المُقاطعة – عبدالحق بن رحمون

402

زمان جديد

مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬أكدت‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬على‭ ‬علو‭ ‬منصتها،‭ ‬وجدواها،‭ ‬بكونها‭ ‬منصة‭ ‬للاحتجاج،‭ ‬وبدليل‭ ‬النجاح‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬حملة‭ ‬المقاطعة‭ ‬لثلاث‭ ‬مواد‭ ‬استهلاكية‭ ‬بالمغرب‭ (‬حليب‭ ‬سانطرال،‭ ‬وماء‭ ‬سيدي‭ ‬علي،‭ ‬وشركة‭ ‬إفريقيا‭ ‬للمحروقات‭) ‬وأخيرا‭ ‬وليس‭ ‬آخر‭ ‬مقاطعة‭ ‬الأسماك‭.‬

في‭ ‬البداية،‭ ‬هناك‭ ‬مَن‭ ‬سخر‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬المقاطعة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬جعلت‭ ‬فيه‭ ‬الأحزاب‭ ‬والنقابات‭ ‬والحكومة‭ ‬مسافة‭ ‬من‭ ‬المقاطعة،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬اعتبرها‭ ‬أنها‭ ‬سحابة‭ ‬صيف‭ ‬عابرة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬المنتجة‭ ‬للمواد‭ ‬المستهدفة‭ ‬للمقاطعة‭ ‬حاولت‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬ذلك‭ ‬بتعنت‭ ‬وسخرية،‭ ‬كما‭ ‬واجهت‭ ‬المقطاعين‭ ‬بحملة‭ ‬شرسة‭ ‬لتكذيبهم‭ ‬عبر‭ ‬آلتها‭ ‬الدعائية‭ ‬والاشهارية‭.‬

ويشتكي‭ ‬المواطن‭ ‬المغلوب‭ ‬دائما‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬مراقبة‭ ‬صارمة‭ ‬للأسعار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬من‭ ‬ينصت‭ ‬لهمومه،‭ ‬وقضاياه،‭ ‬وتظلماته‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬سبيل‭ ‬لعيش‭ ‬كريم،‭ ‬يضمن‭ ‬له‭ ‬الكرامة‭ ‬الانسانية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬ابتكار‭ ‬أسلوب‭ ‬المقاطعة‭ ‬كقوة‭ ‬احتجاجية،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬أعطت‭ ‬هذه‭ ‬المقاطعة‭ ‬ثمارها‭ ‬بعد‭ ‬تكبد‭ ‬أسواق‭ ‬الأسماك‭ ‬خسائر‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن،‭ ‬وتعرت‭ ‬حقيقة‭ ‬المحتكرين‭ ‬حيث‭ ‬فضحتها‭ ‬المقاطعة‭ ‬والكل‭ ‬خرج‭ ‬عن‭ ‬صنته‭ ‬محاولا‭ ‬تبرئة‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬يديرها‭ .‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬صارت‭ ‬المقاطعة‭ ‬حقيقة‭ ‬وواقعا‭ ‬مريرا‭ ‬في‭ ‬حلق‭ ‬أصحاب‭ ‬تلك‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬راكم‭ ‬مالكوها‭ ‬الثروات‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الفقراء،‭ ‬وصارت‭ ‬تعاني‭ ‬شركاتهم‭ ‬الخسائر‭ ‬تلو‭ ‬الخسائر‭. ‬واضطرت‭ ‬لتغير‭ ‬أسلوبها‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬تعتبر‭ ‬المستهلكين‭ ‬أنهم‭ ‬حلقة‭ ‬ضعيفة‭ ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬منتوجاتها‭ ‬بالسوق،‭ ‬وليس‭ ‬لهم‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭.  ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬خيال‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬أساءت‭ ‬الظن‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الجديدة،‭ ‬اعترفت‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬عن‭ ‬نقط‭ ‬ضعفها،‭ ‬وطالبت‭ ‬برغبتها‭ ‬في‭ ‬التصالح‭ ‬مع‭ ‬المستهلكين،‭ ‬لكن‭ ‬رد‭ ‬المقاطعين‭ ‬كان‭ ‬سريعا،‭ ‬وأكدوا‭ ‬أن‭ ‬الحملة‭ ‬مستمرة،‭ ‬وتم‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بشتى‭ ‬الطرق‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الصور‭ ‬والفيديو،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬لابتكار‭ ‬نكت‭ ‬وإبداع‭ ‬مشاهد‭ ‬مسرحية‭ ‬ساخرة،‭ ‬دور‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬حملة‭ ‬المقاطعة‭.‬

هل‭ ‬نحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬قمة‭ ‬طارئة،‭ ‬نطرح‭ ‬فيها‭ ‬مشكلة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬مات‭ ‬لهم‭ ‬الحوت،‭ ‬كما‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬دارجتنا‭ ‬المغربية،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬مات‭ ‬لهم‭ ‬الحوت؟‭ ‬،‭ ‬وإذا‭ ‬ماتت‭ ‬الأسماك‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬موائدنا‭ ‬،‭ ‬بماذا‭ ‬سنعوضها‭ ‬من‭ ‬اللحوم،‭ ‬لهذا‭ ‬فالقضية‭ ‬صعبة،‭ ‬ويحتاج‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬طرحه‭ ‬ومناقشته‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬دجاجية،‭ ‬يليها‭ ‬ترياش‭ ‬سريع‭ ‬لايجاد‭ ‬الحلول‭ ‬المناسبة،‭ ‬ويكون‭ ‬فيها‭ ‬الدجاج‭ ‬البلدي‭ ‬حاضرا،‭ ‬لمناقشة‭ ‬ما‭ ‬سنعوض‭ ‬به‭ ‬سمك‭ ‬الفقراء،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬السردين‭ ‬وأنواع‭ ‬أخرى‭ ‬رخيصة‭ ‬الثمن‭ . ‬وتعنينا‭ ‬أيضا‭ ‬أنواع‭ ‬الأسماك‭ ‬الراقية‭ ‬واللذيذة‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬عن‭ ‬ثمنها‭ ‬وفي‭ ‬أية‭ ‬أسواق‭ ‬يتم‭ ‬عرضها‭ ‬للبيع‭ ‬للعموم‭.  ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬اليوم‭  ‬من‭ ‬احتجاجات‭ ‬و‭ ‬مقاطعات‭ ‬لمواد‭ ‬استهلاكية‭ ‬بعينها‭ ‬هي‭ ‬رسائل‭ ‬سياسية‭ ‬و‭ ‬حضارية‭ ‬يجب‭ ‬التقاطها‭ ‬إيجابيا‭.‬

وعلى‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تنظم‭ ‬السوق‭ ‬وتضبط‭ ‬أسعاره‭ ‬بدل‭ ‬تركه‭ ‬فيه‭ ‬أيدي‭ ‬السماسرة‭ ‬والمحتكرين‭ ‬هل‭ ‬لدينا‭ ‬حكومة‭ ‬تنصت‭ ‬لهموم‭ ‬الشعب‭ ‬بكل‭ ‬فئاته‭.‬

مشاركة