المواطنة بين سند العلمانية وسندان الطائفية

المواطنة بين سند العلمانية وسندان الطائفية

علي محمد اليوسف

(1) بعد الانتخابات البرلمانية العامة 2010 هل أصبح حضور هوية المواطنة العراقية حتمية سياسية لانقاذ الديمقراطية ومسيرة دولة القانون والمؤسسات!؟ ثمة مؤشرات مؤكدة يمكن ملاحظتها في اوساط الكتل السياسية العراقية المؤتلفة والمتنافسة وكذلك بين رجال الدين وفي التوجه الشعبي وغالبية ادبيات التثقيف الصحفي الحالي في التبشير باستحضار المواطنة العراقية سياسياً وتوكيد الهوية المستقلة السيادية للعراق، بعد وقوع اخطاء كبيرة جسيمة دفع نتائج وسلبياتها الشعب العراقي بجميع مكوناته، ودفعت ثمنها ايضا معظم الكتل السياسية والاحزاب العراقية التي وجدت نفسها في تراجع رصيدها الشعبي باستمرار وغضب الشارع العراقي، حين سادت المحاصصة الطائفية ومحاصصة الترضية في ادارة الحكومة ومرافق الدولة وتغليب التمايز القومي احيانا في العمل السياسي على الصعيدين الحكومي والشعبي. ان اكبر سند داعم لتأصيل الهوية العراقية وتفعيل دورها السياسي في المواطنة الحقة هو في إضفاء (العلمانية) كظهير ساند دائم يحمي هوية الانتماء للمواطنة العراقية من الانزلاقات نحو الطائفية او القومنة المتشددة المتزمتة.. ويذهب بعض المنتفعين السياسيين الذين يحتمون بالطائفية في تطيرهم من مفردة (العلمانية) وتسويقها للناس على انها معاداة الدين وقرينة الالحاد. وهذا خطأ فادح، فالعلمانية تحترم الدين ولا تلغي دوره في المجتمع ولا تستطيع ذلك، بل هي تلغي الدين الطائفي المسيس من العبث والفساد في ادارة مؤسسات الحكومة والدولة كما جرى لسنوات عديدة مضت ، حين تتحول الطائفية الى سياسة حكم وادارة مجتمع، العلمانية معناها الحقيقي السياسي يعني الغاء هيمنة استفراد طائفة او استقوائها على اخرى، كما تلغي العلمانية شوفينية القومية وانفرادها الاستبدادي، العلمانية من منظور ديمقراطي سليم هي كفالة دور جميع الطوائف الدينية في بناء الوطن والحفاظ على وحدته والذود عن استقلاله وسيادته. ولا يتم ذلك في تسييس الدين على وفق نهج ونموذج الطائفية ، وانما يقوم على بناء دولة القانون والمساواة والحرية. فالعلمانية لا تلغي دور الدين في المجتمع ولا تحاربه ولا تعاديه، بل تحاول اغناؤه والحفاظ عليه وإضفاء القدسية له وذلك في ابعاده عن معترك السياسة وتعقيداتها وألاعيبها. لان السياسة متغير تحكمه المصالح في حين الدين ثابت تحكمه العقيدة والشريعة الدينية ، السياسة عملية صيرورة بنائية مادية للمجتمع بينما الدين اثراء روحي ايماني واخلاقي للانسان. زج الدين الطائفي بالسياسة يكون اما في الغاء احدهما للاخر، واما في تجيير وتسليع احدهما من اجل الاخر وتوظيف احدهما لخدمة الاخر وعلى حسابه، وكلا المنحيين خاطئين غير مرغوب بهما او بأحدهما لانه يلغي وطنية المواطن الحقة الصحيحة اولا واخيرا.العلمانية لا تخسر الدين ولا تفرط باهميته ودوره المجتمعي الكبير، فالدين من اهم اعمدة وركائز المجتمع وتكون فاعليته القصوى خارج المنظومة السياسية والحكومية.الدولة كيان اعتباري يقوم على مؤسسات متداخلة في المهام يضبطها تطبيق القانون كوسيلة في تنظيم حياة المجتمع، والمجتمع تكوين بشري يضم الطوائف والاديان والاقليات والقوميات والحفاظ على وحدة وتماسك المجتمع لا يكون بالغاء هذا التمايز التكويني البشري المنوع المتعدد، بل بالعكس في اعتماده وتنظيم التمايز فيه من اجل تعايش سلمي واحترام متبادل على وفق ضمان ثوابت احترام القانون الكفيل باعطاء الحقوق وفرض الواجبات ومنع زرع بذور الاختلافات والاحترابات الجانبية داخل المجتمع الواحد واحيانا يأتي هذا الاحتراب من خلال تنفيذ اجندة خارجية غير عراقية ولا وطنية لا تريد للعراق بناء دولته العصرية الديمقراطية، وتعايش مكونات شعبه بسلام دائم. (2) الطائفة مذهب ديني والطائفية تمذهب ديني سياسي ، الطائفة انتساب مذهبي داخل الدين، والطائفية توظيف الدين في خدمة السياسي، الطائفة كيان ديني لا يمكن إلغاءه والطائفية نزعة دينية متزمتة يتوجب إلغاؤها وزوالها داخل المجتمع الواحد، الطائفة وجود بشري – ديني – كياني في جسد المجتمع لا غنى لنا عنها ولا يمكننا التفكير بمحاربتها، اما الطائفية فهي وسيلة سياسية حان وقت تجاوزها سياسيا واجتماعيا وثقافيا. ومع انبثاق النهج الديمقراطي السياسي في العراقي وقيام هيكليات البنى السياسية للعراق الجديد، وبعد مروراكثر من عشرة أعوام تقريبا من تغيير النظام السابق اتضح أمام جميع الأحزاب والكتل السياسية الفاعلة في الحكومة والدولة والتي هي خارج الحكومة أيضا استحالة استمرار حالة الجمع ما بين سلطة الطائفة التي هي تمذهب سياسي وتخندق طائفي اغلب الأحيان مع المنهج الديمقراطي في تسير شؤون البلد، لان الديمقراطية هي عدد من الاشتراطات القانونية الوضعية التي تتقاطع ولا يمكنها التعايش مع الرؤى والسلوكيات الطائفية الضيقة في تسيير شؤون وحكم البلد. وكذلك اصطدمت القومية التي كانت مهضومة وهاضمة لبعض الحقوق ، والحريات الشعبية ، والمطالب المشروعة بحاجز عدم أمكانية تجاوز حجمها وحدودها سياسيا وجغرافيا، في ظل نظام ديمقراطي تمديني حديث لا يؤمن ولا يسمح بالتمايز ولا الوصاية على الغير خارج حكم القانون والدستور. فالتمتع بكل الحقوق التي حرم معظم الشعب العراقي منها في السابق لا تستطيع اليوم جعل الديمقراطية وسيلة وصول لتحقيق حيازة ما هو حق مشترك للعراقيين جميعهم وليس حق منفرد لشريحة او مقوم من مقومات الشعب العراقي. ينتزع بفرض الامر الواقع بالقوة والاكراه. حين تحاول الهوية العراقية تسندها العلمانية الانفصال عن التخندق الطائفي فأن نفس الهوية العراقية الموحدة الغير قابلة للقسمة والتقسيم تسندها دولة القانون والمؤسسات ومرجعية الدستور العراقي التي تجعل من القومية في ظل الحياة الديمقراطية احد ركائز الوحدة السيادية في بقاء واستمرار العراق الواحد الموحد وليس عامل تفكيك للبلد.قبل عشر سنوات من الآن لم يكن قد تبلور الحس السياسي الديمقراطي في اذهان العراقيين ان حقوقهم الوطنية الاساسية لا تكون ولا تتحقق الا في بناء دولة الحرية والديمقراطية والقانون، واستحضار المواطنة العراقية وتغليب مصلحة العراق فوق كل القيم السياسية التي تشتغل زورا باسم المواطنة وتعمل تضليلا من خلال توظيفها للمواطنة والمناداة بها كوسيلة من وسائل الربح السياسي. اليوم ادرك العراقيون جيدا ان الانتماء القومي او الديني لا يأخذ كامل مداه المجتمعي العراقي المطلوب الا من خلال مشروع وطني سياسي دستوري منظم يقوم على مرتكز الهوية العراقية التي هي المواطنة الحقة. والوطن والهوية هما كيان حاضن لجميع انواع الكيانات المجتمعية الجزئية المحدودة القياس بالمقارنة مع الهوية الوطنية العراقية المفتوحة للجميع. ولن يأتي على العراقيين يوم لا تجد فيه الطوائف والاديان والقوميات والاقليات خصوصياتها مصانة محترمة وحقوقها وواجباتها مؤمنة الا في حضن الوطن العراق الواحد وسيادة القانون والديمقراطية بما يرضي الجميع.

مشاركة