النقيب وإنفعالات السياسيين

376

النقيب وإنفعالات السياسيين

شيء من الحرج يصيبنا عندما نتابع مواقف وتصريحات السياسيين العراقيين، فلغة الاتهام، والشتائم الضمنية والصوت العالي، أصبحت من سماتهم برلمانيين وحكام، وكأنهم يريدون بذلك أن يوصلوا لشعوب العالم، بأننا كعراقيين نفتقد إلي لياقة وفن الحديث ومستلزمات التوضيح والرد، إلا بالصراخ والتهديد والاتهام، ومثل هذه اللغة قد غادرتها حتي قساوسة واساقفة الكنائس في القرون الوسطي، وحاخامات اليهود في زمن النبي زكريا عندما حاولوا كعادتهم التشكيك بولادة مريم العذراء، والحق الإلهي للنبي عيسي .
فمن يتابع لقاءاتهم وتصريحاتهم علي شاشات الفضائيات وما أكثرها، يستطيع أن يسجل بوضوع تلك اللغة، بحيث بتنا نعرف عندما نسمع من بعيد بأن المتحدث هو فلان، فلا داعي لمتابعة حديثه لأنه لايخرج عن كونه سلسلة متصلة من إلقاء اللوم علي الأخرين واتهامهم بضياع العراق وصولاً للتهديد بحرب طائفية، واصبح المحاورون لايحتاجون لفن الحوار ولا للغة الكشف عن المضمون، فهؤلاء الرجال وغيرهم مستعدون للكشف عما تخزنه عقولهم الباطنية بسهولة والانتقال لشتم واتهام من يختلفون معهم بأسرع من شربة الماء .
المشكلة هنا ليست في هؤلاء فقط، وإنما في بعض كتاب الاعمدة في بعض الصحف العراقية، فهؤلاء يتصورون بانهم يصوغون احرف القرأن للقراء، وليست كتابات أقل مايقال عنها تفوح منها رائحة الطائفية النتنة، فلم يتورعوا عن قول هؤلاء، كأن المواطنة والوطنية العراقية إنتفت من قاموس هؤلاء الكتاب، ويريدون العودة بنا إلي داعس والغبراء .
كنا ولازلنا نتمني أن نسمع من الأخرين، بأن سياسيونا يتقنون فن الكلام، ومهما أشتدت الخلافات بينهم، وهذه حالة طبيعية في العمل السياسي، يبقون علي توازنهم، ولكن المشكل هنا غير ذلك، فهم يحولون الخلافات إلي عداوات ويحاولون بكل الوسائل نقلها من حواضنهم السياسية إلي الشارع العراقي، ويريدون بكل الوسائل المتاحة لديهم أن يصطدم الشارع بين هذه الجبهة وتلك، لكي يثبتوا للأخرين بأن قوة ضغطهم قادرة لتخريب أي شيء إذا ماتحققت مشاريعهم واهدافهم، وهذا السلوك السياسي الغوغائي هو الذي جعل سليماني قائد الحرس الإيراني يتحدث عن العراق وكأنه وصياً عليه، وجعل من رئيس وزراء تركيا أردوغان يهدد بالتدخل فيما إذا نشبت حرب اهلية، وجعل من حدود ومطارات بعض البلدان العربية تسأل العراقي من أي طائفة أنت، ولايكفيها جواز سفره وهويته ..؟ .
ويمكننا القول توكيداً علي الواقع الشعبي العراقي، إن الذين يتحدثون بأسم الجهة ليس بمقدورهم بالمطلق تحريك الشارع فيها لأنه شارع وطني عراقي بالصميم وهو لاينقاد لتلك الكتل والاحزاب والكيانات التي أثبتت السنين الماضية انها لايهمها سوي مصالحها ومايمكن أن تكسبه من حواضرها السلطوية، كذلك الحال بالنسبة للشارع الأخر فهو وطني عراقي بالمطلق، لاتستطيع أي جهة وحزب وكيان أن تدفعه للصدام مع أهله، وأن هؤلاء الذين يتحدثون أو يراهنون علي أنه شارعهم، فهم مفلسون تماماً، لكون هذا الشارع أدرك ويدرك يقيناً بأن العراق لشعبه بكل فصائله الاجتماعية وقومياته المتأخية، وليس لهذه الجهة أو تلك، وهذه السنوات تحكي قصة التراجع في البني التحتية للمدن وفي الحياة العامة والمعيشية للناس، وإذا أردنا أن لانبتعد كثيراً، فأن الذي يستطيعون تحريكهم من كلا الطرفين هم هؤلاء المعتاشين علي بقايا الولائم، والذين يجعلون من البنادق المخفية وسيلة للأرتزاق ليس إلا .
إتركوا لغة الخطابات النارية في الفضائيات وفي مابينكم، وتحدثوا بهدوء مثلما يفعل نقيب الصحفيين، فمهما كتب ضده أو عنه فهو لايخرج عن لغة الكلام الهادئ المتوازن، رغم إدراكه بأن حقوق الصحفيين لم تتحقق وأن ماقيل من المسؤولين لاتعدو كونها شعارات تطرح ثم تتبخر، فيما يمكن القول إن نقابة الصحفيين تمكنت خلال الفترة الماضية أن تعقد مؤتمرات صحفية عالمية وعربية في بغداد كان العراق محروماً منها لأكثر من 20 عاماً في حين هذه الكيانات والتكتلات والاحزاب والشخصيات لم تحقق مؤتمراً واحداً لصالح العراق اللهم سوي شر الملابس الوسخة علي حبال العراق في الداخل والخارج . نحن نتمني علي سياسيينا أن يتخلصوا من لغة الشتائم والتهديدات والكلمات النارية، وأن يمعنوا النظر بقضايا الناس ومصالح البلاد، وبدون ذلك فأن تقاعدهم يكفي لكي يكونوا امراء في بيوتهم ومناطق سكناهم اينما تكون ..
جاسم مراد

/2/2012 Issue 4116 – Date 7- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4116 – التاريخ 7/2/2012

AZP02