النسويّة العموميّة والنأي عن التبعيّة

 

 

النسويّة العموميّة والنأي عن التبعيّة

نادية هناوي

النسويّة العموميّة مفهوم ثقافي لتصور جماعيّ عقلانيّ وموضوعيّ، فيه للنسويّة قطبان: الأول تمثله المرأة كمفرد والآخر تمثله النساء كمجموع. وباستقطاب أحدهما للآخر تأملاً وترقباً وتوازناً وجذباً تغدو النسويّة عموميّة حيث المجموع لا يحوز على مكانة الفرد، والكل لا يسود كنظام على حساب الجزء؛ بل المجموع يكمل واحده وهو المرأة المعبر عنها كينونة غير منفصلة عن هذا المجموع ولا مجتزأة سواء في امتلاك أفكارها التي تماشي طبيعتها أو في التعبير عن نفسها مستقلة في نزعاتها ونواياها ومؤثرات وعيها وبخيوط فكرية حركية ووجهات نظر جوهرية مشبعة وموسعة، فيها يغدو المجموع النسوي عاكسا المرأة في انفرادها وموطدا انعكاس النساء في هذه المرأة أيضا. وحينها تكون مبررات توحد الجزء بالكل هي نفسها مبررات استقلال الجزء عن الكل، ومن ثم لا تُشطَر النسوية العمومية ولا تُقطع ولا تتناقض؛ بل هي المرأة مفكرة في نفسها لنفسها بانية ذاتها من خلال خصخصة شخصيتها متحصنة ومرئية غير متماهية ولا مغيبة. فهي ليست عابرة ولا مفرطة بلا نظام هارموني ينتمي لنظام نسوي هو دائم ومبجل ومتوازن ومزدوج وواقعي، يعترف بالمرأة كيانا منه يتشكل الجوهر والتاريخ.

فالنسويّة العموميّة رؤية متبادلة لمجموع نسوي شمولي ذي قوى محورية، ليس فيها نكران للذات المفردة التي هي في صيرورة مع الذوات التي تشبهها عاملة للحاضر ومستشرفة المستقبل مشكلة النظريّة والتطبيق، متجاوزة هفواتها ومعالجة شروخ كيانها، مصححة مسارها بما يلائم تجاربها ويماشي أغراضها وتطلعاتها، مقدمة المرأة لغة وهوية وانتماء وكيانا مستقلا ومتماهيا في الكليّة النسويّة. وما بين الفرديّة والكليّة تتكامل النواقص وتستكمل الاحتياجات وتغدو النسويّة العموميّة مشروعا فكريا وإستراتيجية عملية في داخلها وخارجها، وفي وسائلها وأغراضها الحسية منها والتجريدية، حاضرا ومستقبلا، تاريخا واجتماعا، تفصيلا وإجمالا. فتتوطد بالنسويّة العموميّة قواعد الفكر بدينامية الواحد في الكل والكل في الواحد.

فكر محوري

وما من شيء يمنح المرأة توكيد ذاتها مثل أن يكون فكرها محوريا ومستقلا، به تدلل على وعيها وأهمية دورها وتأثيرها في ما حولها، ومن خلاله أيضا تثبت تمتعها بقابليات فكرية تنطوي على سمات متنوعة ومتجانسة فيها النسويّة هي الهيكل والتصميم وهي المادة والصيرورة.

ولولا الفكر المحوري ما كان لفرجينيا وولف أن تنتج أعمالا ابتكارية نسويّة، فيها أمسكت بزمام الإبداع سرداً وتأليفاً من دون أن تتركه ينفلت من يديها، مدللة على موهبتها من خلال فكرها الذي به نظمت شظايا وعيها، صانعة منها جوهرها الذي ينم عن فكرها النسوي معبرة عنه في رواياتها بجلاء وعقلانية على ما فيه من أشباح الغموض والإبهام.

وهو ما قد نجد بعضاً منه في روايات اسندَ فيها كتّابها الرجال إلى المرأة أدواراً بطوليةً كما في مدام بوفاري وآنا كارينيا انطلاقا مما لدى هذه المرأة من أحلام راودتها فجعلت منها صاحبة فكر محوري به أكدت رؤيتها للحياة كطبيعة وأحداث ومحصلات أخلاقية واجتماعية، متخذة قراراتها بمسؤولية وسائرة نحو نهايات نسوية منطقية في رؤية الحياة بأسرها أو جنونية رؤية الكارثة والاحتدام بها شخصياً.ويخدم الفكر المحوري النسويّة العموميّة من ناحية تجسيده لأغراضها كفكر حر ذي علاقات مترابطة وخطوط متبادلة، به تدافع المرأة عن نفسها مثلما تدافع عن غيرها وتتكلم على غرار ما تكتب، وتتعاطف حين يقتضي منها الموقف التعاطف ولكن باستحكام، وتتقارب حين يستدعي منها الموقف التقارب لكن بحياد وتتوحد في إبداعها حين تكون منابع قوتها نقيّة تشحذ أفكارها بالوعي النشط والمتوقد، مفصحة عن نشاطها المادي والروحي متمثلة مركزها رصينة ومتوازنة ومبالية وواثقة ومرتبة وذاتية لا تسيطر على الآخر ولا تقبل التبعية له، كي لا تستبعد التفكر فتتكئ مجددا على التنبؤ والتكهن وقوة المفاجأة. من هنا يغدو الفكر محورياً وهو يمنح النسويّة العموميّة مساحة للمناظرة والإقناع ومعمارا من الجدال والحجاج بحياديّة وواقعيّة محتواة في الضرورة والحتميّة. فالفكر سلاح من أسلحة النسويّة في المقاومة لا الهجوم. وتكمن فاعليته في التجريد الذي به تُختبر الأشياء وتُجرب بدأب وموهبة فتتجلى قوة فكر المرأة في سعة النسويّة وتنعكس في مرآة المرأة المستقلة مركزيّة النسويّة التي تجد تكاملها في الذكوريّة شمولاً وتحديداً.

إذ من غير الممكن أن نتحدث عن فكر محوري ونحن نهمش أو نتجاهل الذكوريّة التي لها فكرها أيضا. وبتعامد الفكرين كمحورين متكافئين ومتغايرين تكون الفلسفة عبارة عن قوة جدليّة اتحاديّة خفيّة بحتميّة موضوعيّة ووعيّ إنسانيّ يرى الواقع من خلال نشاط الإنسان بوصفه كياناً لغوياً ذا طبيعة حيوية، تتموضع في لغته أفكاره التي يظهرها حين يكون واعياً لها ومقتنعاً بها ومسموحاً له التدليل عليها.

فكر نسوي

ولأهمية الفكر بالنسبة للنسويّة العموميّة؛ فإن تجسده يظل رهناً بالكيان المؤنث وما يتصل به من قضايا داخلية صميمية كقضية الهوية والآخر والجندر والجسد والأنوثة والقوة والذاكرة والموضة إلى جانب قضايا خارجية لها صلة بأسلوب الكاتبة من الناحية اللغوية والتاريخية وتصنيف الخصائص الفردية للمضمون والشكل ونظريات التواصل والأسلوبية وغير ذلك مما له صلة بالعمليّة الإبداعيّة.

وطبيعي لأي فكر يوصف بأنه محوري أن يشكل المواقف والتقاليد التي ترسو كقواعد وترسخ كتقاليد. فإذا خصصنا الفكر بأنه نسوي بدا الأمر غير مؤكد لمن ينكرون على المرأة أن تكون مفكرة وفيلسوفة، لافتقارها إلى فلسفة ذات تقاليد واتجاهات. كأنّ النسويّة ليست نشاطا إنسانيا له جهازه الفكري الخاص كما له مفاهيمه التي يعمل بها ومواقفه التي يتبناها مضفياً على فعل المرأة ـــــــ التي تكون في حالة انفراد تام وهي تفكر في ذاتها ــــــــ تجريداً حسياً تتطور فيه الكلمات والدلالات والصياغات، وتغدو إفهامية وهي تريد توصيل أفكارها إلى الآخر، معبرة عن مشاعرها وملقية بظلالها المؤنثة على الأشياء وطبيعة حركتها، معمقة مداركها ومكونة الآراء حول ذاتها أولاً والنساء آخراً، مبرهنة من خلال فكرها على ارتباطها العضوي بوعيها الإنساني في ظل عالم نسوي يعكس مظاهرها وأغراضها جميعا.

والوعي بأهمية هذا الفكر المحوري هو الذي يجعل المواقف والقرارات منسجمة ومترابطة ارتباطا وثيقا بطموحات المرأة الرامية إلى بناء أواصر التأثير والتعاون مع النظام الإنساني العام وفي مختلف مجالاته لغة وتاريخا واثنوغرافيا..الخ. وعلى وفق الأحكام النظرية التي رسختها بطريركية الفلسفة وجعلت للرجل الريادة والأولوية بوصفه صاحب العقل المتكامل؛ لا يغدو للفكر الفلسفي وجود إلا فاعله رجل. وهو ما تدحضه النسويّة العموميّة التي ترى أنّ التفكير أيا كان فلسفيا أو فنيا أو دينيا أو علميا أو عسكريا هو عبارة عن ميكانيزمات نشاط إنساني واع وتجريدي. فالوعي هو أساس الفكر وليس الإحساس، ومن ثم لا تتحدد فاعلية التفكير التوعوية بجنسانية من يقوم بالتفكر وإنما تتحدد بحسب محورية هذا الفكر عند كل جنس على حدة.  وبإسناد المحورية إلى فكر الرجل أو إلى فكر المرأة تكون الفلسفة هي التفكير الإنساني الذي فيه تتعادل كفتا الفعلين النسوي والذكوري. فالإنسان تحرره الفلسفة التي عدها الأقدمون أم العلوم، وبها تتجلى صلته بالزمان وفي هذا التجلي يتأكد جوهر النسوية وأنها عمومية من ناحية ومحورية في فاعلية فكرها من ناحية أخرى. وفي حالة التفكير النسوي؛ فإن المرأة هي الفاعل الذي يجعل الفكر محوريا وهي الغاية وليست الأداة وهي المادة الأولية التي منها تتشكل الأدوار وتحتدم التصورات وتتراكم التنقيحات وتتولد المجازات. وهذا كله هو ما يعطي المرأة وجوداً صميما ضمن النسويّة العموميّة.

وفهم هذه النسوية من خلال محورية فكرها هو توكيد لسعة مدارك المرأة وعمق امتدادها الحياتي استقلالا وشمولا. ولا يخفى ما في الاستقلال والشمول داخل المجموع النسوي برمته من ازدواجية الداخل بالخارج والمعتاد بالجديد. فتكون المرأة نائية عن أية تبعية فكرية، مستبعدة أي استحواذ جندري أو ازدراء عقلي متمتعة بوعيها ومجذرة في الآن نفسه أسس النسوية العمومية.

ونستطيع أن نشبه هذا الدور الذي يؤديه الفكر المحوري للنسوية العمومية بالدور الذي أدته الفلسفة للرواية الواقعية في مطلع العصر الحديث. وإذا لم تستطع الرواية الانكليزية في القرن الثامن عشر توكيد قدرتها على التجذر التاريخي مع أنها تمكنت من تحليل الواقع تحليلا دقيقا؛ فإن قصص فولتير الفلسفية بحججها القوية استطاعت أن ترسخ وجودها التاريخي.  إذن لا مناص من محورة الفكر من أجل تدعيم سمات النسوية العمومية. تلك السمات التي بها تتمكن من إعادة رسم خريطة مبادراتها فاسحة المجال لقوتها أن تظهر في شكل نظري. وليس صعبا على النسويّة العموميّة أن تجسّد فكرها المحوري على الصعيد الفلسفي وذلك من خلال تعميق دلائل الوعي النسوي فيها وتمتين اشراقاته الفكرية. والأساس في ذلك كله وعيها الذي يتجلى بصور إبداعية ونزعات عقلانية وأهداف موضوعية وحتميات اجتماعية وتاريخية.

معترك الفلسفة

ولا شك أن دخول النسوية إلى معترك الفلسفة هو انقلاب على الذكورية وتسلطها البطريركي الذي حرص الحرص كله على إبعاد المرأة عن الفلسفة وعن ميادين أخرى أرادها حكرا على الرجل. ومن يقرأ الفلسفة الكانتية والهيغلية سيجد أنّ إنسانية الرجل عموميّة بوصفه الكائن المعقول الذي فيه غاية نفسه كعقل خالص وعملي بديالكتيكية مادية جدلية وبقوانين ذاتية خاصة، تمثل المحور في كل ما له صلة بعالم الخليقة من أشياء ومقولات. أما المرأة فكيان عابر، لا تفهم إنسانيته فهما أخلاقيا إلا حين يتماهى المجموع النسوي في المجموع الذكوري. إن أهمية الفلسفة للنسويّة هي كأهمية التكامل بين الكيانين المفكرين الرجل والمرأة بلا خداع ولا انغلاق ولا تقوقع. ولا احتمال أمام الفكر النسوي ليكون محوريا ما لم تتمظهر النسوية بالعمومية في لغة امرأة تفكر كفرد مرهف وخاص وهي تنظر للإنسان والمجتمع بحد واحد وفي الآن نفسه منغمسة وهي تتكلم عن دقائق حياتها في سلسلة متماسكة ومنتظمة تمتزج بها صور النساء جميعا.

وبهذا يكون الفكر المحوري قناعا ووجها مستعارا تتدارى فيه المرأة بالنساء وترتسم لا بمظهر متكلف ومتصنع ماكر؛ وإنما بمظهر حقيقي يناقض التصور البطريركي المرسوم لها الذي ما فهم وعيها، وكيف يفهم جدوى هذا الوعي وهو ينظر إليها من خلال تابعيتها له.

والتبعية تعني أن النسويّة وهي تعبر عن المجموع تتجاهل المرأة الفرد وأهمية تعبيرها عن نفسها. وهو أمر كثيرا ما توسم به الكتابة النسوية كنظرية وإجراء، ومن ثم تظل النسوية مساهمة في تضبيب الفكر النسوي جاعلة مسألة وحدته الفلسفية ضرباً من المحال..فكيف تتمكن النسوية إذن من التملص من هذه التبعية التي ترسخت حدّ التجذر، محاولة بناء فكر محوري فيه المرأة لا تتدارى في تبعيتها للذكورية من جهة ولا تستكين أمام هضم حقها الفردي داخل النسوية نفسها من جهة أخرى ؟!

مشاركة