النقاش‭: ‬غربلة‭ ‬أم‭ ‬نحت‭ ‬للحقائق؟‭ ‬ – د. محمد غاني

338

اذا‭ ‬كانت‭ ‬الحقيقة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكانت‭ ‬وجوه‭ ‬نظرنا‭ ‬اليها‭ ‬تتعدد‭ ‬باختلاف‭ ‬زوايا‭ ‬النظر‭ ‬التي‭ ‬ننطلق‭ ‬منها،‭ ‬فان‭ ‬المثل‭ ‬الايطالي‭ ‬المعروف‭ ‬«النقاش‭ ‬منخل‭ ‬الحقيقة»:‭ ‬بمعنى‭ ‬انه‭ ‬آلية‭ ‬يستخدمها‭ ‬المفكرون‭ ‬لاستبيان‭ ‬الصادق‭ ‬من‭ ‬الاقوال‭ ‬من‭ ‬الكاذب‭ ‬منها،‭ ‬سيصبح‭ ‬محل‭ ‬نظر‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬المحاورات‭ ‬الجادة‭ ‬هي‭ ‬فعلا‭ ‬غربال‭ ‬للحقائق،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الآن‭ ‬تقوم‭ ‬بنحت‭ ‬هاته‭ ‬الحقائق‭ ‬لتتبدى‭ ‬في‭ ‬احسن‭ ‬حلة،‭ ‬و‭ ‬أوجه‭ ‬مظهر‭ ‬و‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬الخروج‭ ‬باحسن‭ ‬القرارات،‭  ‬و‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬طبعا‭ ‬الا‭ ‬بعد‭ ‬تقليب‭ ‬الموضوع‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭  ‬من‭ ‬مناحي‭ ‬مختلفة‭ ‬حتى‭ ‬تتضح‭ ‬الرؤية‭ ‬و‭ ‬يعرج‭ ‬الرائي‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬الموضوع‭ ‬بفكره‭ ‬فينكشف‭ ‬له‭ ‬الموضوع‭ ‬باديا‭ ‬مترائيا‭.‬

اذا‭ ‬كان‭ ‬النقاش‭ ‬جادا‭ ‬فلابد‭ ‬من‭ ‬ليس‭ ‬منه‭ ‬بد‭ ‬ان‭ ‬يخرج‭ ‬بنتائج،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاحيان‭ ‬يطول‭ ‬بسبب‭ ‬دخول‭ ‬بعض‭ ‬اصحاب‭ ‬الاديولوجيات‭ ‬و‭ ‬الخلفيات‭ ‬المسبقة‭ ‬فيخرجونه‭ ‬من‭ ‬جديته‭ ‬و‭ ‬بالتالي‭ ‬يضحى‭ ‬نقاشا‭ ‬فارغا‭ ‬من‭ ‬محتواه‭ ‬و‭ ‬اهدافه‭ ‬فيغدو‭ ‬حوارا‭ ‬لا‭ ‬طائلة‭ ‬منه‭.‬

اجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬و‭ ‬المحاورات‭ ‬الهادئة‭ ‬الرصينة‭ ‬انه‭ ‬ينحت‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬بحيث‭ ‬تظهر‭ ‬لك‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬خضوعها‭ ‬لآلية‭ ‬النقاش‭ ‬فتبدو‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬حلة‭ ‬جديدة،‭ ‬قد‭ ‬يصعب‭ ‬عليك‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاحيان‭ ‬تقبل‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬الفكرة‭ ‬انما‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كانت‭ ‬لك‭ ‬و‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬افكارك‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عنه‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬الشهير‭ ‬انديه‭ ‬موروا‭ ‬بقوله‭ ‬«‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬ليس‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظرك،‭ ‬بل‭ ‬معرفتها»

لا‭ ‬يخوض‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬دوما‭ ‬من‭ ‬هما‭ ‬متعارضان‭ ‬في‭ ‬وجهات‭ ‬النظر،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬محاضرة‭ ‬طريفة‭ ‬انتهت‭ ‬بمداخلات‭ ‬للحاضرين‭ ‬اما‭ ‬متممة‭ ‬لبعض‭ ‬افكار‭ ‬المحاضر‭ ‬او‭ ‬مؤيدة‭ ‬أو‭ ‬مصوبة‭ ‬لبعضها،‭ ‬لذلك‭ ‬يعبر‭ ‬الكاتب‭ ‬الاسباني‭ ‬بالتسار‭ ‬جراثيان‭ ‬المعروف‭ ‬بالنثر‭ ‬الفلسفي‭ ‬و‭ ‬التعليمي‭ ‬عن‭ ‬نفس‭ ‬الفكرة‭ ‬مبدعا‭ ‬«‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬الشخص‭ ‬المقابل‭ ‬قد‭ ‬اتخذ‭ ‬الجانب‭ ‬الصحيح‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬فلا‭ ‬تتخذ‭ ‬الجانب‭ ‬الخاطئ»‭.‬

و‭ ‬لتقليب‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬لنبصر‭ ‬و‭ ‬نحلل‭ ‬اكثر‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬النقاش‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬ننسى‭ ‬رؤية‭ ‬الفيلسوف‭ ‬شهير‭ ‬ألبير‭ ‬كامو‭ ‬الذي‭ ‬خلد‭ ‬قولة‭ ‬رائعة‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬تنبه‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬آلية‭ ‬النقاش‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬تستخدم‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬موسوعية‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬و‭ ‬الافكار‭ ‬«‭ ‬يقاس‭ ‬العقل‭ ‬بالنقاش‭ ‬،‭ ‬وتقاس‭ ‬المحبة‭ ‬بالمواقف»‭.‬

حين‭ ‬نتابع‭ ‬محاورة‭ ‬تلفزية‭ ‬او‭ ‬نقاشا‭ ‬فكريا‭ ‬محتدما‭ ‬خلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬فكري‭ ‬ما،‭ ‬فان‭ ‬الغالب‭ ‬اننا‭ ‬نستفيد‭ ‬من‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬المتناقشين‭ ‬او‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المتناقشين‭ ‬انك‭ ‬انو‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬اثنين،‭ ‬فانه‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬كلام‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬درر‭ ‬و‭ ‬نفائس‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬احدهم‭ ‬اكثر‭ ‬اقناعا‭ ‬و‭ ‬اجسر‭ ‬تعبيرا،‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬دل‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬فانما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬النقاش‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬ينتهي‭ ‬بفوز‭ ‬احد‭ ‬الاطراف‭ ‬و‭ ‬انما‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جوزيف‭ ‬جوبرت‭ ‬«‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬أو‭ ‬الجدال‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الفوز‭ ‬بل‭ ‬التقدم‭.‬

مشاركة