
المواطن العراقي غريب في وطنه – نجاح سميسم
لقد قرأت قبل فترة منشوراً،أو مقالاً لأحد الكُتّاب العراقيين،الذي يُقيم الآن في هولندا، يذكر فيه بعضاً من معاناته أيام النظام السابق، حاله كحال أغلب العراقيين الذين لم يمالئوا النظام ، فأعتبرهم معارضين لسياساته المرتجلة، فبدأ بمطاردتهم، وزجهم في سجونه المظلمة وتغييبهم إلى الأبد، ولكن الذي سنحت له الفرصة بالهرب خارج البلد، تخلص من الموت المحقق، أو المصير المجهول ، أو الرقابة والمضايقة المستمرة،لمن بقى داخل العراق 0 يذكر كاتب المقال الذي لا أستطيع ذكر أسمه لأنني لم أأخذ موافقته ، كيف أنه دُعي إلى خدمة الأحتياط بعد 3 أشهر من تسريحه من الخدمة الألزامية البالغة سنة وتسعة أشهر لخريجي الكليات، بعد أندلاع الحرب العبثية بين العراق وأيران ( الحرب الممولة خليجياً والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من خيرة شباب البلدين، والتي دمرت قُدرات العراق وبناه التحتية والفوقية، ثم تلتها حرب الخليج والحصار،بعدها أحتلال العراق من قبل الأمريكان،ثم حكم الأحزاب الأسلامية ، التي لازلنا نعيش خريفها الأصفر).
يذكر كاتب المقال كيفية أعتقاله بعد فترة قصيرة من دعوته إلى خدمة الأحتياط بأعتباره من مؤيدي حزب الدعوة،ثم إطلاق سراحه بعد أن قضى ما يقارب السنة في الزنزانات المظلمة، لعدم ثبوت التهمة عليه ، وهنا كان قراره بمغادرة العراق إلى أرض الله الواسعة ومن دون عودة.
ولقد تطرق في مقالات سابقة كتبها على شكل حلقات المعاناة المريرة التي جابهته وجابهها، أثناء رحلة هروبه من العراق إلى المصير المجهول والذي لا يعرف أين تلقى به عصا الترحال راحلته،حيث كانت وجهته الأولى الأردن ..ثم يتطرق إلى سنين من الصراعات التى عاناها في رحلة هربه من موطنه إلى أن أستقر سكناً وعيشاً في (هولندا) البلاد الكافرة التي أحتضنت عشرات الآلاف من المسلمين العراقيين وغيرهم كغيرها من البلدان الأوروبية والأمريكية حيث عاشوا في تلك البلدان مواطنين أصليين لأنه لا يوجد في تلك البلدان مواطن درجة أولى وثانية ، أصلي أو غير أصلي حيث الجميع متساوون أمام القانون لهم مالهم وعليهم ما عليهم بغض النظر عن الدين والعرق والجنس واللون، هم يحترمون الأنسان لأن الأنسان عندهم أثمن رأسمال، أنهم يحترمون أنسانية البشر وكذلك يرفقون بالحيوان، يحترمون كلَ من لديه روح تدبُ على الأرض مادام وفق القانون والنظام الذي سنوه لتنظيم حياتهم، ولكن للأسف فأنهم سيدخلون النار بسبب أنسانيتهم هذه التي احتضنوا بواسطتها المسلمين الهاربين من بلدانهم ، وفقهاء المسلمين الذين يحثون على القتل والأرهاب وألغاء الآخر سيدخلون الجنة من أوسع أبوابها رغم قذارتهم لأنهم مسلمون قتله0عندما شاهدتُ مقالَ صديقي الكاتب المعارض سابقاً وحالياً كتبتُ تعليقاً على منشوره، وهو بيت شعري من العصر العباسي، (فقلتُ له إنّا غريبان ههنا .. وكلُ غريب للغريب نسيبُ.
بلدان المهجر
نعم لقد عاش العراقيون الشرفاء الغربة بكل تفاصيلها ،فالذي غادر أرض الوطن مجبراً بسبب ظروفه إلى بلدان المهجر ، عاش غريباً بعيداً عن أرض مولده وملعب طفولته وصباه وشبابه، تنتابه نوبات الحنين إلى وطنه بين الحين والآخر يصل به حد البكاء رغم معيشته المحترمة في بلد المهجر، والتي يتوفر فيها كل شيئ وأهمها شعور الفرد بآدميته، عكس الذي يعيش في وطنه فاقداً لأبسط حقوق المواطنة.
أن الذي يعيش في بلاد المهجر بعيداً عن وطنه ،يشعر بالغربة بسبب البعد الجغرافي بعيداً عن أهله وأصدقائه وكذلك المناخ الذي لم يعتاده سابقا،وهذه قد تهون أمام أحترام النظام في تلك البلدان لمواطنيها بغض النظر عن أصولهم حيث يعيش محترماً وضامناً لمصير عائلته ،وهذا هوالسبب الذي جعل أغلب العراقيين المهاجرين يحجمون عن العودة إلى العراق أن الغريب الحقيقي أيها السيدات والسادة هو المواطن العراقي الذي يصحو صباحاً ولايمتلك قوتَ يومه، الغريب الذي لا يمتلك داراً يسكنها ، فالذي لايمتلك داراً، ليس له وطن ، علماً أن أكثر من 35 بالمئة من العراقيين لايمتلكون سكناً ، وهناك نسبة كبيرة ممن يعيشون في عشوائيات أشبه بزرائب الحيوانات أنت غريب أينما تولي وجهك في الشارع حيث الغبار والأتربة، وتلوث البيئة، والحفر، والمطبات، وشرطي المرور الذي يلعب البوبجي بدلاً من أداء واجبه، انت غريب في المستشفى عندما لا تجد دواءً وفي المدرسة والجامعة عندما لا تجد تعليماً.. غريب عندما تشاهد الفاسدين يصولون ويجولون ويسرقونك جهاراً نهاراً من دون محاسبة والشريف صاحب الخبرة والكفاءة منزو في صومعته يعدُ أيامه متمنياً الموت العاجل وهو يرى سقط المتاع قد نزى على، أرض الرافدين، بلاد سومر وأكد وبابل وأشور بسبب تسلط الأحزاب الأسلامية وأستغلالها للمقدس بأبشع صورة، وسيادة الفكر البدوي المتخلف.
أن الذي دعاني إلى كتابة هذا المقال بهذه المقدمة، الطويلة نسبياً هو الموقف التالي الذي سأنقله كما حصل :
اشارة حمراء
قبل أيام كنتُ أقود سيارتي، وبجانبي أبو محمد الشيخ المشخابي الحسجة مدعوا عندي على غداء تمن وسبيناغ (طبعاً بالنجف اسمه سبزي) فتوقفتُ في تقاطع الغدير – السلام في النجف حيث كانت الأشارة حمراء ،فأقترب مني أحد الباعة المتجولين تجاوز عمره الأربعين سنة ، وهو يحمل علبتين من الفراولة فقال لي وهنا سانقل حديثه باللهجة الدارجة وكما حدث (عمي بروح ابوك هذني أخر باكيتين اشتريهين بالفين وخلي أروح لأهلي، ثم نظر لي ملياً وكأنه عرفني ..
أستاذ نجاح شلونك ، ما عرفتني أني عادل بن حجي عباس وأنت أستاذي درستني مادة الكيمياء بمتوسطة دمشق .. هنا أشتغلت الأشارة الخضراء فقال استاد بروح ابوك عندي حجايه وياك فتح باب السيارة الخلفي وصعد ، عبرت التقاطع وتوقفت بجانب الرصيف كتله امشي تغده ويانه كال لا أريد أروح لبيتنه .. كتله سولف كال اني عادل درستني بالثاني متوسط بشعبة أ بسنة1987 وكان ويانه بنفس الصف سيد مقتدى ماتذكرتني استاد وأنت جنت صديق ابويه وكم مرة ابويه أجه يسأل عني وأنت استقبلته وبالعلامة اني رحلتي جانت بصف الشباك .. تذكرته جيداً حيث كان طالباً شاطراً وكانت متوسطة دمشق تقع في حي الحسين الشعبي الملاصق لحي الحنانة الذي كان قسم من سكانه من الأثرياء وكان طلاب المتوسطة خليط من الحيين، وكان الحاج عباس من كبار الأثرياء لأنه من كبار تجار السكر الذي أُعدم في زمن النظام السابق بقضية السكر التي راح ضحيتها عدد كبير من تجار الشكر .. قلتُ له أكمل يا عادل فقال أستاذ قصتنه قصه تذوب الصخر أنت تدري استاد ابويه انعدم وأني بالخامس اعدادي وصادروا املاكنا المنقولة وغير المنقولة بس بيت عدنه بحي الأمير مسجل باسم عمي حتى هذا البيت باعه عمي وبين ليلة وضحاها اصبحنه بالشارع امي عدها ذهب مضموم بعناه واشترينه بيت بسيط بالحي العسكري بعدين امي تمرضت بعنه البيت حتى نعالجها إلى أن توفت. استاد ما اريد أطول عليك هسه ساكنين بالايجار اني وعندي خوات اثنين كبار مامتزوجات هسه اني حاير بمعيشتهن ابيع ناكل ماابيع الناس تتصدق علينه وبالمناسبة اني خلصت علوم فيزياء وماتعينت كتله هسه المطلوب عادل كال أريد تشوفلي شغلة لأن تعبت من هاي العيشه ..
شاهدت دموع الحاج ابو محمد تنزل على لحيته وهنا قال له بويه يعادل صدك سالفتك تفتت الصخر صدام عدم ابوك وهذوله اللي اجو هسه لاذمه ولا ضمير عدموا حياتك وحياة خواتك تره يبويه ملايين العراقيين يعيشون غربة بوطنهم مثلك لافلوس ولاسكن ولاصحة ولاتعليم ولاراحة بال وحفنة من الحرامية متسلطين ومتنعمين ، بوية عادل مو سيد مقتدى زميلك بالدراسة ليش متروحله واللي يوصل يمه ميرجع خايب كله رحت بس ما وصلت لأن السيد الله يساعده حمل العراق ثكيل .. كله يبويه يعادل خلي عينك بعين الله حكومة صار ثلث تشهر مامتشكله على حساب شخص لو هو وزير الداخلية لو خلي يروح العراق للجحيم والنواب يريدون شخص وزير الدفاع لأن المنصب باعه زعيم سياسي ولكم صدك جذب طاحظج أمريكا على هاي الجيه ).. الغربة في الوطن جحيمٌ لايُطاق.. سنبقى نحن أهل الوطن غرباء في وطننا ، طالما بقى هؤلاء يتحكمون بمصير الوطن والمواطن .. من أين يُرجى للعراق تقدمٌ .. وسبيل ممتلكيه غير سبيله! فهل من صرخة مدوية ياشرفاء العراق















