الموازنة العامة ومسألة التنمية والعدالة الإجتماعية – عدنان مناتي

306

 

 

 

 

الموازنة العامة ومسألة التنمية والعدالة الإجتماعية – عدنان مناتي

الموازنة العامة هي خطة مالية نقدية مستقبلية لمدة سنة وتتكون من ايرادات الدولة ونفقاتها ، وتتكون هذه الايرادات من مصادر عديدة أهمها الايرادات الاقتصادية المتحصل عليها من استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة كعوائدالنفط والزراعة والصناعة ، والأخرى الايرادات السيادية كالضرائب والرسوم والغرامات. أما النفقات فهي تشمل عدة مجالات أهمها النفقات الاستثمارية التنموية والنفقات التشغيلية الادارية كالرواتب والاجور  والنفقات العسكرية والنفقات الأخرى كسداد أقساط الدين العام الداخلي والخارجي وفوائدها . وتعتبر الموازنة في حالة توازن اذا تعادلت إيراداتها مع نفقاتها وفي حالة عجز اذا زادت نفقاتها على إيراداتها وبالعكس تسمى حالة فائض.

وتمثل الموازنة انعكاس للسياسة المالية للدولة التي تستهدف تحقيق أولا معدلات عالية للنمو الاقتصادي بمعنى تطور الناتج المحلي ومتوسط دخل الفرد وثانيا تحقيق الاستقرار الاقتصادي بمعنى استقرار نسبي للمستوى العام للأسعار وتشغيل الموارد لمعالجة البطالة وثالثًا تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال اعادة توزيع الدخل .. ولذلك اذا تمكنت هذه الموازنة من تحقيق تلك الاهداف فانها تكون اداة للتنمية والعدالة الاجتماعية واذا لم تتمكن من ذلك معي اداة للتخلف الاقتصادي والاجتماعي ولخلق الطبقية السلبية والتناحر الاجتماعي وتزايد مساحة الفقر . واذا ما نظرنا لتاريخ هذه الموازنة خلال العقود القليلة الماضية نجدها تتسم بحالة العجز  التي تفاقمت في السنوات الاخيرة واصبحت ظاهرة سلبية تقود الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالرغم من تزايد الايرادات النفطية بوصفها العمود الفقري لايراداتها مقارنة بسنوات ما قبل 2003 وتعود هذه السلبية الى مجموعة من الاسباب تتركز في الآتي:

1- تزايد الاعتماد على ايرادات النفط الخام المرهونة بمتغيرات خارجية اقتصادية وسياسية بخاصة أسعار النفط في السوق الدولية والذي يشهد الآن انهيارا في هذه الاسعار ، والمقترنة بالتدهور المتراكم في الاقتصاد السلعي غير النفطي بسبب غزو عام 2003 والسياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة بعده ، والذي اوصل البلاد الى وضع اقتصادي متردي .

 2- ضعف سيطرة الحكومة على مقدرات البلاد ومنها الاقتصادية والنفطية ، اضعف قدرة الدولة  في الحصول على الايرادات منها عمليات تهريب النفط في مختلف مناطق البلاد من جهات غير حكومية ، وفقدان السيطرة الحكومية على عوائد المنافذ الحدودية من الضرائب والرسوم.

3- تزايد النفقات التشغيلية كالرواتب والاجور  التي بلغت قرابة 70  بالمئة الناتجة عن جيوش كبيرة من العاملين الحقيقين والوهميين في دوائر الدولة المدنية والعسكرية ، فضلا عن البطالة المقنعة التي تملأ هذه الدوائر ،  وضخامة الرواتب للرئاسات الثلاث وملحقاتها الوظيفية  ، والرتب العسكرية العالية التي لم يشهدها تاريخ العراق ، والاعداد الكبيرة لوكلاء الوزارات والمستشارين والدرجات الخاصة وغيرها الكثير ، كل ذلك اثقل كاهل الدولة بما ينفق عليهم من رواتب ومخصصات وايفادات ، فضلا عن الرواتب المزدوجة التي تمنح لعشرات الآلاف من الافراد.

4- ضخامة حجم الانفاق الاستهلاكي البذخي وغياب سياسة ترشيد الانفاق العام كأعداد السيارات الحكومية الفارهة والمدرعة والصرف التبذيري لكبار المسؤولين في حياتهم اليومية وسفراتهم .

5- تزايد النفقات العامة في السلك الدبلوماسي بخاصة ان كثير من السفارات والمؤسسات العراقية في دول لا توجد للعراق فيها مصالح  .

6- ظاهرة التخريب الاقتصادي والتي تؤدي الى خفض الايرادات الاقتصادية ونموذجها ما تشهده البلاد من حرائق للمحاصيل الزراعية خلال السنوات الاخيرة ، والتي يمكن تفسيرها بضعف الفعل الاستخباري الاستباقي .

7- تفشي ظاهرة الفساد المالي في دوائر الدولة والتي زادت من النفقات العامة  وخفضت من الايرادات العامة . وادت الى هدر وسرقة المال العام .

كل ذلك قاد الى سلبية الموازنة العامة اقتصاديا واجتماعيا وحتى سياسيًا ، واخفقت في تحقيق شيء تنموي وفِي تحقيق شيء على طريق العدالة الاجتماعية ، والذي اكدته ممثلة الامم المتحدة امام مجلس الامن من ان انكماش الاقتصاد العراقي سيكون  9.7 بالمئة وقرابة 40 بالمئة مساحة الفقر من حجم السكان في هذه السنة.

بناء دولة

وتأسيسًا على ما تقدم فإن الدولة العراقية امام خيار ين اما الخلاص من هذه السلبية و الشروع ببناء دولة اقتصاديا واجتماعيا تسهم الموازنة فيها أو تفكيكها وضياعها .. ويمكن اعتماد مجموعة من السياسات والاجراءات التي من شأنها ان تجعل البلاد على طريق انقاذه من التفكك والضياع بخاصة في ظل تحديات خطيرة ابرزها  انهيار أسعار النفط وجائحة كورونا وعودة الارهاب الداعشي  في مناطق عدة من البلاد:

1- اعادة هيكلة دوائر  الدولة المدنية والعسكرية وبما يخفض النفقات العامة ويزيد الايرادات ، وبخاصة الاستفادة من خبرات وقدرات العراقيين المتواجدين في دول اخرى لبناء بلدهم .

 2- وضع نظام جديد موحد للرواتب يشمل العاملين من مدنيين وعسكريين في الدولة  وكذلك للمتقاعدين ، يراعى فيه العدالة الاجتماعية . ومن شأن ذلك تخفيض النفقات العامة.

3- الالتفات للانفاق الاستثماري الاقتصادي الذي من شأنه ان يزيد الايرادات العامة غير النفطية ، لانه هو طريق تنمية الاقتصاد الوطني .

4- الالتفات الى النظام الضريبي وتعديله بعد تنظيفه من الفساد الاداري والمالي المستشري فيه . والذي من شأنه ان يزيد من حصيلة الضرائب المباشرة وغير المباشرة .

5- محاربة جدية للفساد الاداري والمالي الذي لايختلف في خطورته عن الارهاب ، والبدء فعلًا باستعادة الاموال العامة المسروقة ، ومن شأن ذلك ان يوفر  اموال طائلة للموازنة.

 6- ان تفاقم مشكلة العجز في الموازنة والذي بتراكمه اصبح عجزا هيكليا وله آثار خطيرة على الحياة بمختلف مناحيها ، فإنه ممكن التفكير بمعالجة ذلك من خلال الاقتراض العام (الداخلي) بوصفه احد الحلول لهذا العجز  لان هذا الاقتراض لا يترتب عليه زيادة في عرض النقود تقود لمشكلة التضخم ، وذلك من خلال بيع السندات الحكومية واذونات الخزينة للافراد والمؤسسات المالية والنقدية ، أما الاقتراض الخارجي من دول اخرى او من الصندوق والبنك الدوليين فمشكلته في الشروط الاقتصادية بخاصة اين يتجه القرض فإذا كان الانفاق استهلاكي فهو الاخر سيزيد من تفاقم المشكلة ( اقساط الدين وفوائده) واحيانا شروط سياسية  تفرضها الجهة المانحة .

وحول معالجة العجز بالسحب من الاحتياطيات الاجنبية للبنك المركزي فهي الاخرى صعبة التفكير لان لها آثار سلبية على سعر صرف العملة وعلى مستوى الثقة المحلية والدولية بقدرة الاقتصاد .. وحول معالجة العجز بطباعة العملة بدون غطاء من العملات الاجنبية الصعبة فهو يمثل الخيار الاخير  وهو الخيار الخطير الذي يؤدي الى مشكلة التضخم التي لها اثار خطيرة على الاقتصاد والتنمية ومستوى كلفة معيشة الناس .  ولذلك فإن تصحيح عجز الموازنة  وفِي ظل الواقع الاقتصادي العراقي والتحديات الاخرى التي تواجه البلاد ينبغي ان يكون هذا التصحيح جزء من الاصلاح الاقتصادي الشامل في البلاد .

{ اكاديمي وخبير اقتصادي

مشاركة