
النهوض من الموت
رويدا ابراهيم
ابتعدت القرية كثيرا عن خطاها المتباعدة ،الهاربة منها وبقدمين داميتين ،،،وكأنها في اخر الارض تركت القرية وفي ذاكرتها صور تتنازع وتُخرج من قاع الارض قتلاها ،، عيناها اللتان تحدقان كعصفور أسير الى خيط،، ببقايا ريشها تحت ورقة شتاء ،،،ومازالت الريح تنصف ثوبها الاسود وتدفع بها الى الخلف حيث هبوب الريح الشرقية في مثل هذا الوقت من السنة تكون عاتية وتحمل معها المطر ،،لم تكن تبالي وهي تخوض في جسد الريح بذراعين متعبتين كلتاهما تصفعان بعضهما وأنين الريح في جسدها النحيل تمرمتهالكة ،تدور حولهاالهالات المترنحة من انصاف الدوائر وكزتها العجوز بعصاها قائلة ..وهي تتوكأ على عكازها الهرم بقبضتهاالملتوية في أعلاها ونصف المقوسة الى الأسفل ،استندت المراة الشابة على مثلمات احجار الطريق ذابلة كأوراق تناثرت فوق جسد الفضاء المفتوح أمامهم . وجهها الكالح يحمل علامات البؤس ،،، لم يكن يبدو منها في جوف العتمة سوى عينين مترقبتين ،، ورأسها يتقدم جسدها يهتز باهتزاز حركة قدميها تتساقط خطواتها المتباطئة فوق طين الطريق يخرج الخوف من شقوق الارض ومسامات الصخور الجرد حتى تتسرب الى الاجساد الهاربة يختص مسامات جلدها يقترب من دفء نبضها الذي يتسارع في وتيرة واحدة مع قدميها اللتين توغلان في الحفر الممتلئة بكؤوس ماء المطر ،ويمد لسانه ليلتقط انفاسها المتسارعة ،لم تكن سترتها الرجالية الكبيرة تقي الجسدين النحيلين لكلا المخلوقين ، ولكبر حجمها كان الهواء يتلاعب بأجزائها المفتوحة و شكلها البائس ،شعرها الاسود الضارب في السواد كإكليل الليل تبدو من تحت غطاء رأسها المشبع بالأتربة ،، كانت لاتكثرت لحجم السترة او عصف الريح ،لكن وجه صغيرهاالذي يحتضر يزيد قوة إمساكها به تخاف ان ينفلت من بين يديها اللتين تدفعان باوردتها الزرق الى السطح،وعتمة الليل تحول عنها رؤية عثرات الطريق .. كبت وجهها فوقه ،،تتلمس بانفاسها وجهه البارد الصغير في فيافي العتمة المجردة من اية رحمة وكأنها تستخدم استشعاراتها الفطرية فشعرت بدفء قريب من وجهها يخترق انفها ويتغلغل في رئتيها ويسري في أجزائها التي لا تقوى على حملها ،،،وبحركة امومية وعفوية تلفه ببطانية .ضمته اليها ،وكأن قوة عظيمة ينفره منها توقفت لبرهة من الوقت حيث للبرهة ثمن غال في وسط القصف المتراكم حول الطريق والسنة الدخان والحرائق في القرى البعيدة تُسقط بعض الضياء على الطريق الذي يئن من احجاره … عادت العجوز قائلة (اتركيه هنا سيكون في عناية الله اذاقُدرت له الحياة )لم تنطق باي كلمة ،. تجمدت تلك الملامح القروية السمراء كانت العبارة مشحونةبجمود الثلج الأملس ووجههاالمصفر وكأنها بلا حياة ،، فتحت أزرار ثوبها وأخرجت ثديها وقربته منه لكنه لم يستجب .. ولم يعط اية إ
شارة او طلب النجاة ،،،ودمعة كبيرة تطوف في محجر عينها تجول يميناً ويسارا تريد ان تهبط الى الأسفل ولكنهابقيت عالقة في مكانها كصخرة على حافة جبل متأهب للسقوط ..اخذت تدغدغ وجهه البارد بحلمة ثديها المغمورة في لحمها ،، وبحركة يائسة لعلها توقظه اخرجت يده النحيلة من قماطه تشابكت ايديهما الام وابنها نادته بصوت خافت استيقظ ايها الصغير هل لحقت بالأموات ؟ انه لايستيقظ قالت في نفسها لقد كانت العجوز على حق ..إذن سيموت لامحال وكأنها تقنع نفسها بأكذوبة الموت..سكتت لبرهة تلك النوازع في رأسها حال سقوط قذيفة قريبة منهم، ،لم تعد تبالي بالصوت المفزع لسقوط القذائف وتناثر شظايا الصخور في كل اتجاه … تدحرجت الدمعة من عينها فوق خدها الأسمر المائل الى البرونزي كانت حارة تلاقت مع صفير الريح البارد في ليل كانوني ،دفعت العجوز بعصاهانحوها قائلة (امشي ..امشي) اهربي واتركيه الكل يهربون يمشون ..يلا يلا …وبلهجة المتسلط ،وجهت اليها إشارتها ووجهها الذي يحوي عشرات الخطوط كاخاديد الوديان المنحدرة اليها صوتها رعد يهز اوراق روحها المتأرجحةأردفت اتركي( كماطك هنا) وامشي ..بقيت يداها ممسكتين باللفافة الصغيرة، ومشت او هربت لا تعرف أهي في حلم او كابوس تتأرجح فيه بين الحلم واليقظة ،وحرارة الدمعة تشبثت هناك في الأعلى مثوتبة للقفز اوكأنها تسخرمنها مشت بتثاقل ،والعجوز تتكؤ تارة على ،،كتفها واُخرى على عكازهاالمتموج الذي ودع الحياة وأصبح يابسا في يدها .. كانت العجوز تتمتم بسخافاتها المعتادة تقول تركنا الدجاجات وحظيرة البقرة لابد انها ستموت من الجوع او تموت اثناء القصف على بيوتنا … يمضي السرب الانساني في المضي الى الامام لم يكن احد منهم ينظر الى الوراء ونيران القناصة تلاحق المتأخر منهم .. تصرخ احدى النسوة بصوتها الحاد حيث يسقط احدهم لالا التافة ….لا تراجع المسير الى الامام فقط ..ظلال الفجر بعيدة عنهما ( الام وابنها )الصغير ومع قافلة القرية المتعبة….. تلاشت القرية وغاصت في صمت الظلام ببيوتها الطينية وهياكلها المتباعدةوالمتلاصقة مع بعضها البعض .في تسارع خطاهم التي قذفتهم الى الامام , كان صوت الزمن ينبح وهو يفارق بقايا الشمس في السماء وأزهار الهندباء الساكنةعلى طرفي الطريق تمد أعناقها لترحل بهم وهم يرحلون من أطراف القرية في خيط بشري مثقلين بصغارهم .وببعض أشيائهم التي امرت نسوة القريةبحملها وهم يغادرونها هاربين
كان وجهها الذي يقسم برودة الهواء ويتصادم مع هالات البرودة حولها حيث يتسلل البرد في اجزاء جسدهاحين كانت تخرج للرعي هي وزوجها في أطراف القرية نظرت الى وجه الصغير الذي تحمله كان يبدو مريضاوشاحباكالعادة كتلك الزهرة الصفراء التي تنبت في أطراف القبور حيث تصفربسرعة اوراقها مع اقتراب لهيب الصيف ..ومضت القافلة وسط لهيب قادم من السماء كانت الاجساد تظهر فجاءة وتختفي في اللون الرمادي القاتم لليل الذي ينسلخ من جسد النهار اللهيبي الذي يتكون بفعل النيران المتساقطة ووجوه الأمهات يهربن بأبنائهن ,واطفال يتصارخون, ورجال يتزاحمون في حمل الاعباء,وفوضى الريح الباردة التي لانقف ,و تنصف اسمالهم وأشكالهم الى أنصاف آدميين ….يعود رأسها يُسقط بزاوية وجهها البرونزي فوق وجهه الشاحب الذي اطفاءه عجلة اقتراب الموت منه اجزاء الحياة . كانت قافلتها صغيرة هي والطفل الصغير وسيدة عجوز . العجوز تتلمس الدرب الموحل بقدميها وبحذاء شبه عارٍ وأسقطت عليها ملابس بقطع متعددة وربطت رأسها بعصابة سوداءفيها قطع بألوان متداخلة بالأحمر القاني وينتصف حنكها وشم ازرق يمثل احدى رموز الطبيعة وفوق خدها المترهل رسمت شكلا كانها نجمة او زهرة حتى هي لاتدري مااسرار وجودها, وشدت وسطها بحزام جلدي سميك مائل الى الأخضر الغامق وتحمل بيدها اليمنى الخشنة الملمس عصاتها ,وأنفاس متثاقلة وزفير وشهيق وجسد مترهل الى الأسفل, تمضي وسط السرب البشري اللائذ الى الظلام , خوفا من الخوف .عادت العجوز تتمتم بترهاتها تخرج من بين أسنانها المتآكلة وشفتين غليظتين مائلتين الى اللون الأرجواني المزرق كعنبة يبس ماؤها تخاطب المراة الشابة قائلة لن تقوي على حمله … تقدمت العوائل الكثيرة في أسفل الوادي لتقضي ليلتها هناك وسط صراخ الصغار ،والبرد يصفع الوجوه والأجساد تهتز كاغصان نبتت من الارض ، خوفهم شبح يلاحقهم في وسط عتمة الليل ،كانت تعد انفاسه الصغيرة ،صوراحتضار الموتى يتنقل في زوايا ذاكرتها ،نعم كانت تتحسس اجزاء من الموت أمامها ووذكريات دفء بطنها التي تعلو أمامها ،عادت تتلمسه تدنو من وجهه
..انتهى المسير في واد أجرد من وديان العراق الجرداء …..
تلمست المراة الشابة حفر الوادي كما الاخرين،وجدت بعض قطع الكرتون الملقاة , وخلسة من الضياء تشرح وجه ام تحمل طفلا بين سنبلتين زرقاوين،وضعت الصغير فوقه ،طرق سؤال عنيف رأسها هل كان يبتسم في الماضي كهذا الطفل المشبع بالابتسامة ؟اعادت السؤال على نفسها مرات اخرى؟؟اخذالفراغ حولها يهبط اليها وهل كان هناك ماض؟ قالت :الولادة نعم لقد ولدته في ظهيرة يوم قائضٍ لقد ولد هناك حيث لم يكن احدينتظره في الخارج ،،قالت العجوز يتيم انت ايها المنحوس ..وسكتت حين رأت دموعها .. اجل تعيد استنساخ الذكريات لقد كان عاريا ونسيت انكسارجسدها كالعشب المتهشم .. وضعت صغيرها الوحيد في تلك الحفرة التي تشبه القبور كانت رطبة ومظلمة بالقرب منها ،انتابها رعب مخيف سكون ،برودة،خوف يمتد طويلا كاسراب الغراب في الايام الماطرة فوق البيوت الطينية في القرية التي لوثها روث البقر ورائحة الدجاج وخرافات اَهلها .. دفعت شحاطتها النسائية بعيدا قالت في نفسها لو لبست حذاؤه, كانها تعاتب نفسها ولكن لايجوز استخدام اشياء الموتى .. كان وجه الصباح بعيدا وهي تتأمل سقوط خيط الشمس من زجاج نافذتها التي تطل على الباحة الطينية .ويسقط حزم منها فوق جلد الروغان لحذائها الأبيض فوق كتف الشباك الذي يُستقبل اطلالة النهار ،،نهار عرسها لاحد أقاربها سكتت وهي تتمتم بكلمات لامعنى لها وغير مفهوم تساوى في الحفرة جسدها المتعب ،تراخت اجزاء جسدهاو تباطئتْ انفاسهاوتراجع نبضها كانه الموت الحتمي والى الأبد ..سكت كل شيء حولها وكأنها في غيبوبة او حلم في أطراف الفجر المتآكل ،ايقظ الشعور عندها اللاشعورتلمست القماط الأبيض مشت فوق وجهه بيدها تلمست بأصابعها اجزاء وجهه قربت وجهها منه طبعت قبلة باردة وكأنها النهاية تسللت من تلك الحفرة تاركةإياه ورائها …كانت العجوز تمشي بخطى واسعة,لقد دبت الحياة فيها,انها تقترب وسرابها يمضي بسرعة ،،اصبحت مسافة طويلة بين الامرأتين .. مضى الخيط البشري في طرقات ..وعرة ، متجعدة ..بدأ الصبح بالانبلاج وابتعد الليل مشيحا بوجهه الى الطرف الاخر من العالم ،،،،كانت تمشي بخطى مسرعة هاربة من نوازعها الانسانية الى نوازع حيوانية متسلطة،، لم تلتفت الى الوراء ..وأخذت تهرول الى التل البعيد والصعودكان مضنيا…ضمت جهتي السترة اليها بقوة كان صدرها عاريا أمامها وبعض قطرات من حليبها ينسل فوق صدرها وسرعان ما تتماسك وتلتصق بها،،انفتحت شرايين غريبة في رأسها ما ان تدحرجت من جيب سترتها الحقيرة عبوة الماء المحلى أمامها ،، ،وبعينين خائفتين ومعتمتين وساقين متهالكتين وذراعين خائرتين،، وبصوت مدو هادر في وسط وقع اقدام المارين والمتسارعين خرج صوتها ليصيح لا لا لا ارتد صداه وسط أصداء القنابل المتقاذفة في الفضاءسأعود ..سأعود يابني وسأموت وساعيش انت حي انت حي … ساد صمت سادي في المكان, الصخور ذوات النتوؤات والتواءات الطريق وأعشاب الهندباء التي تسكن في سبات … وبحركة متشنجة وباقدام مضطربة ونبضها يتسارع هل هو حمى الموت ؟ في الوادي الحجري القاسي ،،ووسط وميض الصواريخ والرصاص الهادر ..لم يسمع صوتها ولا حتى ارتد صداه اليها اخذت بالعدو الى الوراء الى الوراء. … الضوضاءيحيط بها وكانت الفكرة تقف عارية, ??ارتجت ان تموت كأم قبل كل شيء, وانسانة ,هل تتركه؟ام تلتقطه بين أسنانها كما تفعل القطط . تتردداليها شبحه وهو يبتسم اليها وجهه الغابر بين الوجوه المارة شاخص في قمة رأسها لايفارقها لانه قدرها المحتوم لقد حلت عليها اللعنة .والزمن يطاردها ،، صوت العجوز،،، وجهها المتاكل ،،،وولد النهار من صمت الليل حولها الأشياء بشعة, قذرة ,الموت الذي يحدق بهم, الذي يسقط منهم لايلتفت اليه..ايقظ الالم كل النوازع المتطرفة فيها الموت ،،الخراب ،،القرى المثقلة بالآلام،،اجساد بلا رؤوس ،،حرائق ،،الخسفة،، الهول ،،الجنة والنار ،،الإيمان والكفر ،،اخذت بالتراجع الى الوراء ,تمنت من الليل ان يعود ويتراجع الضياء شكلها كان قبيحا في سفح التل جلست وحيدة حيث بينها وبين الوادي مسافة طويلة قطبت جبينها, وصمت وجهها, وارتمت في خيط الطريق تتبعت خطى الطين الى الوراء تذهب في كل اتجاه ،،حارت عينها وهي تجول في الاتجاهات البعيدة….وخيط الطريق يحنو اليها لعلها تعود به ،، جاءها صوت العجوز وهي تناديها من بعيد كان بعيدا جـــــدا …


















