الناصرية تاريخ مُنتهك – جاسم مراد

424

الناصرية تاريخ مُنتهك – جاسم مراد

الناصرية عاصمة ذي قار ، المدينة المتألقة بالتاريخ ، مداخلها تشكو اختناقها بالاوساخ والأهمال ، وفي داخلها تقرأ في وجوه ابنائها الفقر والبؤس وقهر الحياة ، وفي ازقتها وشوارعها ماعدا شارع الحبوبي والمنطقة المتصلة بحكومة المدينة ، تغفو على وسادات الاوساخ والشوارع المحطمة كأن ناسها قد غادروا تاريخ حضارتهم التي علمت الدنيا ولم تتعلم . في أول رحلة لذي قار بعد ثلاثين عاما لم نجد هناك تغييرا في بنيتها إلا ماندر ، سوى شكوى الناس من البطالة ، وحزنهم على اختياراتهم لمناصب السلطة ، وقهرهم المدفون بين الضلوع على حاضرهم المنسي ، وكل من نلتقي بهم ونسألهم  شيوخا وشبابا عن امكانية التغيير ، فاجمعت الاجابات بانه ليس هناك من يسمع للاصوات الجمعية المطالبة بمعالجة الازمات ولا بالاستجابة لضرورات مطالب المحتجين ، وكأن الامور لاتعني من يسمع اصواتهم ويتوسد اجسادهم. قبل السفر الى اهوار الجبايش والحمار ، كانت الرحلة الى مكان تاريخنا ، الى معالم البشرية كلها ، الى الزقورة التي تبعد ثلاثون كيلومترا عن مركز المدينة، ففي هذا التاريخ العريق كأن لايوجد من يهتم به ولارعاية من الاثار به ، شارع محطم من بقايا قاعدة الامام على ، فلا مكان للاستراحة ولا صحيات ولا مياه ، ولامسقفات تحمي الزائرين من حرارة الشمس ، ولا مرشد اثاري يعرف الناس بتاريخ هذا المعلم الذي يمثل تاريخ العراق عبر التكوين البشري . زقورة اور، هي ايقونة  تاريخ سومر ، بناها الملك اونمو في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد ، ويقول المرشد السياحي من الحلة حيدر زنكنه ، فبعد تهالك هذا المعلم بسبب الظروف المتعددة ، اعاد بنائها الملك نبوخذ نصر ، وبالقرب من هذا المعلم هناك معالم اثارية لملوك الامبراطورية السومرية منهم انانا، وقيل هناك مكان لابي الانبياء ابراهيم . في الطريق الممتد بين محافظتي المثنى والناصرية تمتد الاف الدونمات من الاراضي الصالحة للزراعة لو استخدمت بالمياه الجوفية أو استثمرتها الشركات المحلية والعربية والعالمية لتم توفير الامن الغذائي ليس للعراق وحده وإنما للمنطقة العربية اجمع ، فالعراق زاخر بالامكانيات الزراعية والايدي العاملة، وكل مايحتاجه هو الصدقية في العمل ، والهمة والغيرة على هذا البلد ، وتحقيق الامن الغذائي للشعب يشكل أحد اهم مستلزمات الاستقلالية والحياة الامنة للناس ، وتوفير الاموال للبلاد . قضاء الجبايش يقع شرق مدينة الناصرية يسكنه مئه وخمسون الف نسمة ، مدخله جميل نظيف مزروع بالاشجار والورود بالنقيض من مداخل محافظة الناصرية ، وعلى بعد عدة كيلو مترات يكون هور الحمار والجبايش ، كأنما مدينة فينيسيا (البندقية) بايطاليا ، فيهم من جمال الطبيعة المياة والقصب والبردي والمشاحيف والناس الطيبين البسطاء مايجعل الزائر ينسى هموم الدنيا . في تلك المنطقة ينتصب نصب شهداء الانتفاضة ، إنه نصب جميل وواسع ويحتوي في حضرته صور العشرات من شهداء الانتفاضة الذين قتلهم النظام الصدامي بروح باردة ، لكن هذا النصب بالرغم من جماليته وحسن اختيار مكانه وسط الاهوار التي اعترفت بها منظمة اليونسكو كأحد الاماكن المائية الطبيعية في العالم ، يشكو من الاهمال وقلة النظافة خاصة في الاماكن الصحية . الاهوار واحدة من اجمل مناطق العراق ، بل اجملها على الاطلاق ، مياه وبردي وطبيعة خلابة وناس طيبون ومضايف البردي والقصب ، كلها عوامل من اروع مكتسبات الطبيعة ، واختارها الحضاريون في العهود السومرية والبابلية ، ونتمنى أن يهتم بها من يتولى السلطة في بناء الفنادق والمنشئات السياحية عبر الاستثمار والدعاية لها وطنيا وعربيا وعالميا لتكون فينيسيا الناصرية  ، دون المساس بطبيعتها . علمنا الادب السياسي ، بأن الناصرية خرجت قادة كبارا عظاما في العمل السياسي الوطني والاسلامي المعتدل منهم فهد زعيم الحزب الشيوعي والقائد العروبي فؤاد الركابي الذي اغتاله النظام الصدامي في سجن بعقوبة ، وهي كذلك مدينة الادب والفنون والشعر بكافة انواعه ، فمنها داخل حسن وناصر حكيم وحضيري ابوعزيز وعريان السيد خلف وكاظم اسماعيل الكاطع وحسين نعمة وعديد من الفنانات الرائعات ، هذه الاصوات الرائعة الجميلة لاتنسى من ذاكرة العراقيين ، ولاتستحق أن تهمل مدينتهم وكأنها من المدن المنسية ، فهل يفيق من يتولى المسؤولية من غفوتهم ، نـــــأمل ذلك ؟ ..

مشاركة