النص وبنية النسق التاريخي – جاسم عاصي

634

النص وبنية النسق التاريخي – جاسم عاصي

تمهيـــد

إن علاقة الرواية بالتاريخ علاقة جدلية قائمة على طبيعة الوظيفة، فإذا ما نظرنا إلى البنية التاريخية خارج منطقة المدوّن من أحداثه، ومن ثم النظر إلى الشفاهي من مجرياته التي تُتيح للروائي إمكانية ربط تلك الأحداث بما يمليه المنظور الذاتي والمخيّال السردي، فسنقف على التي تُحدد هذه العلاقة، أي الأساليب التي من شأنها خلق بنية مُتصَورة للتاريخ، بالاستفادة من المسكوت عنه من أحداثه. فالرواية تتعامل مع الزمان من باب المتغيّر والمؤثر منه، وتتعامل مع المكان كونه يصوغ تاريخ الشخصيات. وكذلك مع الشخصيات بوصفها ذات محمولات خاصة أغفلها المؤرخ عفوياً أو بقصد الموقف الفكري، فأن التحليل ومتابعة الأفعال وردودها أهم ما يعنيه الروائي بكل الحالات . من هذا نجد أن العلاقة قائمة بين الرواية والتاريخ من الممارسة التطبيقية أنساق مختلفة تنتجها الطبيعة الملزمة ذاتياً لكلتا الوظيفتين. لذا فهي حاصل تحصيل للعلاقات الزمانية والمكانية في ما هو ماض. لكن المتغيّر في مثل هذه الممارسة، هي الكيفية إزاء اشتباك هذه الوحدات (الزمان، المكان، الشخصيات، المخيّال) وخارج هذه الوحدات يكون عبارة عن مدوّنة (سيرة تاريخية) تتوفر فيها الأمكنة والأزمنة والشخصيات، لكن علاقة السرد معها محدودة بالتوصيفات حصراً دون الخوض في جمالية المبنى.

سيرة التوظيف للبنية التاريخية

لعل سيرة التوظيف في سردياتنا العربية ذوات الاتجاه الفني، يبدأ من دخول (نجيب محفوظ) إلى تاريخ مصر القديم من خلال سلسلة روايات خصت (الأحداث، الشخصيات، أنظمة الحكم) عبر تحليله لشخوص كانت علامات في تاريخ مصر، بحيث هيأ لها مناخات روائية عكست نوع المنظومات التي كانت تربطها وتنظّم حياتها سواء كانت في ما يخص رموز الآلهة، أم ممن تكون مكوّناتهم مزدوجة حاضرة في التاريخ، ولها حضور في زمان الرواية من خلال الدلالة، بوصفهم إشارات استثمرها الكاتب للتعبير عن مجريات تلك العصور. وثاني هذه الممارسات هي روايته (أولاد حارتنا) فهي رواية ذات خاصية تاريخية، معنية بالتاريخ العام لتشكّل التاريخ البشري. لكن الذي ميّزها في كوّنها شخصياتها تماثلت مع نماذج مسحوقة اختارهم الكاتب من داخل حراك الواقع اليومي التاريخي، أي أسبغ عليهم الصفة الشعبية. لذلك حصل عليها اعتراض من قبل الخطاب الديني آنذاك. ولعله استعاد التجربة من جديد برواية (الحرافيش) ولكن بمنظور روائي مختلف، بدا أكثر اهتماماً بالخصائص الأخرى للرواية من حيث وظيفتها الفنية قبل التاريخية. حاول خلالها أن يقرّب التاريخ من المبنى الأسطوري عبر الحرث بخصائص نماذجه في الحارات المصرية، خاصة تشكّل شخصية الناجي وعبوره من الواقع إلى مستوى الخيال الذي صاغ نموذجه الأسطوري. فالرواية خلاصة لتجربته في روايات مثل (أولاد حارتنا، خان الخليلي، زقاق المدّق) إن نجيب محفوظ تتجدد نظرته لما حوله، وخاصة إلى التاريخ، مما يدفعه إلى إعادة كتابة ما عمل عليه، ولكن بصيغ جديدة. وهذا يشمل (ثلاثيته) أيضاً.

 التوظيف الأسطوري

في سردياتنا العراقية كما لا يغرب عن الذاكرة لتوظيف الأساطير وبنى التاريخ، وقد تابعناه من خلال جملة دراسات تبلورت في كتاب مخطوط تحت عنوان (المجاورة والابتكار) بجزئه الأول. فالتجارب العراقية ابتدأت من بعض كتابات القاص الرائد (جعفر الخليلي) واستقرت في رواية (بطاقة اليانصيب) للكاتب (فلك الدين كاكائي) لكنها شاعت وتوسع حراكها ما بعد تسعينات القرن العشرين بسبب تأثير أحداث عام 1991وتأثيرات فترة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها على الشعب العراقي. وكانت التوجهات مختلفة والخصائص الذاتية لتجربة الكتابة متباينة ومتنوعة. تعتمد على فهم مثل هذه الممارسة في الكتابة أولاً، وفهم المبنى المعرفي المستعيد لثيمة التاريخ ثانياً. كذلك قدرة الكاتب على تمثل ذلك ثالثاً. من هذا نستطيع تأشير هذا عبر فرز النصوص التي تعاملت مع تاريخ الأسطورة من باب تكرارها واستعادتها من جهة، وقدرتها على تكييفها بما يمتلكه من إمكانية من جهة أخرى. أما في جانب استثمار الأسطورة من خلال الاستفادة من تسلسلها التاريخي، للتعبير عن تاريخ التشكّل العام للوجود البشري، فقد كان متمثلا ً في القصة الطويل (الطائر زو) للقاص (محمودة جنداري) حيث تعاملت مع التاريخ العام منذ تشكّل الوجود الأول مروراً بكل الحقب والأزمنة والعصور، مستفيداً من شفرات التاريخ، سواء كانت الأحداث أم الرموز الأسطورية. وهي ومن ثم وضمن هذا التسلسل المنطقي لتاريخ العصور أزاحت الغطاء عنها للتعبير عن الأسباب والإشكالات التاريخية التي أدت إلى اضمحلال عصر وحضور عصر آخر. ولعل الهدف السياسي المتوسل بالحضاري كان العلامة السردية التي اتكأ عليها (جنداري) متخذاً من الطائر (زو) علامة تاريخية تخص النظم والعلاقات القانونية التي واكبت صعود الطائر بالشرائع وهبوطه إلى الأرض.

مدن الهلاك والشفرة الأوسع

كل ما تقدم كان بمثابة سبيل الوصول إلى رواية الكاتب (علاء مشذوب) المعنونة (مُدن الهلاك) وهذا العنوان خص به المُدن وصولاً إلى العصور في التاريخ. فالعنوان شخّص طبيعة البنية المشكلة لتاريخ المُدن وتطورها إلى بنية قاتلة بدلالة مفردة (الهلاك) الواصفة .وهو توصيف سابق للمتن. إذا ما نظرنا إلى الثريا على أنها شفرة توحي بما يضمره العنوان من معنى. ولعل الكاتب وصّف مُدنه التي سوف يدوّن حراكها، ابتداء ً من تشكلها عبر تشكّل الشخصيات أو الرموز التاريخية، التي أراد لها أن تكون متماثلة اسماًء من البنية الأسطورية للرموز وليس الوظيفة، أي دون الخوض في تفاصيل تخص بنيتها الفكرية والحضارية العامّة، ومنها السياسية. لأن من خاض في غمارهم كرموز في التاريخ الديني والحضاري كالآلهة كانت لهم تأثيرات في بنية تشكل المجتمعات ومن ثم المُدن ومنظوماتها الثقافية ومنها السياسية. إن الاقتصار على الأسماء فقط مدعاة إلى تشفير مفاصل التاريخ وخلق تشكيل منطقي مفترض للوصول إلى التشكل غير المنطقي الأسطوري. ذلك لأن الأسطورة تعتمد على زمان ومكان مفترض، وهو جزء من التاريخ أيضاً. لكن الرواية اكتفت بتسلسل تاريخها المفترض من خلال الاتكاء على رموز مستدعاة أسمائها من التاريخ الأسطوري، لا تسقّط أفعالها المؤثرة. وكما سنرى ؛ خلقت تداخلاً تاريخيا ً وعلامات في ما اختارت الرواية بالنسبة للشخصيات القائمة، والعمل على أرخنتها دون المساس ببنيتها التي هي جزء من منظومة عامة تشكّل المجتمعات ،والمتأتية من تاريخ الجماعات. لذا نجده قد اكتفى بخلق الأسباب التي أدت به إلى وضع تسلسل متخيّل لواقع تشكّل تاريخ البشرية. وهو بهذا لم يبتعد عن تأثير المخيال السردي، الذي هو أهمّ ركيزة في بناء الرواية في كل تشكيل وحداتها الأساسية. إن الراوي لمفاصل التاريخ في النص، عمد إلى أن يوفر الحاضنة الأساسية لتوالي الحُقب، واعتبر بروز الشخصية دالّة على مثل هذا التشكّل، معتمدا ً على نوع من التداخل والتناص كما سنرى. وهو تناص مكّنه من خلق أجواء ساعدت على أن تضع تاريخ الجماعة المنبثق من تاريخ الأفراد أساساً لتشخيص الصراع الدائر في التاريخ. وهو في مجمله تاريخ اقتصادي ــ إنتاجي بحت. فتشكيل الشخصية وانبثاقها في أحداث الرواية وحقبها محكوم في اختيار المبنى الاقتصادي، وحصراً يكون إما تجاري أو زراعي. أما تأثير الرعوي فقد كان هامشياً .

إذا كانت أحداث الرواية تتناص مع أحداث التاريخ القديم، فأنها أيضاً تتناص مع نماذج في التاريخ. وذلك عبر التشجير الذي رسمه لكلا القسمين في الرواية. حيث أتى التقسيم على أساس تطور المتن القبلي وتفرعه عبر العصور. إن توظيف الأسطورة والتاريخ بالمطلق هو نوع من التناص الذي يستلزم الانزياح عن النص الأم. وهو حسب (جينيث) تمرئي في طُرس سابق بعد المحو للأصل. و(مشذوب) حاول خلال نصه ؛ أن يتعمد على أن يتناص مع التاريخ كما ذكرنا، وبشكله العام. كذلك مع مفاصله المتباعدة. الأمر الذي خلق لديه نوعاً من التداخل الواعي في الكتابة. بمعنى حاول أن يضع لروايته ثوابت معيّنة وضع وفقها مساراً للتاريخ، بقدر ما أراد تحقيق المعنى لما تفرزه العصور من نتائج، هي سمات أساسية لهذا العصر أو ذاك. وهو بذلك اختلف عن (جنداري) الذي اكتفى بالشفرة التاريخية، بسبب الحذر من سلطة الرقيب. بينما نجد (مشذوب) يتوسع في عكس حراك التاريخ عبر تشكيلاته الاقتصادية . ولنبدأ برحلة (هرقل) الجد، حيث تناصّت شخصيته مع شخصية (يعقوب) وهو يقصد خاله (لابان) واتصاله بـ (راحيل) ومن ثم أختها (ليئة) فقد تزوج الأختين (راحيل، ليئة) معا ً وعلى زمنين متباعدين. لكن (هرقل) تزوج الاثنين (فينوس، جميلة) معاً في نفس الزمن. ويعقوب اشتغل في أرض ومراعي (لابان) مقابل الزواج هذا و(هرقل) كذلك وهي شروط فرضها الأب في كلا الحكايتين. كذلك تناصّت شخصية (هرقل) مع شخصية الحكيم البابلي (دانيال) مع (نبوخذ نصر) في الكشف عن حلمه وتفسيره نفس الحلم الذي فسّره يوسف لقوطيفار. ولعل (عمورا) كان ابن هرقل مقابل (يوسف) من راحيل، و(أمورا) ابنه من جميلة مقابل (رابوئين) من ليئة. هذه التناصّات لم تشكل إلا غنى للرواية المتأتي من نبع الأحداث التاريخية، وهي دالّة على القدرة واللعب بالتاريخ من منظور ذاتي.

فمثلاً كان (حمورا) مع أمه مقابل (هاجر وإسماعيل) بدلالة ما يلي :

  (أما حمورا فقد عانى الكثير من أمه في بداية تأسيسهم لحياة جديدة في

وسط الجزيرة. وأخطر مرحلة مرا بها هو نضوب الماء، و هم في

وسط الصحراء وقاربا الموت إلى أن وصلا إلى نبع واستطاعا النجاة )

وفي مكان آخر، تناصّت الشخصيتين مع حياة جدهما هرقل في :

{ جلس حمورا وأمه على أحد جوانب المعبد الكبير، يترقبون هذه

الأحداث بشغف، وبعين المكتشف الجديد . وقد أخذ منهم الجوع

والعطش مأخذاً. وصادف أن مرَّ أحد أعيان المنطقة . هذا ما بدا على

هيئته ومن العبيد المحيطين به. توقف عندما نظر إليهما بعين المستطلع

ثم قال :

ـــ أنتم غرباء أليس كذلك ؟

ـــ نعم نحن من أرض بابل .

 ـــ وماذا تفعلون هنا ؟

ـــ جئنا للسكن والعيش في هذه المنطقة .

ـــ وهل عندكم قبيلة تأوون إليها ؟

ـــ لا … لا نعرف أحداً ).

الرؤى المشكّلة للنص

لعل رؤى الكاتب، عملت على تشكيل النص وفق متوالية خاصة، تداخلت في حاضنته الأحداث والشخصيات، والمفارقات دون مراعاة تسلسلها المنطقي. مستفيداً من التسلسل الأسطوري الذي قد يجوّز إلى حد ما مثل هذه الممارسات من أجل منح المعنى للنص من خلال نتائج صراعات الجماعات في التاريخ. فالرواية خطاب سردي اعتمد الإخبار في السرد، بحيث بدت الرواية بمثابة نموذج تاريخي توثيقي، من خلال ابتعادها عن تحليل مصدر الخطاب، وسلوك مبررات ظهور الآباء والأبناء والأحفاد، محققاً بذلك نوعاً من قدرية المصائر الأسطورية التي تواجه النماذج في التاريخ. وكثيراً ما تكون جرّاء متغيرات الطبيعة التي تخفي نماذج وتُظهر أخرى بديلة. والنموذج الأساس والمؤسس للعائلة المتفرعة، يتطور من خلال الضياع والفقدان لمقومات الحياة، ثم لقائه بالصدفة بالذي ينقذه من هذا الضياع. وكأن التاريخ لا يُفسّر إلا بهذه الطريقة. إن المؤلف أراد لنسق نصه أن يساير جدلية التاريخ، فوقع في ظاهرة خارج العلة والمعلول، السبب والنتيجة التي تطلبتها مراحل التاريخ، كذلك تتطلبها الرواية التي هي جزء من التاريخ كمدوّنة . نجد أن الرواية بتوالي أحداثها ومراحلها التاريخية، قد حققت خصوصية في الطرح. وهي خصوصية الكاتب ورؤيته في توظيف كل ما يُدعم النص، ومنها جانب الأسطورة، الذي وجده مجالاً حيوياً يتمكن من خلاله التعبير عن رؤيته للعالم وتشكلّه، وتحقيق نظرته لأسس الوجود. والدليل على ذلك طريقته في طرح التاريخ عبر تداخله أولاً، ثم إحداث انزياح على المكوّن الأسطوري والتاريخي ثانياً.

إشارات يمكن قراءتها

ثمة إشارات وردت في سياق متن الرواية، وهي كثيرة، نقتطف منها ما يمكّن القراءة على أنها علامات تؤكد حضور نوع أحداث ورموز التاريخ. ومنها :

{ استقبلوا استقبال الأبطال، وعمَّ المدينة الفرح واستعادت الحياة نشاطها من جديد، وبدأت الأرض تستعيد عافيتها وزرعها. وكذلك اقترح بعض العبيد من الذين أتوا بهم أسرى من ساحل البحر الأبيض المتوسط بأن يبنوا سدوداً على النهر} وفي هذا يعني بكل الأحوال بالعبيد اليهود الذين بنوا برج بابل. وهو نوع من تناص مع حدث تاريخي أيضاً استفاد منه الكاتب لتحقيق رؤيته. وهو ما قصدناه بالتداخل في أحداث ومجريات التاريخ في الرواية .ولكي يُعبّر عن حالات وظواهر معاصرة، عمد إلى تغذية تاريخ الشخصية بما يُحقق هذا المعنى :

{ كانت في عمومها ــ ويقصد القوانين ــ تنح إلى بناء مجتمعي مدني يقوم على أساس القانون وحماية الممتلكات العامّة وينظّم أمور المجتمع. والمهم من كل ذلك لم يزعم الملك الجديد أنه سليل الآلهة أو صاحب ذات إلهية، ولكنه أدّعى أنه قريب من الآلهة إلى درجة الخليل }.  وهذا أيضاً شمل التحوّلات في المرافق الإنتاجية، من زراعية إلى نمط التجارة والتبضع. وهي أسس اعتمدها حراك التاريخ منذ قصة صراع (قابيل وهابيل) .

لقد حفلت الرواية بصراعات كثيرة عبر التاريخ المفترض تارة، والتاريخي تارة أخرى. محققة بذلك مدوّنة سردية تمكّنت من صياغة التاريخ بتدوين روائي يختلف تماماً عما يعمل عليه المؤرخ .

المخيّال السردي

إن ما يرفد مثل هذا التوجه في كتابة الرواية ؛ هو المخيّال الذي يصوغ كل مستلزمات النص وفق مدوّرة يُفعَل فيها البناء المفترض والمتصوّر، وبما يغذي النص بالأسس البديلة. وهي في هذا أسْسَسَ الأسطورة المجتمعة على وحدات (الزمان، المكان، الرموزــ الشخصيات ــ) ولعل المؤلف (علاء مشذوب) في مدوّنته هذه توّفر على شروط تفعيل المخيّال السردي، بما يتوافق مع الإطار العام لكتابة رواية متماسكة، لا يخلخلها الوهن في مفاصل أسطورته التي أرادها أن تعكس تخيّله للعالم وأسس تشكّله الأولى. وقد نجح في تصوري كثيراً ؛ لغة وأسلوباً وبناء، سواء للشخصيات أو للأمكنة أو الأزمنة المتعاقبة. خاصة تجريد الشخصية في متعلقاتها العميقة، أي جذورها. فقد ساير نسقها في الوجود، معتمداً تأثيرات جينية، كما حدث من تأثير عام لكل النماذج التي ظهرت في متن الرواية، والمتمركز في تأثير الجيني للمؤثر الأول (هرقل) الجد .

مشاركة