النسيان … نعمة أم نقمة ؟ – شاكر عبد موسى الساعدي

435

النسيان … نعمة أم نقمة ؟ – شاكر عبد موسى الساعدي

بعد سوقنا عام 1975 إلى مدرسة قتال الفرقة المدرعة السادسة في جلولاء أجتمع بنا ضابط التوجيه السياسي وقال بالحرف الواحد ( أن العمل الحزبي في الجيش ممنوع وأنه حكر  على الحزب القائد فقط ) رغم وجود الجبهة الوطنية آنذاك،وعند اعتراض أحد الأخوة عليه بصوت منخفض عاقبنا عقوبة صارمة بأن أستدعى مجموعة من القوات الخاصة لتقوم بتأديبنا ركلاً بالأيدي والأقدام ,وإلقائنا في مستنقع الأوساخ.

وعلى الرغم من معارضتنا للنظام ألبعثي في حينه لكننا لم نرتبط بدولة أجنبية أو نحمل السلاح ضد أبناء شعبنا المبتلى بالقائد الضرورة وحزبه الفاشي. لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش وحده في هذا الكون الفسيح،ولا يقضي احتياجاته اليومية إلا بمساعدة الآخرين،ولا يصير متعلماً إلا بمعونة عالم ينير له نور العلم،ولا يستأنس إلا بجانب إخوانه وعائلته ،لأنه منذ بداية الخلق وهو محتاج لغيره،فآدم أبو البشرية عليه السلام خـُلقت من ضلعه حواء قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)،وهذا يعكس مدى جوهر التعايش الذي يحتاجه الإنسان من أجل التعاون والتعارف،الذي يهدف إلى السلم والسلام .

نعم أنها ثقافة النسيان أو كما تسمى نعمة النسيان الذي بعده  البعض نعمة أسبغها وأغدقها الله على عباده،لمَا فيه من المزايا والمحاسن العديدة،فهو يتيح إمكانية فقدان الذكريات السيئة والمفجعة التي تمرّ على حياتنا،فبدونه تظل المعاناة والمأساة قائمة لا تنتهي إلا بانقضاء حياتنا من هذه الدنيا التي نعيش فيها.

ومهما يكن من أمر فإن ثقافة النّسيان ،صارت مستشرية بضخامة ليس فقط عند الناس الذين بلغوا من الكبر عُتيّاً،كما هو في حالتي ،لكن أصبح فقدان الذاكرة مرضاًٌ منتشراً حتّى في أوساط الذين يتمتعون بصحة جيدة،إنه داءٌ لا ينفع معه دواء سوى الاتصاف بثقافة التذكّر والاستذكار،والقراءة الدائمة ،وشد الرحال إلى شارع المتنبي كل صباح جمعة ،فلقد سئمنا من الادعاء بأننا مصابون بهذا المرض،فالإنسان ميّال فقط إلى تذكر حقوقه في حين أن واجباته ينساها على حد قول الزعيم القومي الهندي المهاتما غاندي ( 1869- 1948).

فهناك من ينسى ما أكل البارحة،ويلبث طويلاً في امتحان ذاكرته الميّتة من أجل العثور على طعام وحين يتذكر يجد نفسه أنه لم يأكل أصلاً،وهــــــناك من يأتيه نسيانٌ كلّي لاسيما عندما يحـــــــصّل على وظيفة حكومــــــية مناسبة،فينــــــسى أصدقاءه ورفقاءه الذين قضى معهم أزهى فترات طفــــــولته،وحين يلاقيهم صدفة يتصرف كأنه لم يعرفهم البتّة.

وهناك من نسيت زوجها حينما كان يُنفق عليها بكرمٍ حاتمي رغم أنه لم يجعلها يوماً في مسيس لأدنى حاجةٍ أو شيء،وما إن تعرّض لأزمة مالية مباغتة حتى انقلبت عليه انقلابًا مفاجئًا،كأنها لم تر منه إلا الويل والعوز.

وثمّة من يسمح في زوجته التي ضحّت وصبرت معه سنين الحروب والحصار ،ولمّا ترفّع مالياً وترقى وظيفياً ،وابتسم له السّعد والحظ ،تزوج عليها بين غُدوة وعشيّة بواحدة أخرى كي ينسى معيشة الضّنك التي قضاها مع الأولى،كما فعلت أنا .

وهناك من يأتيك كطفلٍ وديع وكيّس خاصةً عندما يرغب في أخذ حاجته منك،وعندما ينال مبتغاه ومنتهاه يصاب فجأة بالنّسيان وتتلف ذاكرته الحيّة والميّتة،كأنه لم يلجأ إليك يومًا قط ،فيتحول من ذلك الطفل الظريف إلى شخصٍ سمجٍ ووقح.

كذلك بعض الأحزاب السياسية المسيطرة على الساحة العراقية تسطّر برنامجها الانتخابي بوعودٍ تُسيل لعاب المنتخِبين،وحين تعتلي هذه الأحزاب سُدّة القرار سرعان ما تنسى أولئك الذين صوّتوا لها،كأن النسيان في نظرهم هو أفضل وأرقى انتقام ،ويكتشف الناس في وقتٍ متأخر أن وعود هذه الأحزاب كانت كوعود عُرْقوب في الجاهلية،وهكذا نسى العراقيون البكر وصدام وعلاوي والمالكي والعبادي.. وسوف ينسون عادل عبد المهدي وبرنامجه الحكومي في المستقبل القريب ،فالنّسيان ليس نقمة أو نِعمة تَقينا من الجفاء والنكران فهو شرٌ مبين بعض الأحيان.

مشاركة