النرجسية وضياع الحقوق والواجبات

540

النرجسية وضياع الحقوق والواجبات
شعور غير عادي بالعظمة وحب الذات واهميتها وانه شخص نادر الوجود ومن نوع خاص فريد لا يمكن ان يفهمه الا خاصة الناس فينتظر من الاخرين احتراما من نوع خاص لشخصه وافكاره فهو استغلالي ابتزازي وصولي يستفيد من مزايا الاخرين وظروفهم في تحقيق مصالحه الشخصية وهو غيور متمركز حول ذاته يستميت من اجل الحصول على المناصب لا لتحقيق ذاته وانما لتحقيق اهدافه الشخصية .
هكذا يعرف علماء النفس الشخصية النرجسية والتي كشفت الدراسات فيما بعد عن وجود خواص هامة واسباب تؤدي لخلق هذه الشخصية النرجسية موروثه او مكتسبة من الواقع الحياتي وتناقضاته والتي نعاني منها اليوم بشكل كبير اضاع علينا الكثير من طرق التحضر حيث نجدهم يميلون الى ان يكون لهم خط ثابت من الشعور بالعظمة واعطاء قيمة عالية لافضالهم الشخصية وكذلك يستميتون في البحث عن المثالية في ابائهم واسلافهم او بدائلهم من حيث المركز الاجتماعي او العطاء المادي او المعنوي.
تتميز الشخصية النرجسية بالتعجرف والنقص في التعاطف مع الاخرين وفرط الحساسية تجاه اراء الاخرين فهم لا يستطيعون تقبل ارائهم باي شكل من الاشكال ويسفهون بشكل مباشر من اراء واقتراحات الاخرين ويستحوذ عليهم وهم النجاح والسلطة والتألق وهم يستجيبون لاقل نقد سلبي بالغضب او بمشاعر من المهانه او الاذلال فهم يشكلون مفاهيما خاصة تمليها عليهم نرجسيتهم شكلا ومضمونا فهم غالبا ما يسعون من اجل الحصول على اطراء ومديح الاخرين بشكل مباشر او غير مباشر.
على مستوى الحياة اليومية قد امتلك الشخص العراقي حظا وافرا من هذا السلوك (السلوك النرجسي) ولا يزال نلاحظه بوضوح اثناء تعاملاتنا اليومية من خروجنا من منازلنا حتى بلوغنا اماكن عملنا وهذا السلوك يتدرج بين الحده والرفق ومتداخلا كالطيف الشمسي يتباين من شخص لاخر لكن لا ينعدم.
يصابون الاشخاص من كافه الشرائح وكلا حسب مداركه ليبقى يدور في فلكه الخاص حسب خصائصه النفسية والاجتماعيه لا يخلو منها الجاهل ولا المتعلم وراثةً او اكتساباً.
وتلك الخصائص لو امعنا النظر في نشؤها وبداياتها واسبابها لوجدناها تنهل من موارد كثيرة وعوامل عديدة رسمت ملامح هذه الشخصية السايكوباثية عبر مراحل تطور تاريخي لتشكل ترسبا في الذهنية اللاشعورية للفرد حتى عادت تلك السلوكيات لا يؤاخذ عليها ولا يستنكر لها بل خلقت لها تبريرات (وسائل دفاعية) لتلطيفها والتخفيف من شدة وطأتها على الذوق الانساني العام .
حيث بُررت بأنها حالة سوية وتقدير الفرد لذاته ومؤشر للثقة بالنفس والاعتداد بالذات واحترامها وهذا عكس ماتقوله الاسباب والدوافع لبناء هكذا شخصيه على ارض الواقع.
فالعسكرة والقوة الغاشمة للانظمة السياسية السابقة ومواقع القرار الصارم ولد علاقات سلبية بين المرؤوسين والواقعين تحت ضغط تلك المؤسسات فعلى مستوى الانظمه العسكرية الصارمة خلق جنودا يخضعون بعنف وذلك الخضوع ولد الانصياع والتبعية وتلك التبعية ولدت الانانية وحب الذات مما هشمت مشروع الجماعة وشرعنت لمشروع الفردية والشكوك بالاخرين لتصب في بركه النفاق والتملق الاجتماعي والذي زخر به المجتمع العراقي في الثمانينات ومما يليها فكانت الالسن تندلع بسيل من التملق الى اية جهة (لا على التعيين) يحس فيها الفرد انها موقع قرار او محطة للسلطة. ونتيجة للضغط السلطوي تفكك المجتمع مبتعدا عن الاخرين متمركزا حول ذاته فالجندي في معسكرات الجيش تحول الى ماردا للانانية فهو ياكل قبل اقرانه في اوقات الطعام على سبيل الصراع من اجل البقاء ويتملق الى الضابط العسكري بمعزل عن اقرانه ليحقق بعض المكاسب الفردية له والتي تعتبر (الاجازة) من اولوياتها حتى ولو على اكتاف الاخرين فالتقرب الى الضابط في الجيش كانت من اعظم احلام الجندي لنيل رغباته .
ثم بدات فيما بعد محرقه الحصار الاقتصادي لتأتي على ما تبقى من قيم ومثل التعاون والجماعة لتهد اركانها وتجهز على اغلب مظاهر الايثار والتكافل والامان.
فالغش والتحايل والسرقة والتناجش والاحتكار والربا والسلب كانت من علامات تلك الفترة ويومياتها الدامية التي ولدت جيلا مترعا بالصراع النفسي وعدم الشعور بالامان والتوجس والخوف من المستقبل مما بنى اساسا جديدا للكراهية تجاه الاخرين ليشكل ذاكرة جمعية سلبية عدائية موجهة الى الجميع دون تمييز. فالفرد يخرج من داره متوجسا ليتلقفه الشارع مبتدءا من باصات النقل التي يستقلها والذي يجب عليه ان يضع عينيه في جيبه وان يتحسسه بين فينة واخرى وهو متوجها الى محل عمله ولاصقا عينيه ببضاعته بحده (اذا كان يعمل عملا حرا) اما اذا كان موظفا فهنا يبتكر اليه ذهنية لا يغفل عنها اساسها الحذر من فلتات اللسان والكلمات التي تحتمل التأويل بسهولة والتملق لرجل الامن داخل دائره عمله ومحاولات ارضاءه الى ان ينهي ساعات عمله بهذا الشد النفسي الذي يعطل خلايا الدماغ في اكثر الاحيان.
ثم ماينفك ان يفتح عينيه بمدى اوسع وهو يشتري من السوق بضاعته كي لا يغفل فتكلفه الغفلة حاجياته وماله بالاضافة الى عوامل اخرى مادية ومعنوية كلها تصب في صناعة القلق النفسي وعدم الشعور بالطمأنينة والامان مولدة بذلك عقدا نفسية في الذاكره الجمعية للمجتمع فيرتد الشخص لا شعوريا الى العزلة والتفرد وعدم بناء علاقات اجتماعية وشكوكه المتواصلة بالاخرين لتصبح الحياة يوميات تبنى على المصالح الشخصية والمادية يكون فيها الفرد عبارة عن بضاعة او عملة او سعر مادي .
وبعد تلك العوامل السابقة الذكر تكلل المجتمع بعامل اخر هو فوضى سقوط النظام ليوضح مسارات جديدة للخرق الجمعي والفوضوي مضافة لما سبق من تدهور للمؤسسة الاجتماعية العراقيه فقد اتت المرحله التي سبقت مرحله السقوط اُكلها بعد السقوط ليتصدرها جيلا نشأ في ظلال الضياع والتمرد والعوز والشكوك والعقد الاجتماعية وانعدام الواعز الانساني ليتبنى فكرة الخراب والموت والتجاوز فأنحسر المجتمع عن الحياة العامة متمركزاً حول ذاته ومشبعا بالتفكك والانسحاب من المسؤولية وعدم المشاركة الجماعية لدرء المفاسد والتنصل من المواقف تاركا البلاد الى المارقين وشذاذ الافاق وعصابات الجريمة. هذه الاسباب مجتمعه واسباب اخرى لا يتسنى لنا الوقت لذكرها خلقت نموذجا لفرد تتمركز فيه كافة الانزياحات النرجسية والنفسية والاجتماعية وترسبات الفترات التاريخية المظلمة مخلفة وراءها نتائجا نستطيع حصرها بما يلي :
1- تفكك المجتمع والفرد والدولة والذي ادى بدوره الى ضعف المؤسسات وعدم القدرة على وضع الحلول ازاء الازمات والتغيرات المتسارعة.
2- عدم الشعور بجدوى اي تغيير سواء على مستوى الفرد او الجماعة وشيوع الانانية وحب الذات وعدم الشعور بالمواطنة والتنصل من المسؤوليات باعتبارها تصب في منافع الاخرين.
3-عدم المشاركة بصنع المكاسب للشعب او للدولة والكراهية للدولة ورموزها وكراهية الافراد فيما بينهم نتيجه للذاكرة السلبية عن الاخرين .
4- النيل من كل عمل ابداعي والبحث عن عيوبه واخطائه مع نسيان النجاح (سادية البحث عن العيوب) دون وضع البدائل الصحيحه للانتقادات والعيوب المشار اليها.
5- ضيق افق الفرد واقتصاره على افراد جماعته المقربين فقط ليقوموا فيما بينهم على توزيع المكاسب والمصالح (النظرة العوراء للمجتمع).
6- عدم المشاركة الجماعية بروحية الجماعة المغيرة بل المشاركة الجماعية بروحية الانتقاد والانتقاص من الاخرين ومشاريعهم.
7- النقد اللاذع الماجن (في اكثر الاحيان )لاية شخصيه او رمز يطرح فكرة التغيير او الخلاص او مشروع لقرار يهم المجتمع على كافة المستويات .
8- هامشية وعدم صلاحية الحياة الفردية او الجماعية لاي شئ والاقتصار على الحياة اليومية الساذجة من مأكل ومشرب وتكاثر وعدم المشاركة بمهام وهموم الوطن- وان كانت هناك مشاركة- فهي عبارة عن ترهات وهلوسة مثالية وميل الى خلق مبررات لتسكين الواقع المعاش محاولة لارضاء الذات الفاشلة من اجل رفع الحرج والتقزم امام اعمال العمالقة والناجحين.
نجم عبد خليفة – بغداد
/4/2012 Issue 4171 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4171 التاريخ 11»4»2012
AZPPPL

مشاركة