الموصل‮…‬‭ ‬حين‭ ‬تتقدّم‭ ‬الحاضرة‭ ‬على‭ ‬الدولة-ربيع الحافظ

ليست‭ ‬كل‭ ‬المدن‭ ‬سواء‭. ‬فبعضها‭ ‬يسكن‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬وبعضها‭ ‬يصنع‭ ‬التاريخ‭. ‬والموصل‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬الثاني؛‭ ‬مدينة‭ ‬كلما‭ ‬ظنّ‭ ‬الناس‭ ‬أنها‭ ‬انكسرت،‭ ‬عادت‭ ‬لتعيد‭ ‬تعريف‭ ‬ذاتها‭. ‬اليوم،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬إقليمية‭ ‬مضطربة،‭ ‬تبدو‭ ‬الموصل‭ ‬واقفة‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬تاريخي‭ ‬جديد،‭ ‬لا‭ ‬تسأل‭ ‬فيه‭ ‬كيف‭ ‬تنجو،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬تستعيد‭ ‬موقعها‭.‬

الحواضر‭ ‬لا‭ ‬تموت‭ ‬حين‭ ‬تسقط‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬تتيتم‭. ‬واليُتم‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الحواضر‭ ‬ليس‭ ‬نهاية،‭ ‬بل‭ ‬اختباراً‭ ‬لطبيعة‭ ‬مجتمعها‭. ‬فالمجتمع‭ ‬هو‭ ‬روح‭ ‬الحاضرة،‭ ‬والدولة‭ ‬إطارها‭ ‬المنظّم‭. ‬فإذا‭ ‬غاب‭ ‬الإطار،‭ ‬بقيت‭ ‬الروح‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬صيغة‭ ‬تحفظ‭ ‬بها‭ ‬ذاتها‭. ‬عندها‭ ‬تتقدم‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬ويتحوّل‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬متلقٍّ‭ ‬للحماية‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬لها‭.‬

شرعية‭ ‬الحاضرة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة

تمثل‭ ‬الموصل‭ ‬مثالاً‭ ‬بارزاً‭ ‬لذلك‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1743،‭ ‬حين‭ ‬حاصرها‭ ‬نادر‭ ‬شاه‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬لمنازلة‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬تصدت‭ ‬له‭ ‬المنظومة‭ ‬الأسرية‭ ‬بقيادة‭ ‬حسين‭ ‬باشا‭ ‬الجليلي،‭ ‬فملأت‭ ‬الفراغ‭ ‬الإداري‭ ‬الذي‭ ‬خلّفه‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة‭ ‬آنذاك‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬صمود‭ ‬المدينة‭ ‬مجرد‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬تأسيس‭ ‬رمزية‭ ‬لعلاقة‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬الحاضرة‭ ‬وقيادتها‭ ‬المحلية‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬تكرّست‭ ‬شرعية‭ ‬القيادة‭ ‬المحلية‭ ‬بوصفها‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬عند‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة،‭ ‬وتداخل‭ ‬المجتمع‭ ‬بالسلطة،‭ ‬وترسخت‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الأسر‭ ‬والأعيان‭ ‬يشكلون‭ ‬معاً‭ ‬بنية‭ ‬حماية‭ ‬ذاتية‭. ‬كما‭ ‬عززت‭ ‬المرحلة‭ ‬طابع‭ ‬المدينة‭ ‬الجامع،‭ ‬إذ‭ ‬فتحت‭ ‬أبوابها‭ ‬أمام‭ ‬أهالي‭ ‬القرى‭ ‬المسيحية‭ ‬للاحتماء‭ ‬داخل‭ ‬أسوارها‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬الأرض‭ ‬المحروقة‭ ‬لنادر‭ ‬شاه،‭ ‬فاختار‭ ‬البعض‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحصار‭ ‬ليصبحوا‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬نسيجها‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ما‭ ‬عمّق‭ ‬دورها‭ ‬كصمّام‭ ‬أمان‭ ‬لعموم‭ ‬لولايتها‭ ‬وليس‭ ‬مركزها‭ ‬فقط‭.‬

القائلون‭ ‬بأن‭ ‬ذاك‭ ‬زمن‭ ‬مضى‭ ‬بخصوصياته‭ ‬وظروفه‭ ‬مصيبون‭ ‬ومخطئون،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬نادر‭ ‬شاه‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬اقتحام‭ ‬الموصل‭ ‬وأنها‭ ‬اليوم‭ ‬واقعة‭ ‬تحت‭ ‬نفوذ‭ ‬مليشيات‭ ‬تتحكم‭ ‬بمفاصل‭ ‬الحياة‭ ‬فيها،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬القواسم‭ ‬المشتركة‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مشروعاً؛‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬الأشكال،‭ ‬لكن‭ ‬الآليات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الكامنة‭ ‬تتشابه‭.‬

من‭ ‬الإدارة‭ ‬الجليلية‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬الأهلي

ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الإدارة‭ ‬الجليلية‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬الحرة‭ ‬من‭ ‬ملء‭ ‬لفراغ‭ ‬الدولة،‭ ‬تتولاه‭ ‬اليوم‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬المحتلة‭ ‬بصيغة‭ ‬لا‭ ‬مركزية؛‭ ‬مدينة‭ ‬خرجت‭ ‬مثقلة‭ ‬بخراب‭ ‬معارك‭ ‬إخراج‭ ‬داعش،‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬المليشيات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬واحدة‭: ‬حماية‭ ‬الحاضرة‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬الانحلال‭.‬

ولافت‭ ‬أن‭ ‬استحضار‭ ‬حسين‭ ‬باشا‭ ‬الجليلي‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬يقترن‭ ‬اليوم‭ ‬برواد‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬الذين‭ ‬يسعفون‭ ‬المدينة،‭ ‬كما‭ ‬تُستدعى‭ ‬رابعة‭ ‬خاتون‭ ‬الجليلي‭ ‬رائدة‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الجليلية‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬ريادة‭ ‬النساء‭ ‬الموصليات‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭. ‬هذا‭ ‬الاستحضار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مقارنة‭ ‬عاطفية،‭ ‬بل‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬عميق‭ ‬لوحدة‭ ‬الآلية‭ ‬عبر‭ ‬اختلاف‭ ‬العصور‭ ‬وهو‭ _ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬التخطيط‭ _ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬المنتصف‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬بلورة‭ ‬الحلول‭.‬

فقد‭ ‬أعيد‭ ‬بناء‭ ‬الجوامع‭ ‬والمدارس،‭ ‬ونُظّمت‭ ‬الحملات‭ ‬الإغاثية،‭ ‬ووُفّر‭ ‬الدواء‭ ‬المجاني‭ ‬للمتعففين،‭ ‬ورُعي‭ ‬الأيتام‭ ‬والأرامل،‭ ‬وأُطلقت‭ ‬برامج‭ ‬للتأهيل‭ ‬المهني‭. ‬كما‭ ‬نشأت‭ ‬مراكز‭ ‬تفكير‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬يشبه‭ ‬أجهزة‭ ‬إدامة‭ ‬الحياة؛‭ ‬تحفظ‭ ‬النبض‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬الجسد‭ ‬عافيته،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬صالونات‭ ‬تعقد‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الأسر‭ ‬تحضرها‭ ‬النخب‭ ‬وتفكر‭ ‬لمصلحة‭ ‬المدينة‭. ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬الأهلي‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬حنيناً‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬آلية‭ ‬اجتماعية‭ ‬تاريخية‭: ‬إدامة‭ ‬أجهزة‭ ‬المجتمع‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬التغيير‭.‬

من‭ ‬تجسير‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل

لقد‭ ‬نجح‭ ‬أهل‭ ‬الموصل‭ ‬في‭ ‬تجسير‭ ‬الحاضر‭ ‬بالماضي،‭ ‬مستندين‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬تاريخية‭ ‬لم‭ ‬تنقطع،‭ ‬وإلى‭ ‬خبرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬راكمتها‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المتكررة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استعادة‭ ‬الماضي،‭ ‬على‭ ‬أهميتها‭ ‬الرمزية،‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتخذ‭ ‬فيه‭ ‬الغارات‭ ‬أشكالا‭ ‬متجددة،‭ ‬وتأتي‭ ‬من‭ ‬منافذ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬فالتاريخ‭ ‬لا‭ ‬يُستدعى‭ ‬بوصفه‭ ‬حنينا،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬اللحظة‭ ‬الحرجة‭.‬

‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التجسير‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬تجسيراً‭ ‬تفسيرياً،‭ ‬فإن‭ ‬التجسير‭ ‬بين‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل‭ ‬هو‭ ‬فعلٌ‭ ‬وقائي؛‭ ‬أي‭ ‬تحويل‭ ‬الخبرة‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬استمرارية‭ ‬تمنع‭ ‬الانقطاع‭. ‬فالقاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬1743‭ ‬و2026‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حدثاً‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬آلية‭ ‬اجتماعية‭ ‬متكررة‭: ‬إبقاء‭ ‬أجهزة‭ ‬المجتمع‭ ‬فاعلة‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬التحول،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬انتظام‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬وصون‭ ‬شبكة‭ ‬العلاقات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬ريثما‭ ‬تمرّ‭ ‬العاصفة‭. ‬وهذا‭ ‬المبدأ‭ ‬ذاته‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬معيار‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬كلما‭ ‬تجددت‭ ‬التحديات‭ ‬بأسمائها‭ ‬المختلفة‭.‬

فالحواضر‭ ‬اليقظة‭ ‬لا‭ ‬تصف‭ ‬الماضي‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬تستشرف‭ ‬المستقبل‭.‬

الموصل‭ ‬كنموذج‭ ‬حضري‭ ‬ممتد

دراسات‭ ‬التاريخ‭ ‬العثماني‭ ‬للموصل‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬مهارة‭ ‬أهلها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونهم‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬إقليمي‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬السياسية‭ ‬الضيقة‭. ‬كانت‭ ‬الموصل‭ ‬أكبر‭ ‬سنجق‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وأسند‭ ‬إلى‭ ‬قادتها‭ ‬أدوار‭ ‬عسكرية‭ ‬وإدارية‭ ‬خارجها‭ (‬قاد‭ ‬أمين‭ ‬باشا‭ ‬الجليلي‭ ‬الجيش‭ ‬العثماني‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬وتولى‭ ‬حسين‭ ‬باشا‭ ‬الجليلي‭ ‬إدارة‭ ‬ولايات‭ ‬في‭ ‬الأناضول‭). ‬وبعد‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬الحديثة،‭ ‬غدت‭ ‬الموصل‭ ‬درة‭ ‬تاج‭ ‬الدولة‭.‬

المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬ليست‭ ‬وحدات‭ ‬إدارية،‭ ‬بل‭ ‬مراكز‭ ‬ثقل‭ ‬حضاري‭. ‬وحين‭ ‬تتوافر‭ ‬لها‭ ‬شروط‭ ‬الفاعلية،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مفتاح‭ ‬يفتح‭ ‬سائر‭ ‬الأقفال‭. ‬

حين‭ ‬يعيد‭ ‬التاريخ‭ ‬ترتيب‭ ‬الحاضرة

‭ ‬تبدّلت‭ ‬الموصل‭ ‬كثيراً‭ ‬حين‭ ‬تولى‭ ‬مجتمعها‭ ‬ملء‭ ‬فراغ‭ ‬الدولة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬فقد‭ ‬قدم‭ ‬الميسورون‭ ‬أموالهم‭ ‬لتمويل‭ ‬إعادة‭ ‬البناء،‭ ‬وساندهم‭ ‬الأبناء‭ ‬المغتربون،‭ ‬فيما‭ ‬تجاوزت‭ ‬حماسة‭ ‬الإعمار‭ ‬وروح‭ ‬الإبداع‭ ‬لدى‭ ‬شيبها‭ ‬وشبابها،‭ ‬رجالها‭ ‬ونسائها،‭ ‬كل‭ ‬التوقعات‭ ‬ونالت‭ ‬الإعجاب‭. ‬لقد‭ ‬عاد‭ ‬أهل‭ ‬الموصل‭ ‬كما‭ ‬وصفتهم‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتخصصة‭ ‬بالتاريخ‭ ‬العثماني‭ ‬للموصل‭ ‬في‭ ‬كتابها‭: ‬كالنحل‭ ‬يشيدون‭ ‬خلايا‭ ‬مخمسة‭ ‬الأطراف‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬تبدلات‭ ‬أخرى‭ ‬تبعث‭ ‬على‭ ‬القلق‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬ولا‭ ‬يصح‭ ‬التهوين‭ ‬من‭ ‬شأنها‭. ‬قسم‭ ‬مهم‭ ‬منها‭ ‬يرتبط‭ ‬عضوياً‭ ‬ببقاء‭ ‬المليشيات،‭ ‬فيما‭ ‬تتحمل‭ ‬الموصل‭ ‬قسماً‭ ‬آخر‭ ‬لسنوات‭ ‬قادمة‭ ‬ويبقى‭ ‬بعضها‭ ‬ندوباً‭ ‬في‭ ‬جسدها؛‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬سنن‭ ‬الحواضر‭.‬

الغارة‭ ‬ومنعرجات‭ ‬النهوض

فبغداد‭ ‬بعد‭ ‬هولاكو‭ ‬لم‭ ‬تكن،‭ ‬في‭ ‬تكوينها‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بغداد‭ ‬ما‭ ‬قبله،‭ ‬كما‭ ‬تغيّرت‭ ‬ملامحها‭ ‬بعد‭ ‬الحقبتين‭ ‬البويهية‭ ‬والصفوية‭. ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬عادت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عروسا‭ ‬للشرق،‭ ‬وحلما‭ ‬لمن‭ ‬جاورها‭: ‬يشتهى‭ ‬الإقامة‭ ‬فيها،‭ ‬ويقتدى‭ ‬بطباع‭ ‬أهلها،‭ ‬ويقلد‭ ‬لهجتها،‭ ‬ويتأنَّق‭ ‬بأناقتها،‭ ‬بل‭ ‬ويدَّعى‭ ‬الانتساب‭ ‬إلى‭ ‬أنسابها‭. ‬وظل‭ ‬اسم‭ ‬بغداد‭ ‬رديفا‭ ‬للرفاهية‭ ‬في‭ ‬الخيال‭ ‬العربي،‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬التبغددُ‭ ‬وصفا‭ ‬للدَّعة‭ ‬ورمزا‭ ‬للعيش‭ ‬الرغيد‭. ‬ومثلها‭ ‬القاهرة‭ ‬بعدما‭ ‬حررها‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬العبيدي،‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‭ ‬بعد‭ ‬الصليبيين،‭ ‬وإسطنبول‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬الأوروبيين‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى؛‭ ‬إذ‭ ‬وصف‭ ‬أحد‭ ‬زوارها‭ ‬الأوروبيين‭ ‬حالها‭ ‬بالقول‭: ‬ذهب‭ ‬وقار‭ ‬الإسلام‭ ‬وبرز‭ ‬الإلحاد‭.‬

المدينة‭ ‬قبل‭ ‬النظام‭ ‬

هذه‭ ‬الحواضر‭ ‬خضعت‭ ‬إلى‭ ‬اجتثاثات‭ ‬طائفية‭ ‬وسكانية‭ ‬وفساد‭ ‬إداري‭ ‬واقتصادي‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬حواضرنا‭ ‬اليوم‭ ‬تحت‭ ‬نفوذ‭ ‬المليشيات؛‭ ‬لكنها‭ ‬تمسكت‭ ‬بسقف‭ ‬استعادة‭ ‬عافيتها‭ ‬كاملة‭.‬

والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬إنقاذها‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬بتدخل‭ ‬خارجي‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬السقف،‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬حدودها‭ ‬السياسية،‭ ‬لكنه‭ ‬انطلق‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬فضائها‭ ‬الحضاري‭ ‬الإسلامي‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالا‭ ‬يتجاوز‭ ‬المصادفة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاختيار‭ ‬التاريخي‭.‬

الخليفة‭ ‬العباسي‭ ‬القائم‭ ‬بأمر‭ ‬الله‭ ‬وجه‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬القائد‭ ‬السلجوقي‭ ‬طغرل‭ ‬بك‭ ‬للتدخل‭ ‬وإنقاذ‭ ‬عاصمته‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬البويهيين،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬إقرار‭ ‬ضمني‭ ‬بأن‭ ‬بقاء‭ ‬الحاضرة‭ ‬يتقدم‭ ‬على‭ ‬اعتبارات‭ ‬السيادة‭. ‬فالمدينة‭ ‬كائن‭ ‬اجتماعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إدامة‭ ‬نفسه‭ ‬عبر‭ ‬أنماط‭ ‬تنظيم‭ ‬مختلفة،‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬جديد؛‭ ‬أما‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬فليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬مدينة‭.‬

الموصل‭ ‬اليوم‭ ‬تطرح‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته‭ ‬بصيغة‭ ‬معاصرة‭.‬

يقظة‭ ‬الموصل‭ ‬وتحول‭ ‬قواعد‭ ‬الصراع

لم‭ ‬تدرك‭ ‬المليشيات‭ ‬المتحكمة‭ ‬بالموصل‭ ‬أن‭ ‬سياساتها‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭:‬

أولها‭: ‬إيقاظ‭ ‬المارد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأسري‭ ‬للمدينة‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬السبات‭.‬

وثانيها‭: ‬إحياء‭ ‬شعور‭ ‬تضامني‭ ‬بين‭ ‬حواضر‭ ‬الإقليم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭ ‬خرائط‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬
وثالثها‭: ‬دفع‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ذاتها؛‭ ‬فالأصل‭ ‬في‭ ‬الحاضرة‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬ضالتها‭ ‬في‭ ‬دولتها،‭ ‬فإن‭ ‬عجزت‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬احتضانها،‭ ‬بدأت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬سبل‭ ‬صيانة‭ ‬كيانها‭ ‬بوسائل‭ ‬أخرى‭ ‬وقد‭ ‬ضحت‭ ‬الموصل‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السبيل‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭.‬

وهكذا‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬موازين‭ ‬السيطرة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تبدلت‭ ‬قواعد‭ ‬الصراع‭ ‬ومقومات‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭.‬

لحظة‭ ‬الانعطاف‭ ‬الحضري‭ ‬

الموصل‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬استثنائية‭ ‬للتحول،‭ ‬تجتمع‭ ‬فيها‭ ‬عدة‭ ‬مقومات،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭:‬

وجود‭ ‬مليشيات‭ ‬تتحكم‭ ‬بالمدينة‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬القبول‭ ‬الشعبي‭ ‬والإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

كفاءة‭ ‬مدنية‭ ‬أثبتها‭ ‬المجتمع‭ ‬الموصلي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونه‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬جذوة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأمني‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها‭ ‬المنطقة‭ ‬ويحتاجه‭ ‬العالم‭.‬

انسجام‭ ‬الحواضر‭ ‬المحيطة‭ ‬مع‭ ‬مطلب‭ ‬إزاحة‭ ‬المليشيات‭ ‬واستعادة‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬تدبير‭ ‬أهل‭ ‬الموصل‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬حصار‭ ‬نادر‭ ‬شاه‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نموذجاً‭ ‬كاملاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬احتلال‭ ‬ميليشياتيّ‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الأسوار؛‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬معطيات‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬تبدلت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭. ‬فحواضر‭ ‬المنطقة‭ ‬تنظر‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الخطر‭ ‬الطائفي‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬مشترك،‭ ‬وتتنامى‭ ‬قناعتها‭ ‬بأن‭ ‬التدخل‭ ‬الإقليمي‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬الدواء‭ ‬والكيّ‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬سرطانات‭ ‬المليشيات‭. ‬وهي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬حواضرها،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬وجيز،‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬المليشيات‭ ‬الطائفية‭ ‬قد‭ ‬دمرته‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬عقود‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬العبرة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬المثال‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الدلالة‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭: ‬حين‭ ‬تبلغ‭ ‬الحاضرة‭ ‬سقف‭ ‬استعادة‭ ‬عافيتها‭ ‬كاملة،‭ ‬فإن‭ ‬توازنات‭ ‬الإقليم‭ ‬تعيد‭ ‬تموضعها‭ ‬تبعا‭ ‬لذلك‭ ‬السقف‭. ‬فالمدن‭ ‬الكبرى‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬وحدات‭ ‬إدارية‭ ‬داخل‭ ‬نظام‭ ‬سياسي؛‭ ‬إنها‭ ‬مراكز‭ ‬ثقل‭ ‬حضاري،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬حين‭ ‬يختلّ‭ ‬النظام‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الموصل‭ ‬قد‭ ‬أثبتت‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إدامة‭ ‬أجهزتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬التحول،‭ ‬فإن‭ ‬لحظتها‭ ‬الراهنة‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬استثناء‭ ‬من‭ ‬سنن‭ ‬التاريخ‭. ‬فالحاضرة‭ ‬التي‭ ‬تعلمت‭ ‬كيف‭ ‬تحمي‭ ‬نفسها‭ ‬عند‭ ‬غياب‭ ‬الدولة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬علاقتها‭ ‬بالدولة‭ ‬حين‭ ‬تعود،‭ ‬وعلى‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬توازن‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارا‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬لحظة‭ ‬الانعطاف‭ ‬الحضري‭: ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬كيف‭ ‬تنجو‭ ‬المدينة،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.‬