


د. زهير ياسين شليبه
القسم الثاني:
موضوعة النوستالجيا:
“نزوة الموتى” رواية مكرسة لموضوعة النوستالجيا، تبدأ بالإشارة إلى والد البطل “جَد الحفيد كنان” وتنتهي به حيث يُنقل رفاته والمونولوج بينهما عندما يسأل الأب ابنه الراوي: “هل لديك ابن يحمي عظامك بعد موتك؟”. ص 201
“أنت قطعة مني، أنت تشبهني، قدر عليك أن تقترف الأخطاء ذاتها”. ص 202 “اجل، ولكنني متعلق بك وربما لأنني لم أرك، لا طريق أمامك سوى أن تنجب ولدا يفكر بدفن رفاتك ذات يوم”. ص 202
ويطرح الراوي فكرة الكاتب صاحب السخرية المبطنة ما بين السطور، نقرأ في الرواية “هل الولد وحده يدفن رفات الأب؟ وماذا عن البنت؟”، إنه يتهكم بلا شك، هذا هو موقف الكاتب شاكر نوري من الواقع العراقي الذكوري، تهكّم اعتدنا عليه في أعماله، كأنه يتساءل: لماذا لم تقل الذرية؟ مثلا فهي تجمع بين البنين والبنات بلا تمييز علني واضح!
البطل غريب، سافر من بلده رغما عنه ليس للعمل، يحن ولا يحن إلى دياره، مشتت: “تذكرتُ الطاسة والفرشاة”، ص 22 “لم أر أبي يحلق ذقنه”، ص 23 ونقرأ مقطعًا: ” برقية أمي مثل حصان جامح ينطلق بي … لاكتشاف كنز … نحو النطفة التي أطلقها أبي في رحم أمي”. ص 24
تتميز ذكرياته أثناء الخدمة العسكرية بوصف جميل. ص 44 فيما بعد تقول له سلطانة، زوجة أبيه الثانية أو عشيقته حتى بعد طلاقهما: “أشياء فظيعة حدثت بعد سفرك”. ص 64 ونفهم من حواره مع سلطانة بأنه كان معتقلا مرتين. ص 86 ويتميز لقاؤه مع سلطانة بالوصف الدقيق والحوار على مستوى عالٍ من النمذجة. ص 87
وأكد لي الكاتب أنه فعلا أعتقلَ مرّتين قبل سفره من العراق في شبابه، لكنه ترك السياسة مبكرًا وانشغل بالأدب.
يقول الراوي “كنت اذهب إلى المقبرة… البخور والتراتيل القرآنية”. ص 192
البطل حائر، مشتّتْ بين الوطن والغربة، تنطبق عليه العبارة الروسية الشهيرة: “غريب بين ربعه، متماهٍ مع الغرباء كأنه واحد منهم”، الغربة تمزق الذات، تذكرنا معاناتها بقول زهير بن أبي سلمى:
ومن يصنع المعروف في غير أهله يكن حمده ذمًا عليه ويندم!
هنا يقدم الكاتب مونولوجاً يجسد اضطراب الهوية والانتماء، ويصف رائحة التراب المبلل بالماء، ص 204 يقدم سرداً جميلاً عن معاناة الغربة. وهناك كلامٌ رائعٌ عن الشوق والحنين. أنظر: ص194 – ص 203 – 204
نلاحظ “تطابق” تنقّلات بطل السرد مع سيرة حياة الكاتب فإنه عاد إلى العراق عام 89 بعد أن غادره عام 69 ويلتقي أهل المدينة به، أحدهم قال له: “أبوك علامة من علامات المدينة” ص 46، وآخر قال له: “أبوك يقرأ الكتب في بدلة إنجليزية أنيقة” ص 102، بينما يقولُ لنفسه متسائلاً بحسرة: “لماذا يتوجب عليّ أن أخشى من سطوة أبي الذي لم اعرفه أبدا” ص 103، هذا هو قول الراوي وصورة المؤلف (أوبرَز بيساتِلا) كما يسمى في النقد الروسي، بالحقيقة البطل الرئيس، ويقول: “دفنَ أبي… كنتُ هائمًا في بطن أمي”. 113 البطل شعره طويل في طفولته والآن أيضا، يقول: “تركته يطول” ص 120 والكاتب (المشاكس) شاكر نوري طويل الشعر حتى يومنا هذا!
ومعنى ذلك أن الرواية تتميز بعناصر السِيرة او على الأقل تستمد بعضَ وقائعها من السيرة الذاتية أو التجربة الشخصية “مشبعة” بخيالات موزّعة بإتقان.
لا ضير في ذلك، لكن القارىء الفضولي والناقد يود أن يعرف حقيقة ذلك وما دور الخيال فيه؟
علاقات المحارم:
الموضوعة الأخرى التي يجب أن نقف عندها هي الخطيئة القاتلة أو ما يسمى بعلاقات المحارم الجنسية. يبدأ الكاتب حديثه عن هذه الموضوعة من تحذير والدته له بطريقة رائعة، كأننا نشاهد ممثلة في فيلم أو مسلسل: (إياك أن تلتقيهما … زوجتا أبيك إياك أن تلتقيهما … زوجتا أبيك زليخة … وسلطانه..”. ص 25 وتأخذ هذه الموضوعة عدة صفحات من الكتاب، يصور الكاتب صراع البطل (السارد العليم) في حوارات افتراضية أحيانا ومسرحية تارةً أخرى بينه وبين سلطانة، وأبيه، وأمه، ونفسه. الأمثلة كثيرة: الاغتراب من أجل الحرية، يقول الراوي:” كنت … أفكر بالقطيعة مع مدينتي… قبل رحيلي، ساعيا وراء وهم الحرية، التي مرغتنا بالوحول”. ص 40 هل هو شعور الندم يقدمه الكاتب؟ “تحثني …عدم الالتقاء بمطلقتَي أبي …”. ص 41
الحوارات:
تبدو الحوارات مع الأشخاص الآخرين هنا كأنها افتراضية بدلاً من المونو لوج أحياناً، لكن تختلط ذكرياته معها، ص 125 – 126 مستخدماً الكابوس كطريقة مهمة ص 127، بينما تؤنبه امه تقول له: “كيف تضاجع زوجة أبيك؟”! ص 168 و172 -175
يقول الراوي: “هل إنني مقدم على اقتراف الخطيئة” ص 173، هذه الصفحات والمقاطع مكتوبة بأسلوب سردي مشوق وسلس وانسيابي جميل. ص ١٧٣
يعاني البطل من تأنيب الضمير وتطهير الذات كَثارسيس ص 197 يقول: ” سأغتسل في النهر … وأتطهر…”. ص 198
الحرب:
يصور الكاتب بكامرته تداعياتِ الحرب “على زمان العراقيين”، ص 31، “صُورُ الحربِ تملأ أفواهنا بالمرارة مثلما أفواه الجنود بالتراب” كما تقول الأم، ص 34، ويصف الرموزَ العسكرية مصوّراً إياها على الطريق” ص 40، “عالم عنيف مشحون بالحرب” ص 42، “الجنود المجازين” ص 43، “انخرطت مع … الجنود ذات يوم”. ص 43
يسمع من أحد الناس يقول له: “كما لو أنك شختَ في الأيام الثلاثة التي أمضيتها في نقل رفات أبيك” ص 212، “شفت يعني صرت الشيخ” ص 212، “لكن تبدو أكثر من ثلاثة أيام، لا أدري كيف تضاعفت مدة إجازتي، الأيام الثلاثة المخصصة لنقل رفات أبي إلى المقبرة الجديدة …إلى 30 سنة دفعة واحدة …”. ص 212 – 213
إنه المضحك المبكي، حقا شر البلية ما يضحك!
الموضوعة السياسية:
تتميز هذه الرواية بانتقاد سياسي للنظام، “كل شيء ينبش هنا حتى الأعراق والإنسان والأصول” ص 98، “أنصحك بالرحيل من هنا” ص 98- 99، يقصد هنا أن هناك كانت حمله البحث عن أصول الناس وترحيلهم إلى خارج العراق.
وهنا يشعر القارئ بالرغبة في سؤال الكاتب: ألم يشعر البطل بالخوف من البحث عن أبيه والاستفسار عن أصوله؟ في الحقيقة أن هذا السؤال موجود في الرواية، يسأل أحدهم الراوي: ألا تخاف من البحث عن أبيك والاستفسار عن أصوله؟ ص 102 وانظر ما قاله عن عام 1959 والزعيم عبد الكريم قاسم. ص191-192
أمين المكتبة متذمر من الوضع السياسي، “انتظرنا 30 سنة”، وإذا أردنا أن نعمل جرد حساب فنطرح 30 سنة من عام 1989 سنكون في عام 1959إذ إنه قال “انتظرنا 30 سنة” فإنه يعني من “فترة” عبد الكريم قاسم بحيث يعودون إلى عام 59 ص 161، ويقول الراوي ملخصاً وصف العراق: “المدينة الضائعة بين بنادق الأكراد ومعسكرات الجنود وخيول القبائل”. ص 169
لاحظ جرأة شاكر نوري أيضاً في سرد حوادث تُعد من التابوهات (المحرّمات) في الدين والتقاليد والجنس. ص 201
وانتقاد السلوك المتستر بالدين أو الترسبات ص 103 وص 110 يمكن أن يذهب الى حد اخر بنظر بعض المتشددين، يقول: “كنت أشك أنهم ينادون الله الذي ملّوا منه”، والشيء نفسه عندما يصور العاهرات. ص 105- 104
ويشير ساخرًا إلى الموت والدفن: “يجب أن تدفن رفات والدك في منتصف النهار أو في منتصف الليل… كل شيء يتوقف ويهتز في هذين الوقتين”. ص 179
البنية والزمكان:
يعتمد الكاتب في بنيته على طريقة “عودة البطل إلى دياره” وهنا يطلع القارئ على علاقات الزمان والمكان (الهرونوتوب) الباختيني من خلال الذكريات. ص 25
وتتداخل الأزمنة من خلال وصف أماكن اللقاء بالأم، في مطار بغداد، وفندق شيراتون، السارد البطل “غريب الدار” قادم من فرنسا، “افترق عن أمه منذ اكثر من 20 عاما”. ص 31
إنها تكاد تكون حياة الكاتب نفسها، غادر بلده عام 69 ورجع إليه عام 89 فهي فترة 20 عام، وإنه خرج من العراق لأسباب سياسية “إن الموافقة الرسمية على مجيئك إلى البلاد استغرقت وقتا” ص 13، وعليه أن يقوم بهذه المهمة أو “المأمورية” خلال ثلاثة ايام هي أجازته التي أعطاها إياه مدير عمله! ويسألُ والدتَه: “ولكن مهلة ثلاثة ايام لنقل المقبرة القديمة قليل جدا”. ص31
وتتخذ البنية أحيانًا شكل المسرحية، أنظر: ص 151-155 “في المقبرة ينتظرون أدوارهم على خشبة المسرح”. ص 151 وينتقدون الحرب!
تداخلات الزمان كثيرة، مرات يصعب الفهم والمتابعة تعبيرًا عن حالة البطل النفسية، ص 90، ترتيب الزمان غير واضح ويتطلب فهم تسلسل الاحداث التركيز وإعادة القراءة. أنظر ص 111
المكان: يصف القلعة في جلولاء، يقول: “أبي مات منذ أربعين عاماً يا زليخة” ص 94 وإذا افترضنا ولادته سنة 1949 كما نعرف، وأنه عاد إلى العراق سنة 1989 فإن الأب حسب استنتاجي توفي في نفس عام ولادة الابن (الراوي) كما قال في الرواية. ص 94
يجسّد وجود أمين المكتبة تداخل الزمان بالمكان، الذي نسميه هرونوتوب، فهنا يصف الكاتب رجلاً كبيرًا في السن يقول الراوي عنه: “رجل هرم يبدو كأحد حكماء القرون الوسطى لولا نظارته العصرية المقعّرة”. ص 96 “ويهذي”. ص 100
واود أن أنهي مقالي بالحديث عن جرأة السرد والخوض في الممنوعات عند شاكر نوري: في إحدى المرات سألته عن جرأته في السرد عن تابوهات، فما كان منه إلا أن غرق في الضحك ليحدثني عن أخته السيدة “خوله”، كانت تعاتبه قائلةً باللهجة العراقية: “لك اشسوّيت بنا؟ فضحتنا!”.
عجيب أمر هذا الكاتب شاكر نوري! فضحتنا! هذا ما قالته عنه أختُه خوله على جرأته في “فضح” الوقائع ودمجها بالخيال! وهو خير من يؤمن بروايات الفضائح والفظائع!.



















