها غير عابئة بالجواب ،مما يجعل الأمل في حالة حصار بعوامل السلب ، لكن عدم التصريح بالرفض يترك الباب مفتوحا لإدامة حالة الحلم التي يعززها التشبيه بالجبل قوة وديمومة.

في هايكو (الغياب) نجد لونا آخر من ألوان عذاب الفقدان ولوعة الانتظار،عبر مشهدين يندمجان ببعضهما، ويعمل العنوان على تبئير لوعة المتن ببراعة تَضمر قيمة الحب ولهفته لتواصلٍ منتظر، ويتداخل العنوان بالمتن تداخلا جدليا مبهرا من خلال جمالية الحزن وشوق الانتظار:

نافذةٌ لا تُغادر الطريقْ

يتساقطُ الصبرُ عنْ شجرةِ حزنها إمرأةٌ تنتظر !!

وبهذا اللبس الذي يُعدُّ سمة من سمات النصّ الحداثي، والذي يشوبه نوع من الحيرة، يتألق جمال الهايكو، هل النافذة هي المرأة، هل المرأة هي شجرة الحزن ،هل هي النافذة والشجرة مندمجتين معا ، فضلا عن إيجاز القصر الذي اختزن طاقة الابداع في الداخل، فأي عزيز تنتظر المرأة ،أهي تنتظر زوجاً حبيبا، فلذة كبدٍ أم أما أم والدا ، وأيّ أمر غيّبَ هذا المنتظَر الذي أحال الصبر على ثمر يتساقط من شجرة الغياب التي تحولت لشجرة حزن. إن تفاصيل الأحداث والوقائع التي تشرح أسباب الغياب وعلاقته بالمرأة التي تنتظر بمرارة مسكوت عنها ، فهي اختصارات زمنية وإقصاء لكل الفاعليات السلبية التي حدثت فيها. وقد يعتمد الهايكو على جمالية الايقاع كما في هايكو (إبداع):

الإبداعُ ماءٌ يجري كي يَتَجدَّدْ        لا يأخذُ شكلاً أو جسداً

حتى يَتَجَمَّدْ !!

إن جمالية الإيقاع هنا ارتكزت على الطاقة العروضية والقافوية معا ، إذ اعتمد الهايكو على طاقة بحر المتدارك وروي الدال الذي يتسم صوته بالقوة ، فضلا عن كون الروي مقيدا بالسكون، وهذا القيد وقوفٌ عند الدلالة المقصودة وإصرار عليها في ضرورة التجدد وأهمية الحركية التي هي شرط الإبداع، فإذا فارقته إلى الجمود والسكونية فإن سمة الإبداع تنتفي عن النص حالما يتقولب في شكلٍ أو جسد واحد، فضلا عن التجمعات الصوتية التي نجدها في أكثر من صوت ولا سيما صوتا الدال والجيم

مشاركة