المواكب – حسن النواب

573

كلام صريح

ظاهرة‭ ‬المواكب‭ ‬الحُسينيَّة‭ ‬انتشرتْ‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد؛‭ ‬بعد‭ ‬زوال‭ ‬الصنم؛‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬عددها‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬وحدها؛‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألفِ‭ ‬موكبٍ؛‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬سمعتهُ‭ ‬من‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الخالق‭ ‬الحميري؛‭ ‬المشرف‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬المواكب‭ ‬الحُسينيَّة؛‭ ‬خلال‭ ‬لقاء‭ ‬مباشر‭ ‬معهُ‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬في‭ ‬الفيس‭ ‬بوك‭ ‬تُعنى‭ ‬بالشعائر‭ ‬الحُسينيَّة؛‭ ‬وقد‭ ‬استوقفني‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬حديثه‭ ‬الصريح؛‭ ‬إنَّ‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬المواكب،‭ ‬قد‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬التجارة!‭ ‬وتناستْ‭ ‬هدفها‭ ‬ورسالتها‭ ‬الحسينيَّة‭ ‬المنشودة؛‭ ‬وراحت‭ ‬تستغل‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬للنفع‭ ‬الخاص؛‭ ‬عبر‭ ‬جمع‭ ‬النقود‭ ‬والتبرعات‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬الناس؛‭ ‬وقال‭ ‬الشيخ‭ ‬بصريح‭ ‬العبارة‭ ‬إنَّ‭ ‬المواكب‭ ‬التي‭ ‬تقدَّم‭ ‬شعائرها‭ ‬الحُسينيَّة‭ ‬بإخلاص‭ ‬وبنكران‭ ‬ذات‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الثمانين‭ ‬موكباً؛‭ ‬وتطرَّق‭ ‬إلى‭ ‬ظاهر‭ ‬الجشع‭ ‬الذي‭ ‬استفحل‭ ‬لدى‭ ‬الرواديد‭ ‬وقرّاء‭ ‬التعازي‭ ‬الحُسينيَّة؛‭ ‬وذكر‭ ‬أحد‭ ‬المشتركين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء؛‭ ‬وكان‭ ‬يتحدَّثُ‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬لندن؛‭ ‬أنَّ‭ ‬أحد‭ ‬الرواديد‭ ‬طلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬ألف‭ ‬يورو‭ ‬مقابل‭ ‬صعوده‭ ‬على‭ ‬المنبر‭ ‬لمدة‭ ‬عشرة‭ ‬أيام؛‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬إقامة‭ ‬خاص‭ ‬به؛‭ ‬كما‭ ‬طلب‭ ‬عسلاً‭ ‬وحشيَّاً‭ ‬لتنقية‭ ‬حنجرته؟!‭ ‬ومن‭ ‬حديث‭ ‬المشتركين‭ ‬الذين‭ ‬أجمعوا‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬إحياء‭ ‬الشعائر‭ ‬الحٌسينيَّة‭ ‬قد‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬كسبٍ‭ ‬تجاري‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المواكب؛‭ ‬والذين‭ ‬ينتظرون‭ ‬قدوم‭ ‬ذكرى‭ ‬فجيعة‭ ‬الطف‭ ‬على‭ ‬أحرِّ‭ ‬من‭ ‬الجمر؛‭ ‬بغية‭ ‬النفع‭ ‬والفائدة‭ ‬الشخصية؛‭ ‬بل‭ ‬أنَّ‭ ‬بعضهم‭ ‬صاروا‭ ‬يبتكرون‭ ‬مناسبات‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها؛‭ ‬لغرض‭ ‬إقامة‭ ‬مجالس‭ ‬العزاء؛‭ ‬فما‭ ‬أنْ‭ ‬انتهت‭ ‬ذكرى‭ ‬استشهاد‭ ‬الإمام‭ ‬الكاظم‭ ‬عليه‭ ‬السلام؛‭ ‬حتى‭ ‬سارعوا‭ ‬إلى‭ ‬نصب‭ ‬سرادق‭ ‬العزاء‭ ‬لمناسبة‭ ‬خروج‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬مكَّة‭ ‬المكرَّمة؛‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬تقام‭ ‬مجالس‭ ‬العزاء‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬الاعتيادية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستدعي‭ ‬النحيب‭ ‬واللطم‭ ‬والنعي؟!‭ ‬إنَّ‭ ‬المبالغات‭ ‬غير‭ ‬المنطقية‭ ‬في‭ ‬مشاعرنا‭ ‬الحُسينيَّة؛‭ ‬تسيء‭ ‬إلى‭ ‬فجيعة‭ ‬الطف؛‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬التاريخي‭ ‬والميثولوجي؛‭ ‬ناهيكَ‭ ‬عن‭ ‬التكاليف‭ ‬المادية‭ ‬والجهد‭ ‬البدني‭ ‬والنفسي‭ ‬الذي‭ ‬نبذلهُ‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬محلَّهِ؛‭ ‬وثمَّة‭ ‬ظاهرة‭ ‬مستهجنة‭ ‬يجب‭ ‬الوقوف‭ ‬عندها؛‭ ‬والتي‭ ‬تتعلَّق‭ ‬بالمنافسة‭ ‬المحتدمة‭ ‬بين‭ ‬المواكب‭ ‬الحُسينيَّة‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬المنتمين‭ ‬لكل‭ ‬موكب؛‭ ‬وعدد‭ ‬القدور‭ ‬التي‭ ‬تطبخ‭ ‬للزائرين‭ ‬ونوعية‭ ‬الزاد؛‭ ‬والتفاخر‭ ‬بصناعة‭ ‬البيارق‭ ‬وإقامة‭ ‬مجالس‭ ‬العزاء؛‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬تظنُّوا‭ ‬سوءاً‭ ‬بنا؛‭ ‬فأقول‭ ‬إنَّ‭ ‬واقعة‭ ‬الطف‭ ‬تسكنُ‭ ‬فجيعتها‭ ‬في‭ ‬قلوبنا‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬حتى‭ ‬الممات؛‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يزايد‭ ‬على‭ ‬عشقنا‭ ‬للإمام‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام؛‭ ‬لكنَّ‭ ‬الإفراط‭ ‬بالمشاعر‭ ‬والبذخ‭ ‬غير‭ ‬المبرر؛‭ ‬يشكل‭ ‬فكرة‭ ‬غير‭ ‬طيَّبة‭ ‬لدى‭ ‬الزائر‭ ‬الغريب‭ ‬وأمام‭ ‬أنظار‭ ‬العالم؛‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬لجنة‭ ‬حُسينيَّة‭ ‬متنوَّرة‭ ‬تضع‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬نصابها؛‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يختلطَ‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل؛‭ ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬المواكب‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬البابلي؛‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬عشتار،‭ ‬وهي‭ ‬البوابة‭ ‬الرئيسة‭ ‬لسور‭ ‬المدينة‭ ‬الداخلي،‭ ‬والبوابة‭ ‬الرئيسة‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬الموكب‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬الشارع‭ ‬الرئيس‭ ‬لمدينة‭ ‬بابل‭ ‬والطريق‭ ‬المقدس‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬المدينة‭ ‬ببيت‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الدينية‭ ‬المعروف‭ ‬ببيت‭ ‬أكيتو‭ ‬ويخترق‭ ‬شارع‭ ‬الموكب‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬عشتار‭ ‬في‭ ‬اتجاهه‭ ‬نحو‭ ‬الجنوب،‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يمتد‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬الشرقية‭ ‬للقصر‭ ‬الجنوبي؛‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬البوابة‭ ‬العريقة‭ ‬يتم‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬ليبيل‭ ‬حيكال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جسر‭ ‬خشبي‭ ‬إلى‭ ‬معبد‭ ‬(نابو‭ ‬شخاري)‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬الجهة‭ ‬الغربية‭. ‬ويستمر‭ ‬الشارع‭ ‬جنوباً‭ ‬أيضاً‭ ‬بمحاذاة‭ ‬سور‭ ‬الزقورة‭ ‬ومعبد‭ ‬أيسا‭ ‬كلا‭ ‬منعطفاً‭ ‬غرباً‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نهر‭ ‬(أراختو)‭ ‬وهو‭ ‬الجدول‭ ‬المنساب‭ ‬بمياه‭ ‬نهر‭ ‬الفرات‭. ‬هذه‭ ‬المواكب‭ ‬البابلية‭ ‬مازالت‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ‭ ‬تذكرها‭ ‬باعتزاز‭ ‬وإبهار‭ ‬ودهشة؛‭ ‬وعلينا‭ ‬أنْ‭ ‬نستلهم‭ ‬منها‭ ‬التنظيم‭ ‬والتقتير‭ ‬وعدم‭ ‬الاستهانة‭ ‬بمشاعرنا‭ ‬الحسينيَّة‭ ‬المقدَّسة؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استغلال‭ ‬هذه‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬للمنفعة‭ ‬الخاصة؛‭ ‬أذكر‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الظلم‭ ‬والجور‭ ‬الذي‭ ‬رأيناه‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬القمعي؛‭ ‬إنَّ‭ ‬المجالس‭ ‬الحُسينية‭ ‬كانت‭ ‬تقام‭ ‬سُرَّاً‭ ‬في‭ ‬المنازل‭ ‬الكربلائية؛‭ ‬وذات‭ ‬ليلة‭ ‬كنتُ‭ ‬برفقة‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الخالق‭ ‬الحميري؛‭ ‬حين‭ ‬حضرنا‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬حُسيني‭ ‬أقيم‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬الكربلائي‭ ‬علي‭ ‬جُكري؛‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬العباس؛‭ ‬كانت‭ ‬صالة‭ ‬منزلهِ‭ ‬ممتلئة‭ ‬بعشّاق‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام؛‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الذي‭ ‬استرعى‭ ‬انتباهي؛‭ ‬هو‭ ‬الرادود‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬عمره‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬العشر‭ ‬سنوات؛‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬الكاظمية‭ ‬لإحياء‭ ‬مراسيم‭ ‬العزاء؛‭ ‬وقد‭ ‬أغدق‭ ‬عليه‭ ‬الشيخ‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬من‭ ‬نقود؛‭ ‬تشجيعاً‭ ‬لذلك‭ ‬الصبي‭ ‬الحُسيني؛‭ ‬ولما‭ ‬سألت‭ ‬الشيخ‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬الرواديد‭ ‬الكبار؛‭ ‬أخبرني‭ ‬أنهم‭ ‬يخشون‭ ‬بطش‭ ‬رجال‭ ‬الأمن‭ ‬بهم؛‭ ‬ولذا‭ ‬اختفوا‭ ‬عن‭ ‬المجالس‭ ‬الحُسينيَّة؛‭ ‬بينما‭ ‬نرى‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر؛‭ ‬يتزاحمون‭ ‬على‭ ‬المنابر؛‭ ‬ليس‭ ‬حبَّاً‭ ‬بالإمام‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام؛‭ ‬إنَّما‭ ‬حبَّاً‭ ‬بالمال‭ ‬والشهرة؛‭ ‬فسبحان‭ ‬مغير‭ ‬الأحوال‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلى‭ ‬حال؛‭ ‬وتبقى‭ ‬مواكب‭ ‬الطف‭ ‬النقيَّة‭ ‬والأصيلة‭ ‬هي‭ ‬الملاذ‭ ‬الحقيقي؛‭ ‬لكل‭ ‬حُسيني‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬واقعة‭ ‬الطف‭ ‬ثورة‭ ‬على‭ ‬الظلم‭ ‬والفساد‭ ‬والطغيان‭.‬

مشاركة