النظـام السيـاسي الفـاعـل وإِرادة تحـقيق الديـمقراطيـة – صــلاح نــوري

النظـام السيـاسي الفـاعـل وإِرادة تحـقيق الديـمقراطيـة – صــلاح نــوري

مر النظام السياسي العراقي بعد عملية التغيير عام 2003 بازمات عدة جعلته في وضع النظام غير المستقر في ادائه السياسي والاقتصادي والاجتماعي ونتيجة ذلك كان ظهور العديد من الازمات التي هي في ظاهرها سياسية الا ان جوهرها ذو خلفية اقتصادية او اجتماعية  وقد يعود سبب ذلك الى طبيعة النظام السياسي العراقي  والذي تمثل بالنظام البرلماني  والذي طغت عليه صفة التوافقية في عملية صنع واتخاذ القرار وسن التشريعات المهمة.

ان كل تلك الاسباب المذكورة انفاً قد يكون وجودها في بعض النظم السياسية عامل قوة وليس ضعفا  ومثال ذلك نجاح تجربة الديمقراطية التوافقية في بلجيكا  سويسرا المانيا الدنمارك  السويد  وغيرها من الدول وعلى الرغم من وجود اختلافات جوهرية بين البيئة السياسية للنظام السياسي العراقي وبيئة تلك الانظمة السياسية المذكورة الا ان المحصلة النهائية ان النظام السياسي العراقي يسير وفقاً للديمقراطية التوافقية  ولكن وفقاً لمنظور الطبقة السياسية العراقية  وليس وفقاً للمنهج العلمي والاكاديمي الذي اكد عليه نهج الديمقراطية التوافقية  والذي يرتكز على اهمية تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصلحة الفئوية الضيقة للاحزاب والكتل السياسية عبر العمل على عدة اتجاهات لتخفيف حدة الصراعات السياسية بين الاغلبية والاقلية  وبالوقت ذاته العمل على اتخاذ القرارات المهمة بالتوافق واشراك الاقلية المنتخبة في ادارة الحكم دون اغفال جانب المعارضة لتقويم الاداء الحكومي .

ان ذلك الطرح يشكل رؤية حول ماهية الديمقراطية التوافقية  وكيفية جرى التعامل معها من قبل الطبقة السياسية في العراق فالديمقراطية التوافقية المعمول بها في النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 اصبحت ذات مردود اقتصادي على جميع الاحزاب والكتل السياسية  أذ عملت تلك الاخيرة على تغييب المعارضة البرلمانية  والتي يعد وجودها  امر مهم لتقويم اداء عمل الحكومة عبر الرقابة البرلمانية  ومحاسبة الحكومة على اداءها وفق البرنامج الحكومي المطروح.

  فعملية اشراك الجميع في ادارة الحكم عبر السلطة التنفيذية سوف يفتح الباب على مصراعيه للاحزاب السياسية للعمل على كسب النفوذ والسلطة دون وجود ادارة حقيقية موجهة لبوصلة النظام السياسي العراقي والاداء الحكومي  وبالتالي سوف تكون مخرجات العمل الحكومي عبارة عن المصالح الخاصة للاحزاب والكتل السياسية بسبب غياب القنوات الوسيطة في نقل مطالب الجماهير الى السلطة السياسية  وابرز تلك القنوات الوسيطة هي احزاب المعارضة  والتي انصهرت فعلياً في داخل الادارة الحكومية بسبب سوء استعمال مفهوم الديمقراطية التوافقية  وتعد جماعات الضغط ايضاً من ضمن القنوات الوسيطة الا انها مغيبة تماماً او غائبة عن تفاعلها مع النظام السياسي العراقي لاسباب عدة لعل من ابرزها عدم تبلور رؤية ناضجة لماهية النظام السياسي الاصلح للعراق بعد مرور سبعة عشر عاماً على عملية التغيير السياسي .

نظام سياسي

اذ ما زال النظام السياسي العراقي ذا طبيعة برلمانية  وتمثيلي الصبغة والتي اثبتت تلك الوصفة فشلها في العمل داخل بيئة النظام السياسي العراقي على كافة الصعد فبدلاً ان يكون ذلك النوع من الديمقراطية جاذباً للحلول الانية والسريعة لمختلف الازمات الخانقة التي يعاني منها النظام السياسي العراقي  اصبح مصدراً رئيساً في تصدير المشكلات لبيئة النظام السياسي بسبب ارتباط النظام البرلماني اصلاً بوجود عدد من الهياكل والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية  والتي تجعل من عملية صنع واتخاذ القرار ياخذ الطابع المعقد في عملية انجاز بعض القوانين والتشريعات المهمة.

 فاذا ما كان هناك مشروع لقرار مهم فان العملية البيروقراطية والمساومات السياسية بين الاحزاب والكتل السياسية سوف تكون حاضرة بكل شواخصها وبقوة  وبالتالي انتاج نوع من الاليات المعطلة او المؤخرة لعملية اقرار بعض المشاريع المهمة  وهذا يحتاج الى نوع من السرعة في انجاز الاجراءات الادارية وتقديم التنازلات المتبادلة غير المشروطة من قبل الاحزاب والكتل السياسية لتسهيل عملية انجاز  ومرور المشاريع المهمة لاسيما تلك التي تمس حياة المواطن البسيط.

  واذا ما لاحظنا دورات البرلمان سواء الحالية ام السابقة فاننا سوف نجد ان جميع التشريعات والقوانين التي دأبت السلطة التشريعية على انفاذها لم تكن بمستوى الطموح للمواطنين بحيث يشعر المواطن ان هناك تحسن على المستوى الاقتصاد او التعليم او الصحة او السكن فضلاً عن غياب الرؤية عن كيفية تحقيق التنمية المستدامة للمجتمع العراقي  فكان جل هم صانع القرار التشريعي هو تشريع او تعديل بعض القوانين السابقة التي هي ابعد ما تكون لحاجة المواطن واقرب ما تكون لحاجة الطبقة السياسية  وهذا بحد ذاته يخلق نوعا من النفور السياسي لدى المواطن مما يؤدي مستقبلاً الى العزوف عن المشاركة السياسية  وبالتالي سوف تفتقد العملية الديمقراطية حلقة مهمة من حلقات اكتمالها الا وهي ورقة الناخب والتي لها التأثير الاكبر في تأكيد شرعية النظام السياسي ام لا فعملية عدم المشاركة في التصويت الانتخابي والاقبال الضعيف على المشاركة  الانتخابية سوف يولد اسئلة جوهرية مهمة حول شرعية النظام السياسي  فالاقبال اذا ما كان ضعيف يدل على وجود خلل في جسد النظام السياسي  وبالتالي يجب على الطبقة السياسية الحاكمة العمل على معالجة ذلك الخلل قبل فقدان النظام السياسي شرعيته.

شرعية نظام

فأذا ما ارادت الطبقة السياسية تعزيز شرعية النظام السياسي فعليها  بتقوية اواصر العلاقة بين المواطن والحكومة عبر العمل على اشراك المواطنين بصورة مكثفة في عملية صنع واتخاذ القرارات التي تخص مصيرهم ليكون بذلك القرار صادر بصورة تشاركية من صميم البيئة التي تعاني من وجود الازمات والمشكلات  وتوجد ضرورة ملحة لتخفيف الحلقات الزائدة في العملية الادارية  واهمية تسهيل الاجراءات الادارية عبر تفعيل نظام اللامركزية الادارية واعطاء سلطات واسع للمحافظات في اتخاذ القرارات التي تمس الصالح العام للمواطنين لتوفير الخدمات وتحسينها ليشعر المواطن بان هناك احساس و مسؤولية مشتركة تقع عليه نتيجة ماتقدمه الحكومة له من خدمات وهنا سوف تصبح المسؤولية تضامنية وليست ذات اتجاه احادي فمثل ما على الحكومة الحق في توفير فرص العمل للمواطنين والخدمات المتكاملة هناك واجبات على المواطن منها ضرورة المحافظة على الممتلكات العامة والخاصة  وصيانتها  وضرورة احترام القوانين النافذة  والمشاركة الفاعلة في قضايا المجتمع الحيوية  والمساهمة في خدمة وانماء فكرة المجتمع المحلي عبر المشاركة في المبادرات التي تعني بالاعمار  والتكافل الاجتماعي فضلاً عن كون ان المواطن هو جزء من الدولة  كونه يقع في قاعدة الهرم للدولة فالمسؤولية تكون كبيرة نظراً لما يتحمله هرم الدولة من عبئ كبير مروراً بالمجتمع الذي ياتي في وسط الهرم الذي بدوره يكون بمثابة حلقة الوصل بين الفرد والدولة.

اذن عملية ايجاد نظام سياسي فاعل في المجتمع يحتاج الى وجود عدد من العناصر المترابطة  ولكي تكون تلك العناصر متفاعلة مع النظام السياسي يجب ان يعطي النظام السياسي اهتماماً كافياً بتلك الاجزاء المهمة اي الفرد والمجتمع لتحصل عملية التفاعل بصورة سلسلة  ولكي ينتج عنها اداء سياسي مؤثر للنظام وسط البيئة المحلية وتحقيق الارادة الديمقراطية وتفعيل المحركات والدوافع لنمو وازدهار الديمقراطية بدلاً من وضع العوائق والكوابح في طريق عجلة النمو عبر اختلاق المزيد من الازمات السياسية  والتي يكون المتضرر الوحيد منها هو الفرد والمجتمع بصورة رئيسة.

مشاركة