المُستحي واللامُستحي – عبد الرضا سلمان حساني

352

المُستحي واللامُستحي – عبد الرضا سلمان حساني

ترددّتٌ كثيراً حين إخترتُ هذا العنوان للمقال بعد البحث بتأنّ وصبر . وبحثتٌ عن مثيله أو توأمه اللغوي بنفس عامل التأثير وأينما  هو متاح حاليّاً،   فوجدتُ نفسي في إضطرار  لا إختيار  أن ألج في التفاصيل أولاً ومن ثمّ أكتب العنوان كما يحصل في كتابة البحوث العلمية بعد الإنجاز حيث يولد العنوان. وفي عصر الذكاء الإصطناعي  الذي نعيشه الآن والذي أصبحتْ فيه لوحة مفاتيح الهاتف الجوّال  أو الحاسوب والشاشة هي الأدوات الأكثر إستخداماً  وألفةً في سياقات حياتنا اليوميّة، لابدّ أن يكون الحصول على المعلومة أو  مشاهدة مايحدث في شتى بقاع العالم سريعاً وموثوقاً  لأننا نراه بالصورة والصوت ومابين الصدق والكذب أربعة أصابع وصدق من قالها.

وسائل متاحة

إنّ الوسائل المتاحة في تكنولوجيا الإعلام ومكائن البحث ومنصّات التواصل ترفدنا  بالمعلومات الغزيرة  لأي عنوان والمقاربات والمقارنات الخاصة بالتحليل وبالتالي فنحن نضيف  الى (الأرشيف) مقالاً أو كتاباً بعنوان يخلص اليه المختصّون في شؤون  الحياة وأنماطها.  إنّها  سمة أساسيّة لعصر العولمة والحوكمة الإلكترونيّة والإنفتاح والتوسّع في علاقات المجتمعات والأفراد وإنصهار  الكثير من (الخاص) في (العام) أو إقتطاع بعض من العام ليكون العنوانالأبرز في (الخاص) . وقد نجد ذلك يحدث على صعيد العالم أجمع رغم تباين الصفات المجتمعيّة وتباعد الدول جغرافيّاً وكأنّ الثقافات والخلفيّات هي التي تخلق آليّات التأثير والتأثّر  في إستدامة الإيجابي ووجوب إستبعاد نقيضها في مديات ومسارات ومتغيّرات الحياة اليوميّة. إنّ التمييز بين المستحي واللامستحي هو مسألة نسبيّة أو خاصة، تماماً مثلما تُحدّد بعض الظواهر  العلمية بإعلوماتها الزمكانيّة   وتفاصيل الدوال الرياضيّة  وسلوكها العياني والمجهري. وفي جميع الحالات يوضع نموذج للدراسة التفصيليّة الشاملة والتي تأتي بالإستنتاجات لغرض الإفادة والترجيع وتحوير أو تغيير مناهج العمل والبناء المجتمعي. سأتناول في أدناه أكثر من نموج وسأترك للقارىء الخيار في التمييز بين المفهومين في عنوان المقال. في النموذج الأول سنعود بالتاريخ الى قرن من الزمن تقريباً ونتناول بالتحليل الهادىء نموذج المجتمع الإفتراضي الذي تعنى به رواية (مزرعة الحيوان) لمؤلّفها جورج  إرول.تغطّي أحداث هذه الرواية فترة  أربعة  عقود  أعقبت الثورة الروسية (1917)    وإنعكاسها عليه. والنموذج الثاني هو مضمون الكتاب (اللامنتمي) للروائي ولكاتب البريطاني كولن ولسن ( مؤلّف سبعين كتاباً ورواية) والمنشور في عام 1956 ومترجم الى عشرات اللغات. ولا يغيب عن مضمون المقال أنماط مجتمعيّة يعيشها عالمنا الحالي ونعيشها نحن بثوابتها ومتغيّراتها. وبالتمحيص نجد العوامل المؤثّرة نفسها وبإختلاف آليات ووسائل التنفيذ المتمحورة في مثلث أضلاعه البيئة وحقل العمل وأواصر العلاقات المجتمعيّة. يُعتبر (اللامنتمي) كتاب واضح لتشخيص جوانب مهمة في شخصية الإنسان في النصف الأوّل من القرن العشرين. هذه الشخصيّة التي تتساءل وتطرح أسئلتها في بيئة غير مقنعة بمسيرتها ومساراتها بالنسبة له. ويقول كولن ولسن أن (اللامنتمي هو نبيّ مستتر حتى عن نفسه). ولو نظرنا جانباً،  نقرأ مقولة جان پول سارتر في فلسفته الوجوديّة والمعتقد بأنّ الوجود يسبق الماهيّة  (أن الجحيم هم الآخرون). وهذا مايلقاه اللامستحي عندما يتوغّل الى (مناطق جزاء)الجميع ليصبح ميكاڤيليّاً في غاية تبرّر وسيلته.  وفي نموذج آخر  يستطيع القارىء أن يؤشّر في سلوك وسياقات يتفق الراعي فيها مع الذئاب فيهلك قطيع الأغنام بلامبالاة. وكذلك في عقل شاعر يقول: لَولا الحَياءُ لَعادَني اِستِعبارُ ولزرتٌ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزارُ

وقول شاعر آخر:

إذا لم تخشَ عاقبة الليالي

        ولم تستحِ فأصنع ماتشاء

فلا  والله مافي العيش خيرٌ

        ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ

مجتمع افتراضي

وفي مزرعة كائنة في الريف البريطاني يديرها السيد جونز  وأبطالها مجموعة من الحيوانات كما أراد لها  مؤلّفها جورج إرول، نجد مجتمعاً إفتراضيّاً يؤدي أفراده  فيه أدوارهم لتحقيق مقوّمات وديمومة حياتهم. أما سمات البيئة التي عاشها مجتمع المزرعة والتي أوردتها  فصول الرواية فتتلخّص بما يأتي:

  1. 1. الفساد حيث تعمل الحيوانات (وبالأخص الخنازير) على الخروج من طبيعتها كونها حيوانات  الى عالم تريد به السيطرة المطلقة  وتحقيق وتوسيع رغباتها في جميع الأبعاد والميادين.  وهنا أيضاً  تبدأ بوادر دفينة وصغيرة من عدم المساواةوالتي تكبر وتتفاقم شيئاً فشيئاً.
  2. 2. الإستغلال الذي تعمل الخنازير به على استثمار مستوى تعلّمها وقدراتها العضليّة والشخصيّة في جعل كل حيوانات المزرعة تخدمها إستغلالاً ومن ثم تنسى الحيوانات الأخرى نفسها وشؤونها وتستمر في خدمة الخنازير فقط.

3 . المخادعة والتي فيها يقوم نائب قائد الخنازير (سكويلر) بحملة مع حيوانات أخرى لإقناع الجميع بأنّ حياتهم صارت أفضل في ظل النظام القائم في المزرعة في حين أنّه يسير نحو الأسوء. ونذكر أن اسم قائد الخنازير في المزرعة كما ورد في الرواية هو(ناپليون).

والخداع هنا هو أن الحياة في المزرعة تنحدر نحو الأسوء والحديث يتركز على العكس. وبالخفاء والتدريج تتغيّر الأوامر  واللوائح المتفق عليها في المزرعة بأنماط تطبيقات وملامح مختلفة في الجوهر عن السابق.

  1. 4. المثاليّة والتي تتعاون الحيوانات فيما بينها في النوايا وسياقات الحياة على الرغم من إبتعادها عن سماتها الحيوانيّة.
  2. اللامبالاة أو عدم الإكتراث والتي يجسّدها نمطان من الأنشطة؛ أوّلهما هو التغاظي عن وجوب التغيير  رغم معرفة الحقيقة بسبب القناعة بصعوبة التغيير والثاني هو الجهل والإستمرار  بالخداع والإبتعاد عن التفكير الفعّال وعنصر المناورة اللذان من شأنهما إحداث التغيير والتأثر بمجتمعات حيوانيّة أخرى تعيش في حال أفضل كالبهائم الإنگليزيّة كما تؤشّر  الرواية.

وأخيراً يمكن القول بأنّ هناك من يرتمي في خانة المستحي أو اللامستحي وهناك من يُرمى بهما، وفي كليهما فاعل ومفعول وتكملة وستكون  لهذا    المقال تكملة بجوانب ذات صلة.

سطور الختام

  في صور مقاطع قصيدة الأطلال  يقدّم  لنا الطبيب الشاعر  إبراهيم ناجي حياء الحبيب في أحد أضلاع مثلث متساوي الأضلاع حين يقول

(أين من عيني حبيب ساحر فيه عزٌّ وجلال  وحياء ). ومن مركز هذا المثلث تتحدد أولوية أيّهما ننظر أوّلاً  ثم يأتي الإثنان وهذه جزء من سمات شخصيّة في مجتمع (الأطلال). وحين يتصف غير الحبيب بأضدادها  يتحوّل الحياء الى إنزواء بثوب الصفة المغايرة!

مشاركة