المياه سلاح لإحياء الحلم الضائع – رمضان حمزة

176

تركيا سياسة اللا سياسة

المياه سلاح لإحياء الحلم الضائع – رمضان حمزة

تركيا الجارة الشمالية للعراق دائماً ما تربط المسار السياسي بالمسار الاقتصادي  كونها دولة لا تمتلك موارد هامة لتيسير عجلة اقتصاد بلادها ، لذا فكرت منذ أمد بعيد بان المياه سيكون لها شأن كبير في السياسية لذا ركزًت جٌلً اهتمامها بمشاريع المياه كونها دولة منبع وأتبعت ديناميكيات مختلفة لابتزاز دول المصب ومنها العراق وسورية إلى حد كبير وعلى مدى العقود الماضية ولحد يومنا هذا، وفي الآونة الأخيرة ربط الرئيس التركي أردوغان المسار السياسي لدولته بالموارد الطبيعية ومنها المياه والنفط والغاز، واصبحت المياه تحتل الصدارة في الخطوات التي يتّخذها باتجاه  فضٌ أو إشعال النزاع أو فرض التسوية في المنطقة. لنرجع قليلاً الى الوراء ونرى زيارات وزير الخارجية التركي جاويش أغلو في أوقات اشتداد الأزمات المائية في العراق أو قيام تركيا بأجراء انتخابات نرى أغلب هذه الزيارات كانت رسائل موجهة الى حكومة عبد المهدي بان بغداد ليس لها مركزية في السلطة، لأنه ليس من العرف الدبلوماسي زيارة وزير خارجية دولة بزيارة محافظات دولة اخرى مثل البصرة مثلاً، بل أصبح يقلد بل ينافس الإيرانيين في هذه الفوضى الدبلوماسية. وما الزيارة الى بغداد برئاسة الوزير السابق للمياه والغابات  فيصل أر أوغلو والذي يشغل حاليا مستشاراً للرئيس التركي في الملف المائي مع العراق يرافقه وفد اقتصادي رفيع المستوى إلا رسالة أخرى للعراق بان تركيا لا مانع لديها من إطلاق مياه وخاصة من نهر دجلة إذا دعت حاجة العراق الى ذلك على أن توقع العراق اتفاقيات تجارية مع تركيا بدلاً من توقيع اتفاقيات واضحة بشأن تقاسم الحصص في المياه المشتركة العابرة للحدود، بل بدلاً من ذلك ترغب تركيا بفسح المجال أمام شركاتها للاستثمار في الأسواق العراقية وخاصة لتنفيذ مشاريع مائية وفي هذه الحالة سيكون الدراسات والتصاميم والتنفيذ بمقاسات تركية بحتة أي سيكون تصميم مشاريع الخزن في العراق مستقبلا جزء مكملاً لمشروع GAP التركي وهذه النقطة بالذات يكتنفها دهاء سياسي حاذق بان العراق لا يزال جزء من حلم الامبراطورية العثمانية التي يحلم الرئيس التركي أردوغان في إحيائها!؟

الصحافة التركية نشطة في إثارة موضوع المياه والنفط والأمن القومي في الشرق الأوسط بمنظار الاقتصاد والتعاون الإقليمي، وهنا نوًد الإشارة الى جملة من النقاط المحورية والجوهرية في السياسة التركية تجاه المنطقة والعراق بشكل خاص.

نقول بان تركيا تتبع “”سياسة اللا سياسة في المنطقة “” أي سياسة الابتزاز المالي والجيوسياسي في ظل ضعف أنظمة الحكم العربية ودخول المنطقة في سلسلة حروب متتالية كان الرابح الأكبر منها تركيا، حيث جسًدت في خضم هذه الظروف مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية  بشكل واضح ، ولاسيما في تعميق وتمتين البعد الاقتصادي في مجال الطاقة بآلية تبقي خياراتها مفتوحة لتأمين مصالحها في السلم والحرب ؟؟

دور الاقتصاد

الانتخابات البلدية  الأخيرة في تركيا أثبتت دور الاقتصاد في توجيه دفة الحكم والسياسة في تركيا ، وإذا نعود بالذاكرة الى الوراء قليلاً وفي انتخابات الرئاسة التركية كان للملف المائي حضور كبير والزيارات المكوكية لوزير الخارجية التركية جاويش أغلو لبغداد وإعلانه في بغداد ايضاً بان تركيا تنوي البدء بأملاء سد اليسو وغلق المياه عن العراق بسبب املاء سد اليسو المثير للجدل بالنسبة الى العراقيين في الاول من حزيران 2018 والعراق كان يشهد آنذاك ازمة مائية خانقة بسبب خسارته للخزين الاستراتيجي في خزانات سدودها وهذا الابتزاز السياسي جعل تركيا تقبض اموالاً طائلة من بغداد ليعلن في نفس اليوم مساءاً بانهم سوف لن يبدئوا بالإملاء علماً بان (( تشغيل السدود)) أمر هندسي وليس سياسي وكان ذلك السبب في فوز الرئيس أردوغان لأنه أستطاع شراء الذمم لصالحه بالمال العراقي ، علماً بان (السد لم يكتمل بعد وليس جاهز للملء وحتى نهاية هذا العام 2019على اقل تقدير)!؟ بينما في المقابل نرى بان الانتخابات البلدية الاخيرة كانت بمثابة صفعة للرئيس أردوغان؟ بسبب استمرار تردي الوضع الاقتصادي والليرة التركية وموجة الامطار الغزيرة التي انعمت على العراقيين بموارد مائية وفيرة لم تستطيع تركيا هذه المرة من ابتزاز العراقيين.

تركيا لم تتبع دبلوماسية المياه المعتدلة مع العراق بل ابتزاز سياسي محض وحتى بعيد من أخلاق حسن الجوار والبعد الإنساني للمياه، عندما تقول بانها أجلت الخزن في سد اليسو لضمان تحويل المياه الزائدة إلى العراق؟!

 تركيا بوضعها الاقتصادي والسياسي المتردي تبحث وتحت مظلة مد يدُ التعاون مع العراق لشراء النفط والغاز العراقي بابخس الاثمان وتقديم تسهيلات للعراق بتأمين نقل النفط والغاز عبر اراضيها بعد دخول الأردن على الخط وأنباء عن أحياء خط طرابلس – بانياس لنقل النط العراقي للخارج. نعم التعاون في المنطقة ضروري لقضايا المياه والنفط والأمن القومي. ولكن تركيا تنوه دائماً بان لديها مخاوف مستمرة بشأن أمن الحدود في شمال العراق وشمال سوريا ومع الحركة السياسية الكردية في المنطقة مع العلم ان هذا شأن تركي داخلي، عليها حماية أمنها القومي داخل حدودها السياسية؟؟ ولكن في ذات الوقت لماذا لا يكون للعراق مخاوف من تدخل تركيا في كركوك ونفط كركوك بحجة حماية الأقلية التركمانية وفي العديد من المناطق العراقية الاخرى المثيرة للجدل مثل الموصل وتلعفر، نحن أيضا نؤكد الى الحاجة الحيوية للتعاون الإقليمي ومشاريع التنمية في مجال المياه والطاقة وتأمين الامن الغذائي في المنطقة.

تحسين العلاقات

التطورات الأخيرة وتحسين العلاقات بين تركيا والعراق يجب أولاً أن يكون بتتويج توقيع اتفاقية لتحديد الحصص المائية  العراقية مع تركيا ضمن اتفاقيات معلنة وصريحة ودون اي تأجيل، عليه توقيع المعاهدات والاتفاقيات حول الملف المائي يجب ان تسبق اية اتفاقيات أخرى حول مصادر الطاقة التي تلهث تركيا لتوقيعها مع العراق بعد اشتداد الخناق الامريكي على ايران والتضيق الاقتصادي الامريكي على تركيا بسبب صفقة الصواريخ الروسية ، لذا نرى من الضرورة الملحة على العراق ان يدخل بوفد تفاوضي قوي مع تركيا حول ملف المياه وفرض حقوق العراق المائية، لان الظرف السياسي والوقت لصالح العراق فهل من استجابة فعالة للدبلوماسية العراقية وتسجيل هدف في المرمى التركي أم نبقى متفرجين لتكون المباريات في صالح تركيا على الأرض العراقية؟؟؟ ولان تغيرات المناخ ستكون أكثر فاعلية في منطقة الشرق الاوسط ومنها العراق التي يتوقع ان تتعرض الى مواسم جفاف عجاف وستعود تركيا للابتزاز بملف المياه وحينذاك نقول “”ولات حين مندم”

مشاركة