النُبل العراقي – حسين الصدر

511

النُبل العراقي – حسين الصدر

1

تستهويني مواقفُ عراقيةٌ نبيلة ، تحمل في أعماقها دلالات ذات أهمية بالغة ، ولكنها تمر على الناس مرّ الكرام وكأنها أحداث عادية مجردة عن تلك الدلالات الخطيرة ..

ومن هنا :

فأنا أحاول أنْ أدّون شيئا عن بعضها خوفا عليها من الضياع …

انها قطرة من ذلك البحر المتلاطم الأمواج ..

2

أما الدلالات التي تكشف عنها تلك المبادرات النبيلة فهي

الدلالة الحضارية : وهي ميراث العراقي المعاصر من تاريخ مليء بالباهر الزاهر من حضارته العريقة، الضاربة بجذورها في أعمق الأعماق…، فالعراقي ابن حضارة عريقة

والدلالة الاخلاقية : حيث أنَّ الأخلاق هي المحرّك الفاعل نحو إطلاق المبادرات الكريمة، والمواقف العظيمة، بكل ما تنطوي عليه من نبل وشجاعة ومروءة وإقدام وايثار ..

انّ الاخلاق هي منظومة السجايا والصفات السامية ، التي تقفز بالانسان الى أعلى القمم …

والدلالة الدينية : حيث أنها الاستجابة العملية لمعطيات الدين ، في الحثّ على أرساء دعائم الخير ، والبذل المتواصل في مضامير النفع الانساني ، والأعمال الحيوية ذات المردودات الكبيرة …

والدلالة الانسانية : فالهُوية الانسانية لا تصدق حقيقة على أصحاب “النرجسية” المقيتة و”الذاتية” العميقة ، وانما تنطبق تمام الانطباق على اولئك الذين نجحوا في تكسير حواجز الذات وتجاوزها الى الفضاء الانساني العام … المزدان بكل ما تعنيه الانسانية من تفاعل وتواصل مع الآخرين .

وقد تكون الدلالة الثقافية أحيانا من بين تلك الدلالات ،ذلك أنَّ الوعي المتميز ، والمعرفة العميقة  بفلسفة الكون والحياة والقيم ، تدخل في تلوين السلوك الانساني بأنصع الألوان .

ويطول بنا المقام لو أردنا الاسترسال في الحديث عما وراء تلكم الملاحم والمظاهر المتنوعة للسمّو والرقيّ …

{

تزوجت احدى السيّدات العراقيات بشابٍ أَحبَّها وأحَبَتّْهُ بصدقٍ وحرارة ، فعاشا منسجميْن سعيديْن ، غير أنّ الزوج أُصيب بفشلٍ (كلوي) عرّض حياته للخطر … فكان لابُدَّ ان تُزرع له (كِلْيَة) تُعينه على مواصلة أشواط الحياة …

وهنا :

صَمَتَ الأقربون جميعا ، ولم ينبس أحدهم ببنتِ شَفَة ..!!

لم يتصدَ منهم أحدٌ لإبداء استعدادِهِ للتبرع (بكِلْيتهِ) لذلك الشابّ

ووقفت زوجتُه وأعلنت :

انها هي التي ستتبرع باحدى (كِلْيتيها) الى زوجها لتدفع عنه الغوائل …

ولم تكن تلك الأسرة الشابة من الأُسر الثرية القادرة على شراء (الكِلْية) المناسبة ذات الأسعار العالية ليصار الى شرائها بدل التبرع …

وهكذا كان ..

وتبرعت الزوجة بكِلْيتِها لزوجها وزُرعتْ ولكنها لم تكن بذات تأثير طويل..

فأغمض الزوج عينيه واستمر في سباته الطويل الطويل ..

ولم تَحْظْ هذه العراقية النبيلة إلاّ بشيء واحد، وهو راحة المضير، في وقتٍ استكثر فيه الجميعُ عليها –رسميّا وشعبياً- إشادةً او تقديراً لما أقدمت عليه من عمل وضيء لابُدَّ ان يُذكر فيشكر

وفي هذه الأيام قرأتُ خبر الشاب العراقي النبيل الذي سخا بجارحة من جوارحه وتبرع بها الى أمّه، وتَمَّ ذلك في عملية جراحية أجريت لها في احدى مستشفيات (الهند) ،

وحين عجز عن دفع فاتورة المستشفى سارع أهلُ مدينَتِهِ لجمع المبلغ المطلوب وتحويله اليه ..

هذا غيض من فيض

وهكذا تتواصل حلقات الشمم العراقي مع امتداد الأيام .

مشاركة